من هن الروائيات الملهمات لجين أوستن فعلا؟

من هن الروائيات الملهمات لجين أوستن فعلا؟

ريبيكا رومني 

ترجمة صالح الرزوق

“أنت ترى، ولكنك لا تنتبه”

– شرلوك هولمز، “فضيحة في بوهيميا”

*حقيقة أم خيال؟

بدأ كل شيء بكتاب أثار فضولي. كنت أقوم بزيارة إلى منزل في جورج تاون، تلبية لدعوة من أجل تصفح مجموعة الكتب الشخصية لامرأة كانت تعمل في السابق بائعة كتب نادرة محترفة مثلي. أمضيت فترة ما بعد الظهر في البحث في مكتبتها. وبينما كانت الرياح تهب على الأشجار في الخارج، تحول الضوء داخل الغرفة، وتألق عبر السجادة العتيقة والأثاث البالي قليلا، وخزائن الكتب. كان كل رف مليئا بالكتب التي تنبئ عن خصوصياتها. بدلاً من طبعة حديثة براقة من “هوى وكبرياء” كان لدى هذه المرأة نسخة قبيحة إلى حد ما، مجلدة بألواح قاسية بنية باهتة تشبه الورق المقوى المتهالك. كما حملت عنوانًا منقحًا غير عادي، وهو “إليزابيث بينيت؛ أو هوى وكبرياء”.

ورغم مظهره المتواضع علمت أن هذا الكتاب نادر للغاية. فهو أول إصدار من رواية “هوى وكبرياء”، ونُشر في الولايات المتحدة عام 1832. وكانت المرأة التي تحتفظ به على رفها تعرف قيمة الكتاب الجيد عندما تراه، حتى وإن تجاهله الآخرون.

تُعَد جين أوستن واحدة من كاتباتي المفضلات. فقد ولدت في عام 1775 في الريف الإنكليزي، في ستيفنتون، التابعة لهامبشاير، وأصبحت “أول كاتبة عظيمة باللغة الإنكليزية”، وفقاً لأحد كتاب سيرتها المعاصرين. أنتجت ست روايات أساسية، إلى جانب رواية قصيرة، وروايتين أخريين غير مكتملتين، وما يطلق عليه الباحثون “الروايات المبكرة التي ألفتها عندما كانت طفلة”. ولطالما كنت معجبة بأوستن الواثقة من نفسها، وإلى إرشاداتها للقارئ من خلال كفاح وشكوك بطلاتها. كما أنني أحببت روح الدعابة التي تشع من تفاصيل تتوقف عندها. وقد توفيت أوستن في سن صغيرة إلى حد ما، وهي بعمر الحادية والأربعين، ولطالما تمنيت لو عاشت كي تكتب المزيد.

ولكن في تلك الزيارة المنزلية، لم تثر فضولي رواية “هوى وكبرياء”. فقد تعرفت على العديد من الطبعات المختلفة لكتب أوستن على مر السنين، بما في ذلك مجموعة واسعة من مطبوعات القرن التاسع عشر. ولكن من المؤكد أنني أحببت اقتناء هذه النسخة. كان هناك رف آخر لفت انتباهي، وهو الذي تصطف على جانبيه سلسلة من كتب نشرتها دار ماكميلان في لندن في تسعينات القرن التاسع عشر وأوائل العشرين، ويمكن التعرف عليها من أغلفة القماش الأخضر الزمردي الرائع والكعب المذهب المتقن. ألقيت نظرة واحدة وأدركت أنه يجب علي تقديم عرض لشراء المجموعة. تم قبول العرض، فجمعنا مقتنياتنا في صناديق لنقلها إلى المخزن. وكان الكتاب الذي سيغير حياتي في هذا الرف.

