عالم المثال

عالم المثال

اللوحة: الفنان الإنجليزية إليزابيث وانج

في مباريات كرة القدم تكون المباراة حامية وعنيفة، تتوتر الأعصاب وتتلاحم الأجسام وينفلت السباب، يتبادل اللاعبون الضرب والدفع والعركلة، قد تسيل دماء أو يكسر ضلع، تحتسب الأهداف والتسلل والفاول، ويُلوِّح حَكم المباراة بورقات صفراء وحمراء، وتدور عقارب الوقت وتنتهي المباراة، وتتراجع نفسية الاندماج والتقمص، ثم تنتهي تلك الحمى من الانفعالات والحركات الحامية إلى هدوء ومصافحة بالأيدي واستسلام إلى أنَّ ما حدث قد حدث، وتغمر الروح الرياضية الصدور؛ وتبرد العواطف والغرائز، ويقوم الجميع بتحليل المباراة بلا مشاعر سيئة ولا شعور بالفوت أو الخسارة، لأنها أهداف في شبكة الملعب وليست قذائف في قلب أو صدر فلان، فلم يقتل أحد ولم يخسر أحد أمواله، ولم يَخن أحد ولم يَغدر أحد ولم يُسجن أحد ولم يُحرم أحد، لأنها .. مباراة.

***

في غزوة «أحد»، هُزمت قريش في البداية، بدأ المسلمون في جمع الغنائم، ثم هَبط إليهم الرماة ليشاركوهم، خالفوا الأمر بلزوم مكانهم مهما حدث، ثم قدَّرَ الله أنْ احتفظ «خالد بن الوليد» بوعيه وتركيزه حين لمح الجبل بدون الرماة، فارتد بجيشه، فعانى المسلمون هزيمة دامية وصدمة قاسية، فمنذ عام انتصروا على قريش في «بدر»، وقاتلت معهم الملائكة، ورسخ في خاطرهم أنهم أهل الحق والمؤيدون من السماء، ثم يمر عام فينهزمون ويقتل ما يزيد عن السبعين، ويصبح هناك شهيد في كل ثلاثة بيوت.

حين نرصد ذِكر معركة «أحد» في التراث، نجد أغلب مفردات السيرة «أزمنة وأماكن وشخوص ومواقف وأحاسيس وعواطف»، هذه تعابير وأدوات بشرية، تخص ساكني كوكب الأرض، لا يمكن مقارنتها بالمِثال الهابط من السماء، فماذا عن القرآن الكريم!

نقرأ صفحتان كاملتان تعلق على غزة أحد بمثل هذه الآيات: «إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ»، «مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ»، «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ»، «قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ»

لا ذِكر للمعسكر الآخر ولا لوم للمخالفين، انتهت المباراة وحان وقت الدرس، خطاب الحكمة والعلم المطلق يتكلم من أعلى، كلمات غير مغموسة بأي مِسحة بشرية، وكأنّهاَ شبه حياة وليست حياة، وكأنَّ الحرب كانت «مباراة».

لنتأمل هذه الآية: «وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» 

***

التصور عن الله يحدد خبرة التدين، يستسهل الواعظ أسلوب الترهيب الزائد والذي يسبب اليأس، لو تخيلنا ديكتاتور له مزاج متقلب، ويَهوى كرة القدم ويرعى بنفسه الفريق الوطني، يحضر تدريباته ويتدخل في قرارات وفنون اللعبة، ثم يخوض الفريق مباراة دولية، يدرك كل لاعب أنَّه في أي لحظة قد يؤمر بمغادرة الملعب ويستبدل، الاحتمال الأكبر أن يتم تعذيبه أو توبيخه وربما قتله، فمزاج الديكتاتور وسلطته بلا حدود، في هذه الحالة سوف تكون نفسية اللاعب أثناء المباراة مرتبكة ومشتتة، ويصبح طعم المباراة مريرا في حلوقهم، فيكون اللعب بارتباك مغمور بيأس، فتكون المباراة نكد والخروج منها نكد آخر أكبر.

