عزيزي الكاتب، عذرًا… أنت فاشل!

عزيزي الكاتب، عذرًا… أنت فاشل!

اللوحة: الفنان الفرنسي إرنست ميسونييه

ماهر باكير دلاش

في لحظةٍ ما، سيكتشف الكاتب أنَّ أول ما يجب أن يضعه هو النقطة، ليس لأنه انتهى من السرد، بل لأنه أدرك أخيرًا أن كل تلك الفواصل التي أغرق بها نصَّه لم تكن سوى محاولات يائسة لإبقاء النص يتنفَّس، وهو في الأصل كان يحتضر. الكاتب، بحكمته المتأخِّرة، اختار أن يلتقي ذاته في وقتٍ لا وجود له: الدقيقة السبعين من اليوم الثامن، في الشهر الثالث عشر، في سنةٍ لا تحمل رقمًا إلا في خياله المُتعَب. هل كان هذا هروبًا؟ أم محاولة يائسة لإقناع نفسه أنَّ الفشل أيضًا له بُعد فلسفي؟

يقولون إنَّ فقدان الذاكرة كارثة، لكن الكاتب قد يرى فيها بداية الخلاص. فهو يعلم، ولو في أعماقه البعيدة، أنَّ الذاكرة هي السجن الذي يعيش فيه. ذاكرته التي تُعيد إليه مشاهد كلماته القديمة، محاولاته المُتعثِّرة لإضفاء معنًى على نصوصٍ لم يكن لها معنًى سوى في عقله المُشوَّش. حاول يومًا أن يكتب شيئًا عظيمًا، شيئًا يبقى، لكنه أدرك لاحقًا أنَّ النصوص لا تعيش طويلًا إن لم تجد قارئًا يُحرِّكها بروحه. نصٌّ لا يُقرأ هو نصٌّ أشبه بجثّة مدفونة تحت كلمات أنيقة.

بعض القرّاء، يا صديقي الكاتب، هم أشبه بالسجناء الذين يحملون مفاتيح زنزاناتهم، لكنهم يرفضون استخدامها. إنهم عالقون في أفكارهم، ولا شيء سيُغيِّر ذلك إلا ولادة جديدة.

ولكن، أليس الكاتب نفسه أيضًا سجينًا؟ سجين تلك الفكرة التي تجعله يُطارد العمق، بينما يغرق في سطحٍ لزج من العبارات المُتكلّفة. يتساءل: أين الحقيقة؟ أهي في الكلمات التي خطَّها، أم في ذلك الفراغ الذي يفصل بين السطور؟

حاول الكاتب، بعد غيابٍ طويلٍ غشاه الصدأ أن يمد يده إلى قلمه، أن يعود إلى كلماته كمن يعود إلى منزل طفولته. شعر بشيءٍ من الحنين، حنينٍ يخالطه قلق، وكأنَّ الكلمات نفسها تُراقبه بحذر، تسأله: لماذا عدت؟ لكنه أصرَّ. بدأ ينبش في الحروف القديمة، يُمشِّط ذكرى طويلة علَّه يجد بين خصلاتها شيئًا من السعادة. وجدها، لكنها كانت صغيرة جدًا، بالكاد مرَّت كشبحٍ مختبئٍ في زوايا النصوص المُهملة.

وفي ذروة تلك اللحظة التي ظنّ فيها أنه استعاد شيئًا من نفسه، جاءه صوتٌ ساخر، يشبه ريحًا باردة في ليلٍ شتوي، ليقول: عزيزي الكاتب، عذرًا… أنت فاشل.

لم تكن هذه الكلمات إهانة بقدر ما كانت صفعة على وجه الحقيقة. أحيانًا، تحتاج الحقيقة إلى أن تأتيك بهذه الطريقة؛ صاعقة تُضيء داخلك للحظة، ثم تتركك في ظلامٍ أشد عمقًا. وقف الكاتب هناك، مُتجمّدًا بين شعورين متناقضين: أهو الفرح لأنه أخيرًا يسمع الحقيقة؟ أم هو الحزن لأنه تأكد من ظنونه؟

أليس الكاتب هو السائل الذي يبحث عن إجابة لا يحملها معه؟ أليس هو الحائر الذي يركض في صحراء فكره بحثًا عن مطرٍ لم يسقط يومًا؟

لكن، الحرية الحقيقية، كما يكتشف الكاتب الآن، ليست في انتظار تصفيق الآخرين، بل في الكتابة لنفسه أولًا. الكتابة هي الفعل الوحيد الذي يمنح المعنى للفوضى. الكلمات التي يُخربشها، العبث الذي يُسمّيه “نصًّا”، كلها محاولات للهروب من قيود العالم إلى قيود أكثر أناقة.

بعض الكلمات إن قيلت تفقد جمالها، وبعض الأفكار إن كُتبت تُصبح عادية. إنَّ التلميح هو سلاح الفاشل الذكي، الذي يعرف أنَّ الغموض أحيانًا أكثر إغراءً من الوضوح.

يحاول الكاتب، في كل مرة، أن يتقدَّم نحو المستقبل حاملًا أفكارًا يظن أنها جديدة، بينما الحقيقة أنها قديمة بقدر حيرته الأولى. يبتكر كلماتٍ لا يفهمها أحد، حتى هو. يركض في اتجاهٍ لا يدري إلى أين يقوده، لكنه يُصرّ على أنه يعرف الطريق.

وفي عمق نفسه، حيث تختبئ كل الهواجس، يشعر أنَّ شيئًا ما يجب أن يولد. لكنه، كعادته، لا يعرف كيف يُخرج هذا الشيء إلى النور. الفشل يُطارده كظله، لكنه هذه المرة يضحك من سخافة الموقف. وربما، فقط ربما، أدرك أنَّ الفشل هو المعلم الحقيقي، ذلك الذي يجلس في زاوية الغرفة، صامتًا، بينما يحاول الكاتب إقناعه بأنه نجح.

وعندما جاء الصوت من جديد، كان أقلَّ صاعقيّة، لكنه أكثر وضوحًا:

عزيزي الكاتب، عذرًا… أنت فاشل.

ابتسم الكاتب. ربما، لأول مرة، شعر أنَّ الفشل ليس عدوًا، بل هو شريك في هذا العبث الجميل الذي يُسمِّيه الكتابة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.