***

بعد بضعة أشهر، جلست على مكتبي وفتحت كومبيوتري المحمول، استعدادا لبضع ساعات أنفقها على فهرسة المقتنيات الجديدة. نحن تجار الكتب النادرة، قبل طرح أي كتاب للبيع، نسجل خصائصه: هل هو مجلد بقماش؟ أم جلد؟ أو هل به أي عيب؟ أو علامات تدل على ملكيته السابقة؟ وكثيراً ما نكتب أيضاً ملخصاً موجزاً حول أهميته، مستعينين بخبرة الآخرين في هذا المجال وفي مجالات مكملة له ــ ليس نقاد الأدب وكتاب السير فقط، بل وأيضاً مؤرخي الكتب، أو العلماء الذين يدرسون تاريخ الكتب. وتسمى النتيجة فهرس وصفي، ويعتبر وثيقة رسمية عن هذا الكتاب النادر.

في ذلك اليوم، كان أمامي الكثير من الخيارات بشأن الكتاب الذي سأقوم بفهرسته أولاً. فأنا من هواة جمع الكتب؛ وهذه المجموعة تحتوي على كتب قمت بفهرستها ولكن لم أنشرها على الإنترنت بعد؛ وبينها بضعة مجلدات قمت بتجهيزها لنشرتنا الإخبارية التالية عن الجديد لدينا؛ بالإضافة إلى مجموعة جاءت من منزل جورج تاون. نظرت إليها. وتحت ثلاث مجلدات من أعلى المجموعة رأيت رواية بعنوان ” إيفيلينا” للكاتبة فرانسيس بورني.سبق لي أن رأيت هذا الاسم، غالبًا على أغلفة كتب في معارض المملكة المتحدة للكتب القديمة. لكنني لم أستطع تذكر أي تفاصيل عن حياتها. بالتأكيد لم أقرأ أيًا من كتبها. وقد اشتريت هذا الكتاب في المقام الأول من أجل غلاف القماش الأخضر الزمردي. لا يتم جمع كل الكتب لأنها طبعات أولى. ونجمع بعضها لجمالها. يعود تاريخ هذا الكتاب إلى عام 1903، وهي الفترة التي كلف فيها الناشرون في المملكة المتحدة والولايات المتحدة فنانين بتصميم أغلفة قماشية جذابة للتسويق (هذا قبل انتشار الأغلفة المقاومة للغبار). حمل الغلاف الأمامي صورة امرأة واقفة وبيدها ريشة للكتابة، وترتدي تنورة ضخمة وقبعة مزينة بالريش. وكانت تحت شجرة، سقطت أوراقها وغطت ما يقرب من نصف مساحة الغلاف، وكانت كلها منقوشة بالذهب على خلفية خضراء زمردية عميقة. وتبدو تماما مثل المشهد الذي رأيته في منزل جورج تاون، عندما سقط الضوء المباشر، وبدأت بالتألق. لا أجد مشكلة في الاعتراف بأنني أشتري الكتب من أجل أغلفتها. ولكن حتى عندما أفعل ذلك، فإنني أهتم بحكاية النص ـ وحكاية أو تاريخ الكتاب. أريد أن أعرف موضوعه، ماذا حدث؟ لماذا هو مختلف عن القصص التي سبقته؟ أو بماذا تشبهها؟ كما أنني أريد أن أعرف المزيد عن المؤلفة. من هي؟ كيف أصبحت كاتبة؟ وأن أعرف المزيد عن الكتاب نفسه. كيف تمت طباعته؟ ماذا يخبرنا ذلك عن سياسة ناشره حيال جمهوره المفترض؟ وأن أعرف المزيد عن نشر الكتاب. رأي الناس فيه آنذاك؟ رأيهم فيه الآن؟ وأن أعرف أين كان. من امتلك هذا الكتاب؟ كيف اهتم به (أو لماذا لم يهتم به)؟ لماذا احتفظ به لفترة طويلة؟ أن تكون تاجر كتب نادرة يعني أن تقدر أن الكتاب نفسه ـ كائن يمكنه أن يثير اهتمامك مثل نصه.

