اللوحة: الفنان الإنجليزي كونروي مادوكس
أسعد كثيرا بمن يبوح بما في نفسه ولا يخجل من حكي ذكرياته، وخاصة الشخصية الشهيرة والناجحة، لأنها تهدي للناس دروس الحياة، فيتعلموا الاعتراف ببشرية الإنسان، ويعتدل المزاج وتتزن النفس، ويدرك الشباب أنَّ هؤلاء النخبة كانوا في بداية حياتهم عُرضة لأفعال ومشاعر خَرقاء، وهذا طبيعي، فالسذاجة لا بد أنْ تتخللنا من البدايات ولا ترحل بسهولة إلا وتحل محلها ثمرات نضج وخبرات تسامح مع النفس ومع الآخرين.
***
في شريط مسجل للفنانة «ليلى مراد»، صَرَّحت أنها أحبت طوال حياتها الفنان «محمد عبد الوهاب» وحكت هذه القصة:
في فيلم «يحيا الحب» بالإسكندرية، بين لقطات التصوير قالت له: «اسمع يا أستاذ عبد الوهاب، أنا عايزة أقول لك حاجة شاغلاني بقالها شهور.. أنا بحبك قوي يا أستاذ»
فالتفت إليها بهدوء، وهو يضع ساقاً فوق أخرى، وانتظرها لتتم كلامها… فقالت: «أنا خلاص، مش قادرة أخبي أكثر من كده، انت مش حاسس بالنار اللي في قلبي، ولا بالنار اللي بتحصل لي لو غبت عني، يا ترى بتحبني زي ما بحبك».
وهنا ضحك عبد الوهاب، فغرقت ليلى خجلاً، مستأنفة حديثها: «معناها إيه الضحكة دي يا أستاذ.. أنا بتكلم جدّ، أنا بحبك من زمان، ودلوقت بحبك أكثر». واختفت الضحكة من وجه عبد الوهاب، ليحلّ محلها الغضب، ويقوم بتلقينها أول درس قاسٍ في حياتها.. قال: «أنا أفهم إن دي قلة أدب… إزاي تتجرئي وتقولي لي كده يا ليلى».
***
هذه القصة شهيرة وحين أقرأها أتساءل: كيف تبوح «ليلى مراد» بهذه القصة الثقيلة، والتي تمثل إحباطا وإهانة ومرحلة من مراحل الطفولة الشعورية في الحياة؟
فأجيب: هذه شجاعة وتجاوز للإحباطات وفلتات السذاجة، وإقرار بأنَّ حياة الإنسان مراحل من الوعي والخبرة، وأنَّ أحداث الحياة والتفاعل معها بصوابها وصالحها هي طبيعة الدنيا، فكل الأفعال التي تصدر من الإنسان في مراحل حياته ما هي إلا درجة تطور للوعي، ولا يتطور إلا بهذه الذنوب أو المنزلقات التي حين يتذكرها الإنسان لا يملك إلا أن يغمض عينيه في ألم، مثل من يتخيل تجرّع دواء شديد المرارة أو صفعة على الوجه زلزلت كيانه في وقتها، فمنحته درسا بليغا وأيقظته من الغفلة.
كلنا بشر، وكلنا في رحلة نمو الوعي سائرون، نخضع لسلسلة متوازية من نمو جسد وشعور وإدراك ووعي، هكذا الدنيا، فمن يتعالى ويتصالح مع هذه اللقطات المؤلمة يحيا في شفاء روح ولا يرتبك، ومن يحتفظ بها وبحرارتها في نفسه، يحيا شقيا، ويرتبط بعُقدة تعرقل سلام حياته.
***
وهل تمنحنا قصة «آدم» عليه السلام سوى هذا الدرس؛ التدريب على طول العهد ثم سيطرة الغفلة وانفلات المعصية ثم التوبة، دعكم من الأساطير التي تحكي أنَّ آدم بكى على خطيئته أربعين عاما، أو ظل مستغرقا في ذكرياتها عمره كله يعض يديه من الندم، هذه ملاحم يفبركها الوعاظ للتأثير على الناس، المعصية بعد انفلات سهامها تتحول إلى قضاء وقدر، ويصبح الاستغراق في التفكير فيها وتخيل تبعاتها أعظم من المعصية نفسها، والأولى النظر للأمام والإصلاح والاستقامة بعد الاعوجاج.
المعصية لا تورِث ذلا إلا للضعفاء الذين تَسحرهم الأوهام، فمن كتب في ورقة الامتحان إجابة خاطئة، لا يستغرق في البكاء؛ بل يُتبعها بإجابات صحيحة لمزاحمة الإجابات الخاطئة.
***
يقوم أحدهم باغتياب صديق، يندم بشدة ثم يذهب إليه ويطلب منه المغفرة، ويقول له: «سامحني لقد قلت في حقك قولا»، وهناك من يسامح بلا سؤال، وهناك من يُصر على أن يعرف ما قيل فيه كشرط للمغفرة، وكلاهما سيناريو ثقيل وشديد الضرر، لأن الحاصل هو امتلاء الصدور بالمشاعر السيئة، فقد علم الآخر أن تلك الغيبة أصيلة، لأنها تشي بأنه يحمل في صدره مشاعر سيئة مازالت تملأ صدره ولا يمسحها اعتذاره عنها.
