هيام علي الجاويش
اللوحة: الفنان الفرنسي لويس جان فرانسوا لاغرينه
كانت ليلة عصيبة، لم تقاسي من مثلها إلا عند وفاة والدتها والتي تركتها وحيدة ومن قبل تركهما ابوها وحيدتين عندما كانت أمها تقارب الاربعين وهي ذات خمس سنوات،
وعند وفاة أمها كانت تقارب الثلاثين من العمر لا زوج ولا ولد ولا تلد، فقط هي وماعزتان وكلب ألفته وألفها، كان يمضي ليلته كل يوم أمام باب البيت لحراسته من أي كائن من كان والبيت مكون من غرفة ومطبخ وحمام بني خصيصا من أجل من يحرس المزرعة المحاطة بالأشجار والواقعة على الأطراف البعيدة من القرية.
***
في ليلة شتوية من فصل الشتاء أغلقت باب البيت بإحكام وفتحت نوافذ الحنين، وظهرت تشققات الروح على جدران الصبر، وأطلت الوحدة برؤوسها المتعددة، أما حقائب الانتظار على قارعة رصيف قلبها فكانت فارغة، حيث لا محطة قريبة أو محطة بعيدة مرجوة، فقط الذاكرة كانت ممتلئة بمواقف وبأناس وأشباه أناس، تتقيأها وتعيد ترتيبها وتحذف محتوياتها كل ليلة ثم تعود للامتلاء بهم في الصباح.
كان صفير وجنون الريح يزداد، والامطار تتزايد في الهطول، ويتزايد معهما نباح الكلب، وهي بين الفينة والأخرى تطل من النافذة وتتفقد الكلب وفي كل مرة تجده في مأمن. انقطعت الكهرباء فأشعلت قنديل الكاز، وعند هدوء العاصفة وانعدام صوت المطر سمعت نقرأ خفيفا على النافذة المطلة على الجهة الأخرى للباب وسمعت أحدا ينادي.. لقد تقطعت بي السبل ووصلت إلى هنا بشق النفس ارجوكم افتحوا الباب فقط اجفف ثيابي وادفئ قليلا ثم أغادر.. خافت ولم تعر بال للصوت، وظنت أنها تتوهم، إلا إنه تكرر عدة مرات، كان الرعد يمنعها من سماع الصوت إلا أن البرق كان يضئ البيت وخارجه فرأت شاب نحيل أسمر متوسط القامة وقد نال منه التعب يماثلها بالعمر، تشجعت وفتحت الباب على وجل وقامت بما يلزم، دخل الحمام وخلع ثيابه واعطته جلباب أمها ليلبسه ريثما تجف ثيابه، أكل وشرب شاي ساخن ثم غفى جانب المدفئة حتى الصباح. عندما استيقظ شكرها ولبس ثيابه وحاول الخروج، لكنها استبقته قائلة: كما ترى أقطن بمفردي ولا من هب ولا من دب، ولا أحد يخرج من بيته في هذه الأجواء، حتى صاحب المزرعة لا يأتي إلا في الصيف، يمكنك أن تبقى بضعة أيام إذا شئت حتى تهدأ أحوال الطقس وثم تتابع وجهتك، فبقى على حرج. كانا يتبادلان الانس والكلام ويتقاسمان الطعام معا، وفي إحدى الليالي راودها فتمنعت، وكادت أن تطرده، فقال لها: يبدو أنك لم تفهمي قصدي أنا لم أقصد إلا الحلال، هكذا أنا لا أحيد التعبير ولا أجيد الكذب، أن اللذين يجيدون الكذب يصلون لمرحلة الصدق والإيمان في كذبهم. والمتسامحون كثيرا، يواصلون إلغاء ذواتهم مع أولئك الكاذبون، فكان لا بد من تغيير مسار أحدهم، فأما الكاذب حتى لو غير فهو كاذب، ولن يبقى إلا المتسامح عليه أن ينقذ ذاته مع صعوبة ذلك مع كاذب صادق بكذبه. وتلك قصة طويلة أرويها لك عندما أعود إليك بعد سفر قصير، أحصل على حقي الذي أغتصب وعندها لن أغادرك أبدأ، وسيكون لدينا مستقبل وأولاد كثر وسعادة لا تنضب، لكن أخاف أن تتزوجي في فترة غيابي عنك، وبما أنه من غير العقول أن أطلب يدك من شجرة أو جدار فسأطلب يدك منك. ولا تظني أن هذا خطأ لقد كان