الحياة هي مباراة كل الناس، وهذا الديكتاتور الذي يُفسد حياة الناس هو ما يملأ أفكارهم وخواطرهم من سوء ظن بالله، فمن حَسن ظنه بالله سيسعد في حياته ويعمل صالحا ويرحل راضيا وسعيدا، ومن يسيء ظنه بالله ويتخيله حاكما مستبدا، سوف يحيا نكدا ويغفل عن أنَّ رحمته وسعت كل شيء.

***

في مشهد الحوار العلوي الذي حضره الملائكة وإبليس حول آدم؛قال إبليس: «لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰل مِّنۡ حَمَإ مَّسۡنُون»، « فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين»، «أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا»، هذا كلام إبليس مع ملك الملوك، فما الذي يجعله يأمن عقاب الله؟ وغضب الله؟ وكيف نفسير الرد الإلهي؛ {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ}، هل هبط إبليس لأنه «تكبر فيها» أم لأنه «تكبر في حضرة ملك الملوك»؟

لو كان الحوار بشريا بين إنسان وامبراطور، لاعتبرت هذه الجُرأة متحدية لسلطانه وهيبته، ثم يقرر له عقابا وعذابا بحيث يتمنى الموت ولا يناله، ولكن في السماء، عالم المثال، قيم عليا أخرى يجب أن نبذل الجهد لنفهمها، فملك الملوك أعلى من هذه المشاعر والنفسيات البشرية، ولهذا ورد فقط ذكر لجرأة إبليس على المكان، ولم ينطق إبليس إلا وهو ممتلئ بالوعي أنَّه مخلوق أمام «ملك الملوك» الذي كفل الحرية لمخلوقاته، الملائكة تكلمت عما في نفسها بحرية وجاء الرد والحجة من الله، إبليس تكلم عما في نفسه من ضعف وكبر وغيرة وشعور بالتنافس مع آدم، فطرده وأمهله بعد أن ثرثر بكلمات كثيرة تذم وتتوعد آدم.

لو سب طفل إنساناً بالغاً، سيتعامل معه كطفل في وعيه وجسده، ويرفق به، لا يعاقبه ولا يلومه ولا يهينه، فلا يصدر من الطفل إلا عصير الطفولة.

ما هي المسافة بين المخلوقات والخالق؟، لا شك أنها أكبر بكثير من المسافة بين الرجل البالغ والطفل، ولا شك أن المسافة بين المخلوقات والخالق لا نهائية، ولهذا «فملك الملوك» أعلم بطفولة إبليس والملائكة وكل المخلوقات، وأعلم بقدراتهم المحدودة؛ «كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ». ربما هذه الآية من أسرار جرأة إبليس، فالله أكبر من أن يحرم المخلوقات من الحرية في التعبير عن أفكارها، الله أكبر من أن يضطرهم إلى النفاق وكتمان ما بنفوسهم.

قيم السماء التي تهبط بالوحي إلى الأرض مجردة عن الصبغة البشرية، نحن نصبغها ببشريتنا، ونخطئ في فهم الأسماء الحسنى، فيدخل في روعنا أنَّ الله يفرح ويحزن ويغضب بمشاعر البشر، وبهذا وقعنا في خطأ كل الأمم.

***

هل هي حياة كاملة وحقيقية أم شبه حياة؟ تتسع وتضيق بحسب إنجاز الإنسان فيها وتحقيق مراد الله منه، هل هو امتحان صعب وشاق، أم امتحان الكتاب المفتوح؛ حيث تتناثر الإجابات من كل جانب، ولكننا لا نمد أيدينا لنتلقفها، ما هذه الحياة وما هذا الإنسان؟ ما يدهشني أن المسافة بينه وبين المخلوقات فلكية، رغم أنه له عمر المخلوقات؛ وضعف المخلوقات؛ وغرائز المخلوقات، ويكاد يكون اخا لهم؛ «وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا».

