د. عوض الغباري

السيد أحمد البدوى قطب عظيم من أقطاب الصوفية ارتبط بمدينة طنطا، وكان علما عليها، يتوافد إلى زيارة مسجده فيها ملايين البشر من مريدين متصوفة ومحبين له معتقدين بصلاحه وكراماته متبركين به محتفلين بمولده في طنطا سنويا. والتصوف في مصر مظهر من مظاهر التدين العميق الذى تشتهر به الشخصية المصرية، وإن شابه الكثير من البدع والخرافات التى تنسب إلى شيخ الطريقة الصوفية أمورا غير معقولة مبالغة فى إظهار كراماته على غير حقيقة التصوف وأعلامه من المشايخ مثل السيد أحمد البدوى.
وسيرة السيد البدوى مباركة تناولها – على نهج التصوف الأصيل- الدكتور/ سعيد عاشور في كتاب صدر عن سلسلة أعلام المصريين بالهيئة المصرية العامة للكتاب متناولا حياته المباركة على أسس تاريخية علمية تنصف السيد البدوى، والتصوف والإسلام الذى شوهه الناس بقصد أو بغير قصد.
وقد وصف الدكتور “عاشور” السيد البدوى هذا الوصف الجميل بقوله، “وهو الرجل العف النقى السيرة الذى أعرض عن زخرف الدنيا وزينتها، ووهب نفسه وقلبه لله عز وجل، وضرب للأجيال مثلا فريدا فى صفاء القلب، والقدرة على جهاد النفس”.([1])
والتصوف حال روحية نفسية خاصة فى تعلق المتصوف بالله، وطلب رضاه بمزيد من العبادات والطاعات، والانقطاع عن لذات الدنيا، والزهد فى متاع الحياة انشغالا بالحق عن الخلق، وتسليم الأمر لله.
والعلم عند المتصوف إلهى يفيض به الله على المخلصين من الصوفية، كما علَّم الله الخِضرَ ما لم يعلمه النبى موسى.
وأحوال المتصوفة ومقاماتهم متعلقة بأملهم فى القرب من الله، وخوفهم من البعد عنه.
كما أن حقيقة التصوف نابعة من جوهر الإسلام، والتصوف ركن من أركان الفلسفة الإسلامية، وكرامات الأولياء في التصوف كمعجزات الأنبياء، والرسول – صلى الله عليه وسلم- هو مثال للزهد الذى هو حقيقة التصوف.
وفد السيد البدوى إلى مصر قادما من المغرب، وقد وُلِد بمدينة “فاس” حوالى عام ألف ومائتين ميلادية. ([2]) وقد نشأ نشأة دينية ميالا إلى التصوف، وكان والده قد رحل بأسرته إلى مكة مكرَّمين فى الحل والترحال لأنهم من الأشراف الذين ينتمون إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ٠
وعند مرور أسرة السيد البدوى فى تلك الرحلة بمصر رأى السيد البدوى أن مصر أصلح البلاد لإقامته “فالحياة فيها أكثر هدوءا واستقرارا، وأهلها أكثر الشعوب مسالمة”.([3])
اشتهر السيد البدوى بالشجاعة والطموح والورع والزهد والتدين، وتعلم تعليماً دينياً، ودرس مذاهب الفقه، وتعلم القراءات السبع للقرآن الكريم.
وقد رحل إلى العراق لشهرة متصوفتها، وشغفه بسيرة أحمد الرفاعى وعبد القادر الجيلانى، وكان معاصرا لهما، خاصة، وقد تمنى السيد البدوى أن يكون كهذين الشيخين قدرا ومقاما بعد عودته من العراق، واتجاهه إلى طنطا.
ويسترسل “عاشور” فى وصف حياة السيد البدوى فى طنطا، ورفاقه فيها، وكراماته التى نوافقه فى وصف بعضها بالأساطير، ونقر بالأخرى لبركته وصلاحه.
ويتجلى الطابع القصصى المثير فى سرد هذه الكرامات التى يزخر بها التصوف في حياة أعلامه، ورأى مريديهم. عاش السيد البدوى فوق سطح الدار التى استضافه فيها أحد كبار التجار الأغنياء بطنطا متبركا به.
ورافقه فوق السطح جماعة من مريديه أطلق عليهم السطوحيون.
وكان ذلك المكان قد شهد أحواله الصوفية، وغيابه عمن حوله، وغير ذلك من مواجده وتأملاته الروحية والزهد فى متاع الحياة الدنيا.
وكان محبوه يتبرعون للإنفاق عليه وعلى مريديه تبركا به واعتقادا فى كراماته، وإن لم يكن فى حاجة إلا لأقل القليل الذى يقتات به، ولا في حاجة أن يكون عالة على الذين تطوعوا بذلك حبا وكرامة لما توسموا فيه من التقوى والورع والصلاح.
ويقرر “عاشور” أن حياة السيد البدوى لم تكن تزمتا دينيا خالصا لأنه بشر يحتاج إلى الترويح عن النفس ببعض ما سماه أصحابه “المباسطات” لمواصلة العبادة والذكر.