هذا الفضول مهنتي. فأنا أحب طرح الأسئلة، وأتعامل مع الكتب مثل مفتش شرطة. وتتلخص مهمتي بالتحقيق في تاريخ كل كتاب وأهميته. وعندما أقدم بياناتي، أتوقع أنني عرضة للاستجواب، وكأن القاضي ينظر من فوق كتفي ويسألني: “ما هو دليلك؟”. فإذا قلت عن كتاب بأنه طبعة أولى، ما هو دليلي؟ وإذا قلت إنه نادر، كيف عرفت؟ وإذا وصفت مؤلفًا بأنه مؤثر، ما هو مصدري؟ وأنا أفتخر بالقيام بعمل يعجب به شرلوك هولمز. فكيف إذا يمكنني تصنيف أي كتاب لمؤلف لا أعرفه؟. سحبت كومة من الكتب من رفوفي، ولاحظت بسرعة أن رواية “إيفلينا” هي أول وأشهر رواية لبرني، وقد نشرت في عام 1778 وحظيت بإشادة واسعة. ثم وأنا أضع أصبعي بين صفحات أحد الكتب، وأتصفح بيدي الأخرى كتابا آخر، صادفت نقطة هامة. وإذا كانت وظيفتي هي التحقق من أهمية كتاب ما، فإن نقطة مثل هذه هي الدليل الساطع عما يدور في ذهني.

هذه هي اللحظة التي أستمتع بها. وأنا أبحث عنها في المزادات، وفي معارض الكتب من لندن إلى سان فرانسيسكو، وخلال متاهة من كتب المؤسسات والمكتبات الخاصة، وفي صفحات المراجع.

وكان هذا الدليل الساطع كما يلي: وردت عبارة “هوى وكبرياء” في رواية بيرني الثانية “سيسيليا” (1782). وهكذا اتضح أن فرانسيس بيرني واحدة من المؤلفات المفضلات لدى أوستن. فقد كتبت روايات غرامية تشبه إلى حد كبير رواياتها، وركزت على البطلات الشابات اللواتي يتغلبن على عقبات الحب. أو بتعبير آخر: كتبت أوستن بأسلوب يشبه أسلوب بيرني كثيرا: كانت بيرني واحدة من أنجح الروائيات بنظر أوستن. ولم تكن لدي أي فكرة عن الموضوع. أنا، القارئة لأعمال أوستن على مدى عقود ولعدة مرات. غير أنني لم أسمع بهذه المؤلفة الإنكليزية المهمة، التي لها مكانة كبيرة عند كاتبة أعجبت بها. وعلى الرغم من فضولي المهني المفترض، أدركت أنه فاتني شيء. وكان ذلك مؤلمًا.

في قصة “فضيحة في بوهيميا”، يوبخ المحقق شرلوك هولمز واتسون قائلاً: “أنت ترى، ولكنك لا تلاحظ”. بعد أن عبرت “إيفلينا” مكتبي (أو بالأحرى جلست لشهور في تلك الكومة، مكدسة بين “رحلات غوليفر” و”صياد السمك المثالي”)، عدت إلى كتب أوستن لألاحظ سمات جديدة فيها. كانت كل شخصية معتدلة في “دير نورثانغر” تمتدح الكاتبة القوطية آن رادكليف. والمسرحية التي سببت الكثير من الجدل في “مانسفيلد بارك” هي في الواقع مسرحية حقيقية مقتبسة من تأليف الكاتبة المسرحية إليزابيث إنشبالد. وقد اكتشفت أدلة، متناثرة في أعمال أوستن مثل فتات الخبز، وكلها قادتني إلى النساء الكاتبات اللواتي أعجبت أوستن بهن.

لماذا لم ألاحظ ذلك من قبل؟ لقد تابعت صعود الرواية الإنكليزية لأنه عملي (وأنا لا أكذب فقد كنت مستمتعة بذلك). لم تكن المؤلفات اللواتي أشارت إليهن أوستن في رواياتها قد دخلن في هذا الجو إلا بصعوبة. كنت محتارة من أمري، وتوجهت إلى مكتبتي وبحثت عن كتاب صدر عام 2005 عن الرواية الإنكليزية وكان موجها للطلاب وبقلم “أحد أبرز منظري الأدب في العالم”، كما تؤكد كلمة الغلاف الأخير. فتحت الصفحة الأولى. ذكرت المؤلفة أن الفترة التي قامت فيها أوستن بمعظم قراءاتها التكوينية “هي واحدة من أكثر أخصب عهود الرواية وأكثرها تنوعًا وتجريبا في تاريخ إنكلترا” – كما ورد حرفيا – وقبل الانتقال مباشرة إلى أوستن ووالتر سكوت. لكن تناول الفصل السابق لورانس ستيرن. حدقت في السقف وقمت بالحساب. نُشر آخر مجلد من “تريسترام شاندي” في عام 1767. أما أول رواية لأوستن، وهي “العقل والعاطفة”، فقد نُشرت في عام 1811. هذا يعني أننا تخطينا أربعة وأربعين عامًا بلا مبالاة.

