نجوى حسين عبد العزيز
هذا الشاعر الأريب فتح لنا أبواب الشعر الحر، واعتلى قمته بمهارة وجدارة بقصائد غناء موجزة مسددة، ثرية بلغة سليمة ومفردات بليغة وحروف متأنقة رصينة.
باقته الزهراء (خربشات) تشمل مناحي عدة، تنطلق من الحب ذلك المخلوق الساحر، ثم تمتد فتغوص في قضايا الانسان وهموم الحياة.. موهبته الغراء تحملك لتدخل عالمه المسحور بحروفه، يدور معك فتلقى نفسك في جزيرة الأبجدية الموشاة بالبلاغة والحسن أسيرا، ولا يتركك تنعم بالمشهد بل يُناوشك ويُشاغبك لتطرح عنك دفء المكان وعظمته، لتجري خلفه في إحدى درره، وتغوص معه وهو يقدمها لك، فهنا عتاب للحبيبة ووجع إنساني الى الغربة ونسيجها الدامي.
“تتقافز الكلمات الغضبى من فوهة بركان الغربة كالسيل، الكآبة تطرح وجعها على الحياة فتنجب المستحيل، يجتمع داخله اليأس والمرارة، تخبو أغنيات الصباح في أوشجة الظلمة والجمرات
أدرك بعد فوات أن
الزهر النابت في أعماقه مات،
قمة اليأس صدرتها حروف غاية في المرار تتسلل إلى روح المكان والمتلقي،
غير الأمل الذي يعربد
في دم الشاعر،
فهو ممهور بالانتماء للربيع الذي يأتي متألقًا في ليل
بلا نجوم ولا قمر.
رغم عودته بدون الحبيب المغادر وكأن ذاك الراحل جزءًا من نسيج وكيان الشاعر الذي بات حتى الربيع لا يُبهجه انكسر القلب شظايا وهو مشهد عبقري الحسن وثاب.
وللشعر في لغة الشاعر مفاتيح وحكايات تُعطيك تجربة تُثري عقلك بمكنون قلبه وتجربته التي كان نتاجها هذه الأبيات التي تسللت إلينا بنبضها فأحكمت قبضتها على أوضاعنا.
(الخوف مازال يسكن البيوت)
(حاذر أن تصرعك الدهشة
أو ذنب يتجلى أو ذئب يتخفى في ثياب بشرية) وهي نهاية تحذيرية لنفسه،
ألا يقع في تجربة تزيد أوار وجعه وتُذكي نيران ندمه.
حتى الأحلام تصدر أنينًا خافتًا يسمح لها بالمرور الى عقله الباطن
(أن تخلع عنك الأحلام) فما أبهى هذا الوجع حين يُرسل إلينا رسالة مفادها: ليس بالأحلام؛ ولا بالخيال نحيا.
إضاءة إنسانية بديعة الحنان والوجع يصدرها الشاعر الأريب غدية، فهو كشاعر ليس مغلقًا على تجارب الحب وتباريحه، بل ينتقل بنا إلى وجع الإنسانية التي ألقت بنفسها من شاهق فتمزقت أوصالها، ولم يُعد لعلوم البشر قدرة على لملمة وجعها وكف الأذى عن قيمها، في رسالة إلى الذين يقتلون مرضى الفقراء ويستخدمونهم كفئران تجارب، فيتحدث كفقير مريض يخشى نزع أعضاؤه ويشتكي هؤلاء الظلام لأهل الرحمة من الطيبة الذين (يطيب لأجلكم الحب والانحناء).
غدية فارس القصيدة الحرة بروحه وحروفه وتعبيراته الوثابة بمفردات لغوية – لا يرقى لها البعض- خاصة به مشاهده الشعرية تفيض بالمفارقات بين الألم والأمل والخيبة ويأس مفتون بأغصان وظنون.
ويُلقي إلينا صاحب القصيد مبررات خروج الصدق من الخدمة بخشية فوات القطار، رمزية حالكة الظلمة في وضح الضياء ومازال الصدق في عرينه باسما يترنم بأعذب الالحان، في لقاء الشاعر بأصحابه يبرر لهم جفاف مشاعره واستسلامه لما أصابه من وهن آلام الحياة.
ويودعهم بأمل في لقاء
بعد عام.. او يزيد
وكله خوف من تفرق الصحبة وضياع المحبة كما ضاع الصدق، فيعود خاويا بلا رفاق وشبه الصحاب تشبيها نديا بالندى والغطاء في زمهرير الشتاء.