أما أصحاب السيد البدوى فقد تنافسوا على حبه والتقرب إليه والتشرف بجواره.
ونلاحظ على “عاشور” انتهاجه نهجا قد يكون مخالفا لسير المتصوفة الصالحين وهو أن السيد البدوى يبدو، في نظره، حريصا على أن يكون شيخا لطريقة خطط منذ البداية لتحقيقها، وهذا غير طبيعة المتصوف الذى لا يرى أمامه إلا التعلق بالله، والحرص على رضاه، والإكثار من الزهد والعبادات والطاعات لكى يكون قريبا من الله، ولا يشغله غير ذلك من صيت أو ولاية يصيبها نفعا لنفسه، وإن كانت تأتيه فضلا من الله ونعمة.
ومن ذلك قول “عاشور” غير المقبول عن السيد أحمد البدوى: “أن السيد أحمد البدوى اعتبر الغربية- بما فيها طنطا – الدائرة الأولى لنشاطه، والنواة الأساسية لمملكته وسلطانه”.([4])
وهذا مناقض لما قص من سيرته متأملا لملكوت الله وسلطانه فوق سطح دار فى طنطا، أدَّت إلى أن فتح الله عليه فتوح العارفين فبلغت شهرته الآفاق.
ومن أشهر ألقاب السيد البدوى السطوحى، وشيخ العرب، وهو من الأقطاب إلى جانب عبد القادر الجيلانى، وأحمد الرفاعى، وإبراهيم الدسوقى([5]).
وقد تناول “عاشور” ما أثير حول كرامات السيد البدوى، وما نُسب إليه من كتب وأشعار ألَّفها على غير الحقيقة، كذلك أورد أذكاره وأوراده.
ومع كرامات السيد البدوى نمضى بين مؤيد ومعارض لها. وكرامات الأولياء الصالحين، كالسيد البدوى لا شك فيها ما لم يستغلها المريدون من ذوى المصالح الذين يشيعون كرامات غير معقولة لجمع النذور والأموال لصالحهم. وتشيع أباطيل الخرافات المتصلة بالكرامات عند عامة الناس البسطاء المعتقدين لقدرة شيخهم عليها. والكرامة الصوفية المقبولة هى المعتدلة المقرونة بالطاعة والعرفان دون ادعاء لكذب أو بهتان. ([6])
وفند “عاشور” أباطيل الكرامات المنسوبة إلى السيد البدوى وهو منها براء، فهو “لم يَدَّع لنفسه قدرة فوق قدرة البشر… ولكن جماعة المنتفعين هم الذين اخترعوا وألَّفوا، ثم نسبوا ما اخترعوه وألفوه إلى السيد أحمد البدوى، ونسوا أنهم بعملهم هذا إنما يسيئون إساءة بالغة إلى ولِّى كريم من أولياء الله الصالحين”.
ونؤكِّد مع “عاشور” أن للسيد البدوى كرامات نابعة من الفضائل الأخلاقية والمعانى الروحية السامية. ([7])
وقد امتد زعم المنتفعين المدَّعين بالكرامات الخارقة للعادة للسيد البدوى بعد وفاته لكى يستمر وفود الناس إليه، وهذا ما يؤدى إلى رواج الحركة التجارية حول ضريحه فى طنطا إضافة إلى استمرار موارد المستفيدين من كراماته المزعومة.
من ذلك أن العامة يتغنون بقدرة السيد البدوى على إحضار أسرى الحروب الصليبية ويقولون: “الله الله يا بدوى جاب اليسرى” واليسرى يعنون بها الأسرى. ([8])
وطريقة الشيخ الصوفى هى التى ترسم معالم الطريق إلى الله لمن أخلص فى سبيل الوصول إليه.
وهذا الطريق الصوفى شاق قائم على جهاد النفس الأمارة بالسوء، ومراعاة آداب الطريق الصوفى من طاعة وإذعان لتوجيهات شيخ الطريقة والسير على دربه فى طاعة الله.
ولأقطاب الصوفية مريدون كثيرون، كما أن لهم أورادا وأحزابا وأذكارا تتلى آناء الليل وأطراف النهار. ويأخذ المريد العهد على شيخه بناء على ذلك:
وكلهم من رسول الله ملتمس
كما قال البوصيرى في بردته المباركة فى المديح النبوى.
الهوامش:
([1] ) سعيد عبد الفتاح عاشور، السيد أحمد البدوى شيخ وطريقة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثالثة، 1998، ص9.
([2] ) سعيد عبد الفتاح عاشور، السيد أحمد البدوى، ص44.
([3] ) سعيد عبد الفتاح عاشور، السيد أحمد البدوى، ص48.
([4] ) سعيد عبد الفتاح عاشور، السيد أحمد البدوى، ص105.
([5] ) سعيد عبد الفتاح عاشور، السيد أحمد البدوى، ص118.
([6] ) سعيد عبد الفتاح عاشور، السيد أحمد البدوى، ص137.