قرأت أوستن أعمال ويليام شكسبير، وجون ميلتون، ودانيال ديفو، وصموئيل ريتشاردسون، وهم جميعاً من المؤلفين الذين قرأتهم أنا أيضا. كما قرأت أعمال فرانسيس بيرني، وآنا رادكليف، وشارلوت لينوكس، وهانا مور، وشارلوت سميث، وإليزابيث إنشبالد، وهستر بيوزي، وماريا إيدغوورث، وهذه جميعاً أسماء مؤلفات لم أطلع عليهن. ومع أنهن جزء من رفوف مكتبة أوستن، لكن لا وجود لهن في مكتبتي ـ وكذلك هو حال ذلك الناقد الأدبي الرائد أيضاً. وكان من المزعج أن أدرك أنني قرأت العديد من أعمال الرجال الموجودين على رفوف مكتبة أوستن، ولكنني لم أقرأ أياً من أعمال نسائها. وعلى ما يبدو أن سلطة الناقد تحكمت بطريقة وعينا بالماضي. ولكن هذا خطأ. ولا بد أنه ترك صدعا في أساس معارفنا. ولذلك بدأت أشعر بالقلق.

وأشد ما أزعجني أن هذا النوع من المعرفة هو جوهر ما أقوم به باعتباري بائعة كتب نادرة. “فعملي هو أن أعرف ما لا يعرفه الآخرون”، كما يقول شرلوك هولمز الذي أقتبس منه دائمًا. على سبيل المثال: تحتوي الطبعة الأولى باللغة الإنكليزية من خرافات غريم على خطأ مطبعي في صفحة العنوان لأن المطبعة البريطانية نسيت الفاصلة فوق حرف العلة في كلمة ألمانية؛ وهي رواية مغامرات باللغة الإسبانية وعنوانها El Anacronópete (1887) وتصف آلة زمن قبل ثماني سنوات من الكتاب الذي يعتقد معظم الناس أنه أول من فعل ذلك، وهو آلة الزمن لـــ H G Wells. وطبعة الناشر فريدريك وارن من “حكاية بيتر رابيت” The Tale of Peter Rabbit (1902) ليست الطبعة الأولى الحقيقية، فقد سبقتها في عام 1901 طبعة من بضع مئات من النسخ طبعتها بياتريكس بوتر بشكل خاص لتكون هدية للأصدقاء. هذه التوافه الأدبية هي متعتي وعملتي. وفضلاً عن قدرتي على الاستشهاد بأقوال المحقق المشهور في كل المواقف تقريباً، فإنني أستطيع أيضاً أن أخبرك بعدد الخطوات التي قادتني إلى شقته رقم 221 ب؛ وأنا أستطيع أن أقرأ قصيدة لسافو باللغة اليونانية، وقصيدة لهوراس باللغة اللاتينية؛ وشاركت في قراءات عامة لرواية “عوليس”؛ وفكرت جدياً بحفر بيت من أبيات كاتولوس بشكل وشم على جسدي. ومع ذلك فاتني تماماً ملاحظة بعض أسلاف أوستن. وقرأت أجزاء متعددة من قاموس صمويل جونسون ـ صفحات وصفحات من إدخالات معجمية تعود إلى القرن الثامن عشر ـ ولكنني افترضت أن هؤلاء الكاتبات وهن من نفس الفترة غير جديرات بوقتي.

