اللوحة: الفنان الفرنسي هنري دي تولوز لوتريك
حين رأيته يتكئ جوار ماكينة الصرف الآلية الموجودة بمدخل السنترال الرئيس في شارع الحرية، استغربت من وضعيته هذه، اندفعت ناحيته، سألته: أتمد يدك وتسأل الناس؟ مثلك لا يفعل هذا. ماذا أصابك؟
لم يعدل “حسين جاب الله” قامته، لم يرد تحيتي، لكنه هشّ للحظات في وجهي، سرعان ما عبس، أدار وجهه للناحية الثانية، ثم عاد إليّ بعد هنيهة، قال: كما ترى أنا أتسول، “أشحت يعني بالبلدي”.
– لماذا؟
– لا يزال لديّ بعض من الكرامة، أرغب في اهدارها، ليس أفضل من مد اليد للناس، التسول حرفة تأخذك لأسفل ومع هبوطك للقاع تمتلئ جيوبك بالمال. قطب جبينه، استأنف حديثه: عبقري من صاغ عبارة أن” الشحات له نص البلد ” ثم ندّت عنه قهقهة عالية أزعجت عجوز تمر أمامنا، فأسرعت في خطوها بعيدًا.
قلت: علمي أن وضعك المادي معقول، يظل سؤالي لماذا تفعل هذا بنفسك؟
انشغل عنّي بفتاة شغلها حاله ورأفت به، اقتربت وفتحت حقيبتها ودست في يده ما لم أره جيدًا.. شكرها ثم أمطر أذنيها بأدعية متفق عليها بين المتسولين، أنهى مهمته، التفت ناحيتي وقال: يكاد عملي ينتهي الآن، لملم نفسه، استقام ظهره، طبع على وجهه قناعًا جديدًا، أشاح بيده في وجه شاب يقترب للتصدق عليه كأنما يخبره أن احترام المواعيد فرض، ثم تأبط ذراعي، سألته: إلى أين؟ منذ متى تمارس هذه المهنة؟
– أي مهنة؟
قلت: التسول
قال: منذ وُلدت، ثم أتقصد التسول في معناه الشامل أم ما رأيته منّي منذ دقائق؟
قلت: هل من فارق؟ وما المعنى الشامل هنا للتسول؟
ابتلع ريقه، أخرج من ملابسه علبة سجائر أجنبية حمراء، ولاعة ذهبية، أشعل لنفسه سيجارة، تجاهل أن يعزم عليّ بواحدة. جذب بضعة أنفاس، قال هو ينظر في شاشة هاتفه المحمول، والدخان يتسلل من بين أسنانه: الوقت تأخر، مشوارك بعيد. ثم دس يده في جيبه، أخرجها ثم دسها في جيبي، همس بود: بلاش تركب سيرفيس، خد لك تاكسي، رجاء أن تطمئنني برسالة حال وصولك. ثم شدّ على ساعدي وقال: ها قد عرفت مكان عملي الجديد، لا تحرمني رؤيتك.

🌹
إعجابLiked by 1 person