يندر من يفكر في هذه الآية، ما هذا الإنسان الذي ثلث حياته نوم هو أخو الموت؟ والثلث الثاني شغل، والثلث الاخير؛ يحار في كيفية قضائه، يقتله الملل فيبحث عن أي وسيلة لهو يسكب ويهدر فيها بقية عمره، كلنا ينزلق من بوابة الرحم إلى الحياة، ثم يخرج حين يتذوق الموت، وحين يُبعث يقول «لبثت يوما أو بعض يوم»، ينظر وراءه لعشرات السنين، يجدها تتضام وتتقلص فتعادل يوما أو ساعات في ذاكرته، كلنا يحيا ويموت ولم يمهر الحياة.

الأحمق الذي تراه بجانبك أو في المِرآة، ليس أول أحمق على وجه الأرض، سبقه طابور طويل إلى مصيدة الحمقى، ولم يخطر ببال أغلبهم أن يسأل الذي أمامه فيتعلم، ثم يسرع بمغادرة طابور الحمقى إلى طابور الحكمة.

أليس غريبا أنَّ الذي يمهر الحياة واحد من مئات الآلاف، وأغلبهم تستهلكه العادة والغريزة، ألا يتشابه هذا مع الحيوانات المنوية التي تملك نوع حياة، تندفع بمئات الملايين ولا يفوز إلا حيوان واحد، هل يخلق الله كل هذا الخلق، من أجل أناس هم أندر الناس، يخلقها للممتازين، ألم يبعث الله في أمم نبيا وعاد بلا أتباع أو بقليل منهم، لماذا يبعث الله نبيا من أجل واحد؟ هل سقط الكل من نظر الله ولم يتبق مستأهلا إلا هذا الواحد الممتاز؟

الأمر لن يصل لدرجة نبي لكل مواطن، هل هناك من يفهم هذا ويجعل من نفسه الممتاز في هذا الزمان، الذي لا تبتلعه الدوامة، ولا يربط بالساقية وهو مغمض العقل، ولا يتنازل عن كامل وعيه، فهي حياة واحدة على الأرض، فلا يتنازل عن وعيه وامتيازه.

***

«وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ». شغلت قصة «ابني آدم» صفحة كاملة من القرآن الكريم، «هابيل» لم يمد يده للدفاع عن نفسه، رفض أن يهدم بناء الله المقدس، الإنسان، ورد ذكر «هابيل» في القصة في موضع المدح والمِثال، وورد ذكر «قابيل» في موضع الذم والخسران والندم، هذه القصة جاءت ترجمة لكلمة الملائكة: «”قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ»، هابيل كان نبيلا، وقابيل كان شهوانيا وأنانيا، من يتمثل بهابيل في الحياة؟، ليس شرطا أن يهم أخاك بقتلك؛ هناك أمثلة أقل من القتل، وكلها اعتداء، كل أمثلة الاعتداء والظلم والقسوة؛ تستتر وراءها كلمة «لأقتلنك»

من قدوته هابيل؛ يلين، يذكر الله والرحم والرحمة، يسامح، يقابل بالحسنى وسليم القلب. لماذا نتمسك فقط بالآيات والآثار التي تبيح رد الصاع بالصاع؟ والتي تدعو للقصاص؟ ونغض الطرف عن مثل تلك القصة القرآنية التي تعرض صورة محمودة من الموقف السلبي تجاه ظلم الإنسان، فهناك بين الحق والباطل فجوة يحتلها العفو والحفاظ على الود والسلام؛ فتسد صدع ما بين الأخوة من مشاحنات، لماذا انتشر بين البشر إسم قابيل واندثر تماما هابيل؟ لقد جربنا سلاسل الثأر ورد العدوان، ولم نجرب الكف والسلم والإصرار على السلام وفقا للخطة القرآنية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.