 اللعبة تستمر (ولكن لن أتوقف عن الاستشهاد بهولمز). وعندما بحثت أكثر، علمت أن أوستن قرأت كل هذه الأشياء لأول مرة حينما كانت النساء في التاريخ الإنكليزي تنشرن الروايات أكثر من الرجال. وللأسف أنني، في قراءتي الخاصة، تخطيت هذه الأمور تمامًا لدرجة أن الموضوع بدا وكأنه تجاهل متعمد. وكان الأمر كذلك: النقاد الذين شكلوا نظرتنا الحديثة عن الرواية باللغة الإنكليزية غالبًا ما استبعدوا الكاتبات إلى درجة الاستئصال الممنهج. وهو ما يُطلق عليه اسم “النسيان العظيم”. نجت أوستن فقط من تلك الفترة، لتصبح “أول كاتبة عظيمة باللغة الإنكليزية” – على الرغم من وجود مقطع في إحدى رواياتها يحتفي صراحةً بعمل الكاتبات اللاتي سبقنها. وقد تركت لي أوستن إشارة عن هذا الخطأ في رواية “دير نورثانغر”، وكيف يمكنني تصحيحه. فهي تقول:

“في حين أنه يمتدح ألف قلم موجز تاريخ إنكلترا رقم تسعمائة، أو الرجل الذي يجمع وينشر في مجلد بضع عشرات من السطور لميلتون وبوب وبراور، مع ورقة من مجلة سبيكتاتور، وفصل من ستيرن، – يبدو أن هناك رغبة عامة في إدانة قدرة الروائي وتقليل قيمته، وتجاهل إمكانياته التي لا تدل إلا على العبقرية والذكاء والذوق. “أنا لست قارئة للروايات – نادرًا ما أقرأ الروايات – لا تتخيلوا أنني أقرأ الروايات كثيرًا – وهذا حقًا جيد جدًا لفن الرواية”. وهو تكبر شائع. 

“وماذا تقرأين يا آنسة-؟” 

تقول الشابة وهي تفلت كتابها بلا مبالاة متكلفة، أو خجل مؤقت: “أوه! إنها مجرد رواية. إنها فقط سيسيليا، أو كاميلا، أو بليندا “؛ أو باختصار، مجرد عمل لاريخلة من المهارة، وحيث يضمن نشر المعرفة الأكثر شمولاً عن الطبيعة البشرية، ووصف أفضل أنواعها، مع أروع أشكال الذكاء والفكاهة في العالم، بلغة مختارة. الآن، لو كانت نفس الشابة مشغولة بمجلد من مجلة “ سبيكتاتو” بدلا من هذا العمل، فكم كانت لتفخر بعرض الكتاب علينا، وذكر اسمه”.

في هذه الفقرة، كانت أوستن قد تعرفت بالفعل على آلية النسيان العظيم: “ألف قلم” يتحدثون عن أعمال مثل “الفردوس المفقود” لميلتون، بينما يخجلون من الاعتراف بقراءة الروايات. لم تشعر أوستن بمثل هذا الخجل. لقد جادلت بأن الروايات تقدم “بعضًا من أعظم جوانب العقل”. ثم قدمت أمثلة. وهي “سيسيليا” (1782) ثاني رواية لفرانسيس بورني؛ و”كاميلا” (1796) ثالث رواياتها. و”بليندا” (1801) ثاني رواية لكاتبة أخرى هي ماريا إيدغوورث.

***

إن وصف أوستن بأنها “أول كاتبة عظيمة باللغة الإنكليزية” في الحقيقة يعني أنها أول امرأة بريطانية في قائمة الأدباء الغربيين. وقائمة الأدباء الغربيين مشهورة ولها معنى. فهي تقدم قائمة بأسماء المؤلفين والعناوين التي يزكيها خبراء الأدب باعتبارها كتباً كلاسيكية، مثل مؤلف كتاب عام 2005 عن الرواية الإنكليزية. ربما لاحظت ثقل هذه الجملة؛ فكل كلمة منها يؤدي إلى المزيد من الأسئلة. والآن أنت تفكر مثل بائع الكتب النادرة. ما هو الكتاب الكلاسيكي؟. ومن هو الخبير الأدبي؟ ومن ساعد علىرتأسيس هذه السلطات التي تؤثر بآرائنا حتى ساعتنا هذه؟ ولماذا نحتاج إلى قائمة بالكتب الموصى بها أصلا؟

