أندرو هاريسون
ترجمة: صالح الرزوق
اللوحة: الفنان الفرنسي لويس ريمي ساباتييه
في بواكير حياته مع مهنة الكتابة أقنع فورد مادوكس هوفير الروائي لورنس أن يركز في كتاباته على خلفيته العمالية وذلك لتقديم صورة نادرة ومن الداخل عن الطبقة العاملة في وسط إنكلترا.
لذلك كان عدد من مسرحياته وقصصه القصيرة الأولى اعترافا مباشرا بقدراته على تسجيل الحياة العائلية للطبقة العاملة. ومن بين كل روايات لورنس تبدو (أبناء وعشاق) الأقرب لتوفير البانوراما الاجتماعية العميقة التي تصوّرها هوفير. وحتى هنا، وعلى الرغم من الاهتمام الفريد من نوعه بالتفاصيل التاريخية التي قدمتها الرواية، علينا أن نكون حذرين في تخطي افتراض مفاده أن لورنس ينشط كروائي يعبر عن ضمير الطبقة العاملة كما رغب معلمه أن يكون. وعلاقة لورنس بشريحة عمال المناجم التي ترعرع فيها معقدة جدا، وهذه التعقيدات يمكن الإحساس بها في رواياته. بينما كان لورنس يواصل البحث عن المصادر والأفكار في مجتمعه طوال حياته المهنية، وفي نفس الوقت يعيد تخيلها في روايات غير متشابهة مثل (قوس قزح) و(البنت الضائعة) و(عشيق السيدة شاترلي) كانت كتاباته أيضا هي الأداة التي أبعدته عن المشاركة الفعالة في مجتمعه. أول عملين له وهما (الطاووس الأبيض -1911) و(عابر السبيل – 1912) اهتما بشكل أساسي بالطبقات المتوسطة التي لها نصيب من الثقافة والتعليم؛ وتوجد لمحات من حياة الطبقة العاملة في (الطاووس الأبيض) غير أنها مختزلة إلى أبعد الحدود.
تتضمن (أبناء وعشاق) مشاهد تستمد قوتها من الخبرات العملية: يمكننا أن نتذكر ارتباك بول الواضح حين يستلم رواتب والده، أو وهو يشاهد النور الذي يأتي من مصابيح عمال المناجم، وينعكس على سقف غرفة نومه، وهم يمرون من تحت النافذة ذاهبين إلى نوبة عمل الساعة التاسعة. لقد لاحظ النقاد في الرواية ما يمكن أن يكون فشل لورنس في تصوير الحقائق القاسية التي تطبع حياة الطبقة العاملة، وبالأخص حياة والتر موريل أثناء العمل في أعماق المنجم.
كان مزاج والتر السيء والعنيف يتبدل في عدة مناسبات، فإدمانه على الكحول يستمر في الفصول الأولى، ولكن جدلا نحن لا نحصل على معنى حقيقي من ظروف عمله، والتي قد تساعد في تحديد سمات سلوكه وهو يعيش حياته الواقعية.
ولاحقا ندم لورنس ذاته على الطريقة التي رسم بها صورة والده، ففي عدة كتابات متأخرة تناول فيها سيرته، اهتم بمعنى جماعة الذكور، وهو المعنى الذي كان سائدا بين عمال المناجم من أبناء جيل والده. وعلى أية حال، هناك طريقة أعادت هذه الكتابات بها التوازن والعدالة المفقودة لوالده ولكن مع إيحاءات تتضمن نوعا آخر من النمذجة ومن زاوية هجومه اللاذع المبكر.
لقد انتقل النقد الموجه لارتباط الرواية بالتاريخ من الثناء المجرد إلى تأمل طبيعة التعاطف الاجتماعي الضمني واستثمار لورنس للإيديولوجيا. وحينما كتب جوليان مويناهان حول (أبناء وعشاق) عام 1963 لم يسمع بأي رواية فيها “أشخاص لهم جذور عميقة في التاريخ الاجتماعي المادي، وفي منطقة تعرضت للتحول بشكل ملموس”، باستثناء رواية ميدل مارش.
