اللوحة: الفنان الألماني بول كلي
لم يراعِ أحد شعوري، لم يهتموا بمعاناتي وأنا أقف هنا منذ فترة بعيدة، لا أتذكر المدة الزمنية التي قضيتها في العراء، عزائي في مراقبة النجوم ليلًا، تتبع العابرين جيئة وذهابًا نهارًا، مراهنة الشمس على أشياء تافهة، أدري أني الخاسر دائمًا، لكنه السأم الذي يسري في بنياني القوي، الذي تسلل ببطء عبر السنين حتى تمكّن منّي، تشرّبت فكرة أن أنهار بإرادتي، باختصار أن أنتحر، لا ضير من ذلك فلا نص شرعي يجرّم أن يقتل جماد نفسه. ليس أسوأ لجدار من أن يظهر في الوجود دون رغبة منه، وما أحقر هذه الحياة التي تهدمه على غير إرادته،.
ظللت فترة أتدبر الفكرة، أقلّبها على وجوهها المتعددة، لعل شغلي الشاغل وقتها، السؤال الذي أرّقني مدة: ماذا بعد أن أنقضّ وأصبح حجارة متناثرة بعرض الطريق، وغبار يتصاعد فترة ثم يخمد؟
لكن.. عُدت إلى صوابي، قلت: ما أسخف هذا السؤال، يقيني أن لم تتح الفرصة أبدًا لكائن حي لكي يعود من رحلته الأخيرة ويخبرنا بما رآه أو عايشه هناك، ذلك على فرض أن هناك يختلف عن هنا!
على العموم قد عزمت أمري أن أقع من تلقاء نفسي، أن ألمس أديم الأرض بوجهي، أن أحتضن الثرى لأول مرة، أن أعود لبداياتي ونشأتي، لمَ لا وهي لحظة حتمية ستحدث شئت أم أبيت.
غير أن ليس كل ما رغبت فيه سيتحقق، لقد استغرقت قدرًا لا بأس به من الوقت في التخطيط، التفكير الشديد، تخيّر لحظة السقوط، قلت لعل الوقت الأمثل أن أفعل ذلك قبل الفجر بقليل حتى لا أصيب مار أو جار أو طفل يلهو أو شيخ أعرفه خرج لصلاته أو عربيد أنّبه ضميره فقطع طريق شهوته وآثر العودة.
لكن حين شرعت في السقوط، لم أشأ أن أفزع المارة فالاحتياط واجب، لذلك هززت أحجاري القديمة حتى أخلخل مواضعها عن بعضها، تملّكتني سعادة غامرة فما أجمل ان يخطط المرء ثم ينفّذ مشيئته بيديه.
وجدت من يشمّر ملابسه، يخلع نعليه، يعيد الأحجار لمواضعها، يستعيض القديم منها بآخر جديد أكثر صلابة، لم يبخل بالملاط اللاصق القوي، لا أعرف هذا الرجل، لم أره من قبل، على مقربة يستكين آخر لعله رفيق رحلته، يختبئ من لهيب الشمس، على وجهه ابتسامة ساخرة، سمعته يوبخ الشيخ، يقول له: جهد ضائع، دون مقابل، تحرث في الماء، البلدة هنا لم ترحّب بنا، لم تبلّ ريقنا بشربة ماء واليوم شديدة الحرارة.
كان الكهل يجاهد في الحديث أن يثني الشيخ عن اتمام فعلته، بينما الأخير منكب على ما بين يديه وقد أصم أذنيه واستغشى ثيابه، كنت بينهما حائرًا، يقتلني الغيظ، لا يعنيني لمَ يفعل الشيخ هذا؟، ولا ما وراءه؟ لم أهتم بمبررات الكهل، لكني تعجّبت وأنا أراه يختبئ في ظلال النخيل وهو القوي، قلت: ما هذه القسوة؟ لكن علمي بالناس ينفي أي عجب قد يشتعل بداخلي الآن، لكم رأيت من أعاجيب، لكم شاهدت من مآسي يعف لساني عن التعليق عليها.
أنهى الرجل مهمته، التي جاء من أجلها، أقام المعوجّ من بنائي، أعادني إلى وضعي الأول، فعل ذلك دون أن يأخذ موافقتي أو أن يعرض الأمر عليّ من باب جبر الخاطر، بعد ذلك عدل من هندامه بعدما مسح عرقه المنهمر في كمّيه، مسح وجهه بيديه، غمغم بما لم أتبينه، التفت لرفيقه، قال بلهجة لا هي خشنة ولا تحمل ودّا: ستعرف كل شيء في وقته، حينها وجم الرفيق، ارتخت قسمات الشيخ.
مضى الرجلان، تتبّعتهما حتى غابا عن الوجود، ثم عُدت أنا لوجود أشد قسوة، حياة لا تخلو من مرارة الوحدة والصبر على مسامرة الشمس اللعوب.