الإجابة على السؤال الأخير سهلة بما فيه الكفاية: فالقوائم مهمة لأننا لا نستطيع قراءة كل الكتب. ولأننا لا نستطيع قراءة كل الكتب، فلابد أن نكون انتقائيين. ولأننا لابد أن نكون انتقائيين، فلا بد أن نصدر أحكاماً بشأن الكتب التي ينبغي لنا قراءتها قبل أن نقرأها. ولأننا لابد أن نصدر أحكاماً قبل القراءة، فمن الأفضل أن نثق بتوصيات الخبراء، مثل المعلمين ونقاد الأدب وغيرهم من المحترفين، الذين تقع عليهم مهمة قراءة وتحليل العديد من الكتب؟ وهؤلاء المحترفون يوصون بكتب ذات قيمة عالية وتقاوم عوادي الزمن وتستمر على قيد الحياة بعد تاريخ نشرها ـ وهو ما نسميه “الكلاسيكيات”. ولكن للمحترفين أذواق فردية أيضاً، لذا فإن الإجماع بينهم هو الأفضل بلا شك. وهذا الإجماع على الكلاسيكيات يتحول إلى قائمة، وهو ما نسميه “قاعدة”. ولفكرة القاعدة أهمية تطبيقية.

ولذلك كنت أشتري بانتظام وأقرأ كتباً مثل دراسة عام 2005 عن الرواية الإنكليزية. وقد قرأت كتاب إيان وات ” صعود الرواية” (1957)، وهو الدراسة الأكثر تأثيراً على الإطلاق عن الرواية الإنكليزية في القرن الثامن عشر، الحقبة التي نشرت فيها فرانسيس بيرني أعمالها، والفترة التي قرأت فيها أوستن أغلب أعمالها التكوينية. ولكن هؤلاء الخبراء الأدبيين هم الذين خدعوني: فقد رفضوا أو تجاهلوا تماماً الكتاب المفضلين عند أوستن. وربما تكون فكرة إنشاء قائمة من المؤلفات خطوة عملية، ولكنني كنت أعتمد عليها أكثر مما ينبغي.

واصلت البحث، وسرعان ما علمت أن آخرين لاحظوا هذه القرائن في كتابات أوستن. فقبل عقود من الزمان قبل أن تصبح نسخة “إيفلينا” على مكتبي بمثابة حجر شطرنج، كان نقاد النسوية يعملون على التذكير بقصص هاته النسوة. وأصبح بعض هؤلاء في نهاية المطاف دليلا لي. ولكن حتى بعد أن كتب الآخرون سيرة ذاتية جديدة للنساء المعنيات وتم في الجامعات تدريس كتبهن في حصص تاريخ الرواية الإنكليزية في القرن الثامن عشر، كانت مساهماتهن لا تصل إلى مواضع متاحة لعدد واسع من القراء: مثل الطبعات الشعبية الرخيصة، وتاريخ الأدب الإنكليزي، ومناهج المدارس الثانوية، والأفلام المقتبسة من الكلاسيكيات، وسوى ذلك. وبمجرد أن لاحظت هذه الفجوات، بدأت أراها في كل مكان. وحتى وقت كتابة هذه السطور، يشير بند “النوع والأسلوب” في صفحة ويكيبيديا الخاصة بجين أوستن إلى أن أوستن مدينة لريتشاردسون وجونسون، بينما لم تذكر بيرني على الإطلاق. ولا يعرف معظم الناس هذه الحقيقة. ولم أكن أنا أعرفها أيضًا. شعرت بفداحة الخطأ الذي ارتكبته. فقد أمضيت سنوات أتمنى لو أن أوستن وضعت المزيد من الكتب. ولم يخطر ببالي حتى أن هناك كاتبات يمكن القول إن أوستن تأثرت بهن ـ ويمكنني قراءة أعمالهن شخصيا. لقد استخدم الباحثون أوستن في كثير من الأحيان كبوابة لدراسة الكتاب المبكرين والرواد، لكن استكشافاتي الأولية لهذه الكتب كانت محبطة. شعرت وكأنني كلما دخلت في منعطف، أصطدم بطريق مسدود. أولاً، لجأت إلى إحدى الدراسات الأكاديمية الرائدة حول هذا الموضوع، وهو كتاب “جين أوستن وأسلافها ” لفرانك دبليو برادبروك (1966)، والذي يتضمن فصلاً كاملاً عن “التقاليد النسوية” في الرواية الإنكليزية التي تأثرت بها أوستن. اعتقدت أن هذا العنوان يبشر بالخير. لكنني كنت مخطئة. فقد ذكر على الفور إن هذه التقاليد “غير واضحة بشكل جيد”.