أنا شخصيا لو طبقت هذا السيناريو مع كل من اغتبتهم، فهذا معناه أن يوم القيامة سوف يكون يوم الفضيحة، سوف أكون ملطشة لكل الناس، وكما يقول المثل: إللي ما يشتري يتفرج».
لا أعترف إلا بالقانون الإلهي:
“مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ”.. (الأنعام – 160)
العملة يوم القيامة «حسنات وسيئات فوق كفتي ميزان»
ويوم القيامة: «وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ».. (الحجر – 47)
فلنعمل صالحا ولنجتهد أن لا نظلم، ولا نلتفت إلى ما يفرط منا، فثمرة الإصلاح ستعوض كل شيء وتعالج كل ضرر.
***
في التاريخ الأوربي أخبار عن أبناء غير شرعيين لشخصيات شهيرة مثل «بابا الفاتيكان أو ملوك أوربا»، وطبيعي أن ترد حكايات كثيرة عن أبناء غير شرعيين لشخصيات أدنى من النبلاء والعامة، وقد ننظر نحن العرب لهذه الأخبار على أنَّها انحلال مجتمعي، ولكن الحكم الصحيح على هذه الأخبار، أنه شجاعة مجتمعية، فلا يوجد مجتمع على الأرض بلا خطايا وذنوب منفلتة وضعف، وخيار أوروبا المبكر، كان إظهار ذنوبهم المنفلتة على السطح، وبهذا يتعامل معهم المجتمع بأي وسيلة تكون أقرب للحكمة والواقعية.
لكننا في مجتمعنا العربي نلاحظ اختفاء هذه الظاهرة تماما، فهل هذا يعني أننا مجتمع نقي بلا ذنوب، هذا مستحيل، ولا تفسير سوى أننا مجتمع يخفي ذنوبه أو يكتمها أو يعدمها في السر، وفي كل هذه الحالات لا وصف سوى «الخبث»، والمجتمع الخبيث لا يمكن أن يوصف بالصحة، ولا أمل في شفائه.
***
مجتمعنا العربي يتصرف مثل «المرأة التي تُخَبِّئ كُناسة البيت أسفل السجَّاد، وتُكدِّس الملابس تحت السرير وتقضي وقتها مرتبكة في اخفاء الكراكيب والفوضى عن الناس، ولا يهمها إلا أن تبدوا أمام الناس مرتبة ونظيفة وأنيقة».
***
يتصدر على كل الأفواه الدعاء بنعمة « الستر»، عيشة مستورة وميتة مستورة وتمتد الدعوة بالستر في يوم القيامة، ولا خلاف على هذه الدعوة، ولكن بحجمها الحقيقي وليس الحجم الذي تمدد وتضخم شعبيا، فانكشاف الستر من أكثر ما يرعب الإنسان العربي، ويقترن الستر عندنا بما نسميه الشرف، وتزويج البنات يعبر عنه بجملة «ستر البنت»، لا يوجد عندنا مصطلح «ستر الولد»، والذي عنده بنات يظل قلقا حتى يسترهن بالزواج.
***
تكررت حتى القرن الأخير حوادث الشرف، وخاصة بالصعيد والأرياف، وفيها يقوم الأب أو الأخ بعمل يصعب فهمه، حين يقتل أخته أو ابنته حين يمسها أي إشاعة أو فعل يمس سمعتها، كان القضاء إلى وقت قريب يحكم برأفة هي أقرب للبراءة على مثل تلك الحوادث المسماة «حوادث الشرف»، وهناك أخبار عن فتيات انتحرت لنفس السبب، ولكن اليوم بدأ يطرأ ظواهر جديدة، مثل أن ينتحر شاب أو فتاة، وبالبحث يُكتشف أن أحدهما تورط في علاقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ووقع تحت تهديد «الابتزاز» بالتشهير بالسمعة ونشر صور أو فيديوهات، ولأن العقلية هي هي منذ مئات السنين، كان الانتحار، فما الذي أوصل «الولد أو البنت» إلى نفسية إهدار الحياة مقابل ابتزاز من هذا النوع؟، لا شك أن السبب هو تلك الظاهرة الخبيثة التي تحدثت عنها، أننا نكتم أخطاءنا وذنوبنا، وحين تطفو على السطح لا نرى سبيلا سوى قتل أنفسنا أو ذوينا، وهذه ظاهرة خطيرة وشديدة التخلف ولا بد من مواجهتها، لا بد أن يكون للخطأ المنفلت مسارا يتسرب منه في سلام دون أن يتسبب في مأساة، لا بد من الاعتراف بالضعف كعَرَض طارئ، لا بد من تحديد المقصود بالستر ولا بد من تقدير نعمة الحياة والاعتراف أنها لا تهدر مقابل ذنوب المجتمع وأصنامه.
***
في المجتمع النبوي كان هناك خاطئين وكانوا يُعاقَبون أمام الناس، وبعد ذلك يسير المذنب بين الناس في سلام ولا يخطر على بال أحد أن ينتقص منه، لأنه كان مجتمعا يضع البشرية في قدرها الصحيح، ولهذا فبالقياس نكتشف أنَّ المجتمع النبوي كان أرقى كثيرا من مجتمع اليوم العربي.