الأمر كذلك قبل المحاكم ودوائر ومؤسسات الدولة، وسيكون هذا رابطا إضافيا لتقوية العلاقة بيننا ودافعا كبيرا لي للالتزام والعودة بالسرعة القصوى، كانت دقات قلبها تتزايد مع أنفاسه وأنفاسها تتوقف مع خطواته، لقد أشعل نارا يزداد إوارها مع كل رمشة من عينيه، وملئ وحدة طال أمدها، وشغل فراغ نفسيا وروحيا، وفكرت.. كم بحثت عن نفسي في الزحام وكم بحثت عن ذاتي في ذاتي فلم أجد إلا فوضى الزحام والمشاعر، كم من المعارك خضتها استنفذت فيها قدرتي وقوتي، وكم من الأسماء الوهمية كظل أصحابها كانت في أولويات قائمتي، أنشأها في ذهني وأمحوها، ومن ثم لا شيء، في هذه المزرعة وحيدة وفي البيت وحيدة حتى في وحدتي وحيدة، ونفسي سئمت مني وسئمت منها، فكم من الساعات تكورت فيها على ذاتي، أقضي ليلتي بانتظار النهار وأقضي النهار بانتظار الليل، كنت أملأ الفراغ بكل المتناقضات وبكل أمل كاذب وها قد آن الآوان لأملأه بما هو مجدي.. سأفعلها، ثم من يهتم بي فلا أحد يتعامل معي إلا بكوني ابنة الناطور والذي لا يعرفون شيئا عنه، وأنا بين الحين والآخر أذهب إلى القرية لإحضار ما أحتاج إليه من مؤونة، لذلك لن يشعر أحد ولن يهتم أحد، وعندما قالت: وهل هذا زواج الذي أعرفه أن من شروط الزواج الإشهار والشهود قال لها: تلك أفكار قديمة وعقيمة ويبدو أنني لم أقع في نفسك كما وقعتي في نفسي أولست بالغة وناضجة بما يكفي حتى تقرري؟ أم علينا أن نسأل مختار القرية أو رئيس البلدية ليقرر أن كنتي تتزوجين أم لا، وكان لكلماته تأثير كالسحر، فوافقته خشية أن تخسره وأخيرا تقاسمها الفراش.
***
صباح يوم بارد كانت الثلوج تغطي كل ما ظهر من الأرض والشجر، أطل من النافذة وأغراه الطقس للخروج، تمارض وخارت قواه وخط حروف أجنبية على ورقة وقال لها يجب أن أخرج لأحضر هذا الدواء، فمنعته من الخروج، ووسط ذهوله من تضحيتها واعجابه بقوتها خرجت وهو يمانعها، وعندما خلا البيت أخذا مالها ومصاغها على قلته، وخرج إلى وجهته. ولم يعد وهي لا تعرف عنه شيء أو حتى اسمه الذي أعطاها إياها ان كان حقيقي ام لا. أو كان كاذب أم صادق. وتذكرت الحديث الذي دار في القرية عن سجين هارب، وبضرورة الابلاغ عنه لكنها استبعدت أن يكون هو، وحتى لو كان هو فستقبله كما هو ولن تبلغ عنه، عدة أشهر أنقضت بعد ذهابه، وجاءت أهوال تلك الليلة العصيبة، أتمسكه على هون ام تدسه في التراب، وهي التي حاولت أن تتخلص منه قبل ذلك لكنه بقي متشبثا إلى اليوم الموعود، كانت منشطرة بين خطيئتها وفطرتها، ومنشطرة بين إبليس والرب. وخافت من أن يفتضح أمرها ويطردها صاحب المزرعة. لفته بحنان، ثم ربطت شالها حوله بأحكام. وقبل انبلاج الصباح، توجهت إلى جب غير بعيدة عن المزرعة، كانت تسرع الخطى حينا، ثم تبطئها عند تدفق الدماء من بين فخذيها. رفعت غطاء الجب، وألقت به لعل بعض السيارة تلتقطه وتمنت له شئنا عظيما، بينما كانت دمعة تنحدر على خدها. بعد أقل من ساعة حضر صاحب الجب لإخراج الطمي منه، وإصلاحه. نزل الجب ووجده، أخرجه وعرف شالها وذهب إليها بالطفل، جئت لأعيد إليك شالك، وعندما رأى نظرة الهلع في عينيها قال: بنيتي.. ربما من رماه ليس من هذه البلاد، أكرمي مثواه لعله ينفعك في القادم من الأيام.