ورفض بشكل قاطع الروائيات اللاتي أشادت بهن أوستن في أعمالها، مثل آن رادكليف، وفرانسيس بيرني، وشارلوت سميث، وماريا إيدغوورث قائلا: “إن جين أوستن تستغل الأعمال الرديئة التي وضعتها كاتبات من أسلافها ومعاصريها في استخدامات إيجابية وبناءة”. وكانت لبرادبروك سلطة أكاديمية، وبناء عليه قرر الآخرون: أن يطلقوا على جين أوستن لقب أول كاتبة عظيمة في اللغة الإنكليزية… عمليا. ولكن أوستن نفسها تناقض هذا الاستنتاج. فهل كان هؤلاء الأكاديميون يقترحون أن بعض الكتب المفضلة لدى واحدة من أعظم المؤلفات على مر العصور مجرد هراء؟ وهل كانت مؤلفة بهذا المستوى ذات ذوق سيء حقا؟. لقد أدركت سريعًا أن جزءًا من المشكلة هو في أنني أستخدم نفس الأساليب لدراسة تلك النساء، وهي الأساليب التي تسببت في الأصل بالفجوة في قراءتي. كنت أعتمد على سردية كبرى غطت مئات السنين في كتاب واحد. كانت غريزتي هي أن أثق في الأقلام التي وضعت هذه الكتب لأنها كانت مفيدة لي في الماضي: لقد استمتعت بمعظم “الكلاسيكيات” التي قرأتها (نعم، حتى “عوليس”). لكن النسيان العظيم كان كامنًا في هذه البانوراما الواسعة. تحولت بحوثي إلى متاهة، وفقدت نفسي. كنت بحاجة إلى نهج مختلف. لم تكن القراءة عن الروايات المهمة هي التي دفعتني إلى الاهتمام بفرانسيس بورني، في نهاية المطاف. كان جمع الكتب هو الذي دفعني إلى الاهتمام بها. لقد وجدت نسخة عام 1903 من “إيفلينا” بالصدفة تمامًا. كنت بحاجة إلى التوقف عن التفكير مثل طالبة من القرن العشرين، وأن أبدأ في التفكير مثل جامعة كتب في القرن الحادي والعشرين. بصفتي واحدة من المؤسسين لشركة كتب نادرة، أعمل مع هواة جمع الكتب كل يوم، وأساعدهم في تعقب الطبعات النادرة، وأطلعهم على سجلات المزادات، وأقدم لهم كتبًا لم يسمعوا بها من قبل ولكنها مثالية لرفوفهم. في عام 2017، شاركت أيضًا في تأسيس مسابقة لجمع الكتب، وكانت باسم جائزة “عسل وشمع” Honey & Wax والتي نحكم فيها على عشرات المشاركات سنويًا ونمنح 1000 دولار للفائز. وأنا جامعة كتب بنفسي، ومدرسة، وأحيانا يمر الأسبوع بدون تناول الطعام في المدرسة لأتمكن من إنفاق أموال الغداء على أقراص مضغوطة مستعملة في عطلة نهاية الأسبوع. ربما أنت لست مثلي. إذا بلغ ثمنها ما يزيد على 50 دولارًا أباشر بالتفكير. فوق 100 دولار أبدأ بتوفير مبالغ صغيرة لبضعة أشهر قبل الشراء. فوق 500 دولار من المرجح أن أشتريها فقط إذا كنت قادرة الاستفادة منها في مبيعات متوقعة لاحقا في عملي. كان من المفترض أن تكون مجموعتي مصدرًا للبهجة، وليس مصدرًا للتوتر؛ وقد ضمنت لها الميزانية المتواضعة ذلك. على الرغم مما قد تقوله لك عناوين الصحف، ليس عليك أن تكون ثريًا لتجمع الكتب النادرة.