وبعد عشر سنوات، تكلم سكوت سونديرز عن تعامل لورنس مع شخصية والتر موريل كفاشل في الحياة، مؤكدا أن هذه القناعة التي تحملها الرواية هي إلى حد بعيد من عواقب تبني لورنس بلا أي تردد لإيديولوجيا السيدة موريل فيما يتعلق بالتطور الذاتي. وحسب هذا التفسير للرواية أخفق لورنس في تحديد طبيعة التأقلم الاجتماعي في حالة والتر بسبب إيمانه بسيادة الذات واستقلاليتها. حيث يمكن رؤية التعليم والعلاقات كوسائط لفرض التبدلات الاجتماعية. وحينما تورطت السيدة موريل مع حياة الطبقة العاملة بعد زواج هو نتيجة عاطفة جارفة، تم التبخيس من حركية طبقة وليام بسبب زواجه من امرأة قدمت نفسها بصفة حالة متفردة اجتماعيا؛ وعلى هذا المنوال، عكس رفض بول للتنازل في سبيل حياته الزوجية مع ميريام ليفيرز ميزة اجتماعية كسبها من التعليم والثقافة والتعبير عن حساسيته الفنية على المستوى العملي. ويقال إن لورنس هرب من الحقيقة التاريخية إلى الدراما النفسية التي تركز السلطة في الذات، وليس في نظام الطبقات. وقد رأى غراهام هولديرنيس في عام 1982 أن الرواية هي سبر تراجيدي لنتائج الإيديولوجيا الإدواردية. فاعتماد التعليم كأداة لتطوير الذات، قد أدى لإنتاج جيل كامل من المتسلقين الاجتماعيين المأزومين والمتحولين والمصابين بداء الاغتراب حتى أعماقهم.
توفي وليام في لندن القاسية القلب، بينما بقي بول معزولا وحاملا لبذرة تفاؤل لا يلين في شوارع ومعامل نوتنغهام المضاءة. وفي مقالة لماكدونالد دالي حول العلاقات والطبقات في الرواية… يعترف بالمقاربة غير المباشرة لطبيعة حياة الطبقة العاملة، ولكنه يلاحظ أيضا كيف أن أزمة الطبقة تعبر عن نفسها في كل الأحوال لدرجة محسوسة في لغة الرواية (أو بالأحرى لغات الرواية)، وفي طريقة معالجتها للجنوسة. ويؤكد دالي أن المشكلة المستمرة بين أنماط مختلفة من اللغة (نمط السيدة موريل ووالتير والراوي) تشير إلى عدم يقين يشك بقيمة أفكار السيدة موريل عن النجاح على صعيد المجتمع. وهنا، لا يتمسك لورنس على نحو أعمى بقناعات غيرترود فيما يتعلق بالحراك الاجتماعي، ولا هو يعمل على مراكمة النقد الذي له تأثيرات إيديولوجية ضارة: وعوضا عن ذلك هو يستعمل الرواية لاكتشاف الحدود المفروضة على السيادة.
وبالإضافة لفحص مقاربة لورنس للطبقات العاملة في (أبناء وعشاق)، كان النقاد مهتمين بدراسة غواية المرأة له، ليس لأن الرواية كتبت في لحظة تاريخية حينما كانت الحركات النسائية المتعددة تبحث بجدية عن حق التصويت. بعد ثمانية عشر شهرا من نشر الرواية أصبحت بريطانيا في حالة حرب، واضطرت النساء إلى العمل لدعم المجهود الحربي: كانت اتجاهات الجنوسة متأثرة على نحو دائم بالخبرات والتجارب العملية. وقد تورط عدد من صديقات لورنس في فترة 1910-1913 مع نشاط حلقات تعمل بشكل لوبي ضاغط لتحرير المرأة، ومعظمهن اشتركن معه في أسلوبه للخروج من حياة الطبقة العاملة بواسطة التعلم والتدريس. وبعد أن كتب لورنس روايته (أبناء وعشاق) ركز اهتمامه على تجارب الإناث، وكتب إلى إحدى الصديقات “سأبذل قصارى جهدي في سبيل المرأة، وهذا أفضل من المعاناة”.
