يوميات هناء في نيويورك – رحلة تكساس الى كارلتون

يوميات هناء في نيويورك – رحلة تكساس الى كارلتون

اللوحة: الفنان السوري حمود شنتوت

هناء غمراوي

عدت من لبنان هذا الخريف في الأسبوع الأول من شهر ايلول، وذلك حتى لا اتجاوز المدة المسموح لي بها بالإقامة خارج الولايات المتحدة. كانت تلك هي السنة الثالثة، لقدوم الجائحة، التي تزامنت مع قدومي الى البلد.

عدت الى نيويورك وانا احتضن سعادتي بصدور اول كتاب مطبوع لي وتوقيعه في معرض الكتاب السابع والأربعين* في طرابلس.

عدت ككل مرة يصحبني نفس الحماس لمتابعة حياتي اليومية هنا. مع فارق بسيط، هو ان ذلك الحماس تضاعف، حين بدأت أمارس هواية الرسم، هواية جديدة تعلقت بها كثيراً وصرت أمارسها يومياً الى جانب متابعتي لدروس اللغة الإنكليزية بكل شغف. في نفس المركز الذي كنت اتردد اليه في أستوريا.

اقتربت فترة الأعياد، مرّ عيد الشكر وصار عيد الميلاد على الأبواب وبدأ شقيقي خالد المقيم في أوكلاهوما يلح في السؤال عن موعد زيارتي له. لأنني كنت معتادة ان أزوره في كل سنة خلال اقامتي هنا وكانت أحيانا زيارتي تطول لأشهر أو تقصر حسب الظروف. 

تأخرت زياتي الى أوكلاهوما هذه السنة بسبب انتقالنا الى سكننا الجديد في دوغلاستون أواخر شهر كانون الأول/ديسمبر. 

منتصف كانون الثاني/ يناير من العام 2024 كنا قد بدأنا نستقر في سكننا الجديد في دوغلاستون، ومن بعد ذلك، بدأت اخطط لزيارة أوكلاهوما، مع تغيير بسيط في برنامج الرحلة.

عرضت على شقيقي المخطط، فوافق فوراً. (كان رحمه الله، يشبهني في حبي للسفر والاكتشاف، رغم تقدم كلانا في السن).

مخططي الجديد كان ان احجز بطاقة سفري الى مدينة هيوستن في ولاية تكساس المتاخمة لولاية أوكلاهوما لزيارة صديقتي وزميلتي في العمل لبنة، التي انتقلت مع عائلتها للعيش هناك بعد سنتين من مغادرتي لبنان.

واتفقنا ان يوافيني شقيقي بعد اسبوع من وصولي الى هناك بالسيارة ومن ثم نعود براً الى أوكلاهوما ونزور في طريق عودتنا مدينة دالاس، التي عشت معها افتراضياً خلال فترة الشباب عبر مسلسل أميركي كان يبث على إحدى المحطات التلفزيونية في لبنان آنذاك. ثم نزور في طريقنا الى دالاس أيضاً ابن اختي نبيل المقيم في مدينة كارلتون القريبة منها. وقد كنت قد رافقت شقيقي السنة الماضية، في رحلة مماثلة من أوكلاهوما الى أريزونا لزيارة شقيقي عمر المقيم هناك. ولا بد ان أعود للحديث عنها، وما واجهنا خلالها من مشقات، بسبب سوء الأحوال الجوية وتراكم الثلوج على الطرقات. لكنها كانت دون شك رحلة ممتعة، ولم تخلُ من الدهشة وروح المغامرة..

حجزت بطاقة السفر الى هيوستن وبدأت استعد وأعد الأيام.. ثم قبل تسعة أيام من الموعد، صباح الأربعاء بتاريخ 6/شباط وردتني رسالة على هاتفي من غليندا زوجة أخي خالد تطلب مني الاتصال بها، ثم ما لبثت أن الحقتها برسالة ثانية نزلت على رأسي كالصاعقة ؛(kaled died last night)؛ توفي خالد الليلة الماضية.!

لست هنا الآن بمعرض وصفٍ لحالتي بعد تلقي هذا الخبر المفجع، مرت ساعة من الزمن قضيتها بين ذهول وبكاء وعويل، غير قادرة على استيعاب المفاجأة؛ إنه أصغر إخوتي، وكان يتمتع بصحة جيدة ولا يشكو من أي مرض.!

عدت من صدمتي وذهولي وانا اكلم نفسي؛ نعم لقد رحل أخي وتلك مشيئة الله، ولكن هل أدعه يرحل دون ان أودعه!!

اتصلت بي ندوة من مركز عملها بعدما علمت بالخبر فأخبرتها برغبتي في السفر الى أوكلاهوما..

بسرعة حجزت لي بطاقة الى اوكلاهوما وألغت بطاقة السفر الى هيوستن.

تمام الرابعة بعد الظهر من نفس اليوم كنت في مطار لاغوارديا في طريقي الى اوكلاهوما..

بحدود التاسعة كان ابن أخي جايسون وزوجته شيا بانتظاري في المطار.