***

مرت سنوات عديدة منذ تلك الزيارة إلى بيت جورج تاون. وأمضيت ذلك الوقت في بناء مجموعتي من الكتب. ومن خلال هذه العملية، تمكنت من تعقب الأدلة التي أبحث عنها. لم تكن الأدلة كما افترضت من قبل: أن أحدا لم يتذكر تلك النساء لأنهن غير مثيرات للاهتمام بما فيه الكفاية، أو لأن أعمالهن ليست جيدة بما فيه الكفاية. لم أجد مجموعة من المتعقبات اللواتي كانت أدواتهن وموضوعاتهن مصممة فقط لتصل إلى كمال مثالي لم يتحقق إلا لدى أوستن نفسها. بدلاً من ذلك وجدت نقاط انعطاف. تتبعت لحظات تعرضت فيها تلك النساء للهجوم والحذف والإهانة والطرد من نظام الكتابة. في بعض الحالات انتبهت أيضًا للحظات نجحن فيها بشق طريقهن مرة أخرى إلى قانون الكتابة، أو كسبن تعاطف ودفاع أحد النقاد أو حصلن على حياة جديدة من خلال إعادة طباعة أعمالهن بطبعة زهيدة الثمن وبمتناول الجميع. كان كل كتاب في مجموعتي بمثابة دليل على أسباب ودوافع حدوث ذلك كله.

هذه هي قصتي: كيف قمت بجمع كتب وضعتها ثماني كاتبات، وكتب تتحدث عنهن. فقد قرأت جين أوستن أعمالهن، لكنهن فقدن الشهرة التي كانت لهن في السابق. قرأت ودرست أعمالهن، مستعينة بسيرهن الذاتية، ونقدهن وتاريخهن الأدبي، وبالطبع بمهاراتي في تتبع الكتب النادرة. وبمرور الوقت، أصبحت مجموعتي من الكتب بمثابة رثاء لتراث تلك الكاتبات ــ وحجة لإعادة تقييمهن على نطاق أوسع. وتساءلت على مر السنين عما إذا كان مشروعي قد يروق لأوستن. وأنا على يقين من أنها كانت لتصاب بالفزع لو سمعت الرأي السائد اليوم عن فرانسيس بيرني أو ماريا إيدغوورث ـ إذا ما تذكرهما أحد على الإطلاق. وكجائزة لأوستن لقاء ما أنارت به نظري كنت آمل أن أتمكن من أن أقدم لها ما وصلت إليه: مجموعة من الروايات التي قرأتها، وكتاب مخصص لتكريم كاتباتها المفضلات. وقد استعنت بمهاراتي في التعامل مع شرلوك هولمز أثناء الاتجار بالكتب النادرة ووظفتها في هذه البحوث. كنت أريد أن أعرف من هن تلك النساء، وماذا كتبن، ولماذا سقطت أسماؤهن. كنت أقرأ كتبهن وأجمع النسخ التي تعجبني لأهميتها التاريخية. وهكذا أكملت رفوف مكتبة جين أوستن.


ريبيكا رومني Rebecca Romney تاجرة كتب نادرة ومؤسسة مشاركة في شركة “شبكة المطابع “ومقرها واشنطن، العاصمة. متخصصة في الكتب النادرة في برنامج “نجوم أحجار الشطرنج“على قناة HISTORY. مؤسسة مشاركة لجائزة “عسل وشمع” في جمع الكتب. من أعمالها: أخطاء المطابع – قصص غير مقدسة من تاريخ الكتب (مع جيه بي رومني)، الرواية الرومنسية الإنكليزية – بانوراما كتب نادرة 1769-1999.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.