الإلهاء.. ماذا لو كانت الأزمة تشتيت الانتباه؟

الإلهاء.. ماذا لو كانت الأزمة تشتيت الانتباه؟

اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي

د. خالد عزب

خالد عزب

في شهر رمضان هناك سياسة غير متعمده هي تشتيت الانتباه، عبر ألاف الساعات من البث في كافة الوسائط الإعلامية، ففقد المشاهد قدرته علي المتابعه بل علي التعرف على ما يجري بثه، من الراديو إلى الهاتف الذكي، أثارت كل موجة من موجات التكنولوجيا مخاوف من تشتت الدماغ، المشكلة ليست قدرتنا على التركيز، إنها ما نركز عليه.

فالانفجار القادم عبر التيك توك واليوتبوب وما شابه هاذين الوسيطين، مع ساعات البث عبر مئات من محطات التلفاز كل هذا يشتت قدرتنا العقلية، ويسرق أعمارنا فيما لا طائل من ورائه سوى تشتيت ما نركز عليه فيضيع وقتنا وعمرنا دون أن ندرك ما يجب أن نركز عليه من قضايا حيوية وحياتية فارقه، في حين أن الشعوب الناضجة تتعامل مع هذه الأدوات لبث المعرفة البنائه والمفيدة، ليصبح التساؤل المطروح (ما يفعله الإنترنت بأدمغتنا؟) إن ما يفعله هو التخلص من قدرتنا على التركيز، وخلط الحقائق مع الأكاذيب وجعل الناس أسرى لمن أكثر تأثيرا بالإبهار أو الأكثر بثا أو من يطلقون أكاذيب في شكل حقائق، ألفت حول هذه القضية ما يلي: (غير قابل للتشتيت) لنير إيال، و (التركيز المسروق) ليوهان هاري، و(العمل العميق) لكال نيوبورت، و(كيف لا تفعل شيئا) لجيني أوديل، كل هؤلاء حذروا من الأضرار النفسية للانترنت، ومن معاناة الإنسان من (تجزئة الوعي) حيث أصبح عالمنا غير مفهوم من خلال المعلومات.

كل ما سبق ليس إلا أحد الأطروحات حول الانترنت في جانبه السلبي ففي حقيقة الأمر إن كل وسيلة ابتكرها الإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ أثارت جدلا، فعفريت التشكيك يجري توظيفه بشكل مرضي مرتبط بسوء استخدام كل ما هو جديد، أليس هناك قسم طويل في فيدروس لأفلاطون يجادل فيه سقراط بأن الكتابة ستدمر ذكريات الناس؟

بل إن ناثانيل هورثورن عام 1843، حذر من وصول تقنية قوية لدرجة أن أولئك الذين ولدوا بعدها سيفقدون القدرة علي إجراء محادثة ناضجة، سيبحثون عن زوايا للانعزال، بدلا من المساحات المشتركة، كما يتنبأ البعض، ستتحول مناقشات الناس إلي مناقشات حادة ولاذعة، وسيتم تبريد العلاقات الاجتماعية.

في حقيقة الأمر إن وسائط التواصل الإجتماعي ووسائل الإعلام هي مكبرات صوت تطاردنا ونستجيب لها، وكلها يمكن إجمالها بانها نظام مصمم بدقة لإبعاد انتباهنا عنا من أجل تحقيق الربح، فالتفكير بوضوح والتحدث بعقلانية مثل محاولة التأمل في زمن التعري.

ظهرت مثل هذه الاسئلة في القرن الثامن عشر مع ظهور الرواية، فنظر للرواية علي أنها مدمرة، فقد اشتكي الكاهن الأنجيلي فيسموس نوكس من أن قراء الروايات (يهتمون بها بعمق، بمجرد أن العقل يعتاد علي الروايات لا يستطيع الولوج إلي الدراسة الجادة) كما حذر توماس جيفرسون من أنه بمجرد أن يقع القاريء تحت سحر الروايات وهي في نظرة كتلة من القمامة في ورق فإنه سيعاني من فقد الصبر علي القراءة الصحية وسيعاني من الخيال المتضخم والابتعاد عن كل ما هو واقعي في الحياة.

عزيزي القاريء هذه مقالة جدلية هدفها جعلك تفكر وتتأمل، هل نحن نوظف قدرات التكنولجيا بشكل صحيح أم مرضي؟

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.