هذه المرة الخامسة التي أحط في مطار أوكلاهوما، وهذه أول مرة يتخلف خالد الغالي عن استقبالي. وهذا ليس من عادته..

قضيت ليلة وصولي في ضيافة جايسون وفي الصباح اجتمعنا في قاعة مخصصة لتقبل العزاء بانتظار وصول الجثمان من المستشفى والانتقال الى أحد المساجد الموجود على أطراف المدينة لتأدية الشعائر اللازمة قبل ان يوارى في الثرى.

أمضيت الليلة الثانية بضيافة جايسون، وفي صباح اليوم الثالث انتقلت الى بيت خالد الحبيب الذي غادره دون وداع.

كنت انوي البقاء هناك شهراً على الأقل بقرب زوجته التي كنت اكن لها كل الحب والتقدير، وهي رحبت بالفكرة وحاولت التمسك بوجودي معها، ولكن وضعي النفسيّ كان أسوأ من ان أتمكن من البقاء في المنزل الذي رحل عنه أخي وكل زاوية فيه كانت كفيلة ان تشعل حزني الذي لم ينطفئ بعد.! 

فقدان أخي الطيب والمحب والذي كان صديقاً لي في غربتي عثرت عليه بغد غياب تجاوز الثلاثين سنة من عمر غربته عن الوطن؛ هذا الغياب المفاجئ كسرني وهزني من الداخل. تراجعت عن قراري وبناء لنصيحة شقيقي الأكبر الذي كان يتواصل معي من لبنان عدلت عن الفكرة وقررت المغادرة.

وبدل العودة مباشرة الى نيويورك لبيت دعوة ابن أختي نبيل الذي التقيت به هناك وبقينا معاً ثلاثة ايام حتى انتهت مراسم الدفن. فقد عرض علي نبيل مرافقته الى منزله في تكساس لقضاء اسبوع في ضيافته. مقدماً اعتذاراً مسبقاً بأن هذا الأسبوع هو اسبوع عملٍ بالنسبة له ولزوجته. 

غادرت دارة أخي برفقة نبيل وانا أجتر حزني وأكفكف دموعي التي ما انقطعت لثلاثة أيام طوال إقامتي في أوكلاهوما.

استغرقت المسافة من أوكلاهوما الى مدينة كارلتون حيث يقيم نبيل حوالي ثلاث ساعات بالسيارة. كانت تقطعها بعض الاتصالات الهاتفية من اولادي للاطمئنان علي او من بعض الأصدقاء والصديقات الذين أرادوا تقديم واجب العزاء عبر الهاتف.

قبل حلول الظلام وصلنا الى كارلتون حيث اصر نبيل وزوجته شانين التي استقبلتني بترحاب وبشاشة كبيرين أن نتناول عشاءنا في مطعم يقدم بعض ألوان الطعام اللبنانية والعربية، كالتبولة والفتوش و”البابا غنوج”. وكان هذا الاختيار ل شانين، اذ لاحظت انها ربما كانت نباتية ولا تميل لأكل اللحوم.

أخيراً ها أنا في ربوع ولاية تكساس ولكن بدون رفقة شقيقي كما خططنا معاً. 

أحياناً تبسم لنا الحياة وتفتح ذراعيها لنا فنظن ان لا هم بعد ذلك ولا حزن..

قضيت أسبوعاً واحدا في ضيافة ابن اختي نبيل لم أغادر المنزل الا مرة واحدة فقط عصر يوم بمرافقة نبيل وبعد إلحاح منه بهدف اخراجي من جو الحزن الذي كان يسيطر علي وكان ان تعثرت وسقطت أرضاً على وجهي، وسالت من فمي دماء كثيرة..

اقتنع ابن اختي ان حالتي النفسية لا تسمح لي بالخروج من المنزل والتعرف الى المدينة التي يسكن فيها او زيارة مدينة دالاس، التي كنت اتوق لرؤيتها والتعرف الى معالمها.

نعم جرت الرياح بعكس اتجاه سفينتي.. اكملت الأسبوع داخل المنزل وصرت اشغل وقتي في القراءة طوال النهار خلال وجود نبيل وعائلته في العمل بعدما عثرت على بعض الكتب العربية، في مكتبة صغيرة داخل الغرفة التي كنت اشغلها.

في هذه الأثناء كان أولادي يتواصلون معي ليطمئنوا على وضعي الصحي والنفسي؛ لذلك اقترحوا علي ان أزور صديقتي في مدينة هيوستن كما كان مقرراً، قبل العودة الى نيويورك. ووصلتني بطاقة السفر؛ دالاس، هيوستن، نيويورك…

الأحد ظهراً ودعت عائلة ابن أختي؛ زوجته شانين وولديه رامي ونورا وتوجهت برفقة نبيل الى المطار في طريقي الى هيوستن.


*الكتاب: هو الجزء الأول من يومياتي في نيويورك، بعنوان؛ نيويورك في عيون زائرة عربية. من منشورات منتدى شاعر الكورة الخضراء عبد الله شحادة الثقافي.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.