وتعتمد روايته التالية (قوس قزح)، على امرأة شابة لتكون بطلتها المركزية (وهي أورسولا برانغوين) والتي تلقت التدريبات اللازمة للتعليم، وعملت في التدريس، ثم هجرت وظيفتها لتتابع تعليمها في الجامعة بغية الحصول على درجة جامعية. وعلى الرغم من هذه الحيثيات، كانت روايته (أبناء وعشاق) مستهدفة بهجمة نسائية أثرت على سمعة لورنس في السبعينات. في كتابها “السياسات الجنوسية” تهتم كايت ميليت بكشف الغطاء عن النص الضمني غير المباشر الذي يشير لفوقية المذكر في الرواية: وهي تنظر إلى بول على أنه ابن فوقي يستعمل النساء في حياته لدعم وتقوية أناه، ولإشباع احتياجاته الجنسية، ثم التخلص منهن بمجرد إرضاء ميوله والقيام بالدور المرسوم لهن.
ونتعرف من قراءة ميليت للرواية، على نحو منضبط ودقيق، على الموقف الذي اتخذناه من المرأة في المجتمع البريطاني في بواكير القرن العشرين.
ولكن بتأمل الحبكة من الداخل لا يرافق وجهات النظر المتبدلة، التي تعبر عن قانون اللحظة والعصر، أي أمل حول موقف لورنس من “مشكلة المرأة” من زاوية تاريخية مناسبة. والرواية حافلة بالتفاصيل التاريخية: فالسيدة موريل هي عضو في الاتحاد النسائي؛ وكلارا هي داعية نسائية تحضر اجتماعا تلقي فيه مارغريت بوندفيلد (1873-1953) كلمة؛ وتجد فيها إشارة لـ (الاتحاد السياسي والاجتماعي النسائي)، غير أن جماعة الدعوة لتحرر المرأة تأسست في عام 1903 على يد إيميلين بانكهورست؛ وهنا لا يكشف لورنس عن ردة فعل بول فقط على معركة حقوق المرأة (فهو يراها ككل بنوع من المرح المبطن)، ولكن أيضا يستطرد إلى ردة فعل نساء الجيل السابق الأكبر بالعمر (السيدة رادفورد، أم كلارا، واعتبار موقف ابنتها السياسي سمة من سمات المشاكل الفورية التي تعقب الزواج).
لقد نظرت واحدة من المقاربات إلى المواقف السلبية التي عبرت عنها الرواية فيما يخص المعاناة والتألم كإشارة لفشل شوفيني أصاب تعاطف لورنس مع المرأة بالإخفاق: واستطاعت المقاربة الأكثر تاريخانية تعريف استعداد لورنس لمعالجة هذا الموضوع، بصراحة، على أنه يمثل على نحو منضبط ردود الأفعال المعاصرة.
وقد أثر هجوم ميليت روائيا بالحالة ذات الخلفية الجنوسية (وهو تأثير تستطيع أن تشعر به في مقالة لفايث بولين نشرت عام 1978).
لقد حاول النقد المعاصر ذو التوجه الأنوثي أن يفهم الرواية في سياقها التاريخي. في مقالتها “دي إتش لورنس والأنوثة” تؤكد هيلاري سيمبسون أن الرواية حساسة جدا للأسباب الاقتصادية التي ارتكز عليها اضطهاد المرأة، ولكن بما أنه غير مهتم بدراسة نشاط العالم الصناعي والسياسي بتفاصيله، فإن نظرتها للحركات السياسية وقفت عند حدود التعرف السطحي. يعني نظرت للمسألة بلا تعمق ولا تشعبات.
ومقالة مارغريت ستورش.. تنظر إلى تصوير لورنس للمرأة في سياق تحرير المرأة، وسياق وضعها التاريخي، حيث كان الشباب الذكور يشعرون بمخاطر سلطة المؤنث وفي نفس الوقت يؤمنون بالدور الذي تلعبه المرأة في التحكم بالحيوات العاطفية للرجال. وبتبني طرائق حديثة في التحليل النفسي، تشرح ستورش وجهة نظرها ومفادها أن المضمون العاطفي الضمني لنص الرواية يتلخص في بغض بول المعادي لسلطة الأمومة: وردات فعله الفظة والخشنة أحيانا ضد المراة في الرواية تنم عن أعراض تدل على ضعفه واستلابه وقلة حيلته، ولا تحمل ولو إشارة تدل على شوفينية عنفية ومعادية.
*الترجمة من مقدمة كتاب (“أبناء وعشاق” لدي إتش لورنس: كتاب عن الرواية)، إعداد: جون وورثين وأندرو هاريسون. منشورات جامعة أكسفورد. 2005.

أندرو هاريسون Andrew Harrison أستاذ مساعد في جامعة نوتنغهام، إنكلترا