اللوحة: الفنان الإنكليزي بيتر زوموفسكي
ترجمة مهدي النفري

الهواء
لقد دخلت حياتي حين كان الماضي أبعد، وحين كان الصيف أطول فصل في حياتنا. كانت أجمل فتاة رأيتها تثير دمي، بعينيها الخضراوين اللتين جعلتاني أتمنى أن تستمر تلك اللحظة على الأقل حتى يخبو احمرار وجنتيّ المراهقتين. كان لون عصير الليمون أصفر، ونهار يوم معها كفيل بأن يملأ عقلي بالنور والسعادة. لحسن الحظ أنها كانت من جيلي، وكنتُ أؤمن بأن الله قد أرسلها لي. جلستُ على شاطئها وتمنيتُ أن أقبلها قبل أن يحل الشتاء. لم أكن أفهم الكثير، لكن ربيعي كان على المحك من أجلها.
كنتُ أستيقظ لأجلها كل يوم، لقد دامت تلك الفترة لأشهر قليلة ولكنها بدت طويلة جدًا قبل أن أدرك معنى الوقت. كانت تأتي بمرورها، كان جلدها الأبيض لم يتأثر بعد بعبء الزمن، وكانت تركب دراجتها ببراءة عبر عالمي الصغير. عندما كانت الرياح تلاعب ثوبها كانت تُنزله لحماية جزء من جسدها. حينها كنتُ أتمنى أن تظل في حياتي. فمن أجلها كنتُ أوقف الكرة عن الحركة، وكتبتُ كلمة الحب في السطر الأول حتى غدت هي أجمل جملة قرأتها آنذاك، والنثر الهش الذي أكتبه الآن. كان عقلي ما يزال خاليًا من أي ذكرى قبل لمسة عينيها.
لم تكن تستمع إليّ كثيرًا، ربما كانت تعلم حينها أن الأشياء تتلاشى مثل الضحكات، وأن ما يتبقى قليل جدًا. لهذا السبب لا يعدّ الزمن فضيلة تستحق اللحاق بها، فكلما تقدمتَ في العمر قلّت الأشياء التي كنتَ تستيقظ من أجلها. الآن عقلي ممتلئ، وأنا وسط أناس يتلاشون كالصمت في الشارع، ورأسي مليء بالماضي. أحيانًا أنساها وأحيانًا أنام دون أن أراها في خيالي، أو أتشبث ببساطة حركاتها دون أن أتمكن من لمسها. لعل عزائي الوحيد هو أنني ما زلتُ أتعرف على موسيقاها من فرقة (إير)* موسيقى تتجاوز الزمن.
يومًا بعد يوم
ندرك أن لغتنا قاصرة عن تسمية الأشياء. نقول “سرير”، “حديقة”، “منزل”، “شارع”، لكن كل ذلك يظل في حدود لغتنا اليومية. فهل هذه اللغة هي حقيقة الأشياء؟ وهل جوعنا إلى الحقيقة أكبر من اللغة التي بين أيدينا؟ يتساءل المرء عما تكونه هذه الأشياء خارج نطاق لغتنا. وماذا عن الأشياء التي سبقت وجودنا مثل النباتات والحيوانات؟ (هل كانت هذه الأشياء تشعر بوحدة أكبر حينها، أقصد دون أن يكون لها اسم؟). ما الذي تعرفه حقًا حين تعرف اسم شيء ما؟ وما الذي يتبقى إلى جانب الاسم من غرابةٍ وجهل لا يمكن التعبير عنه بالكلمات؟ كيف تستمر هذه الأشياء في الوجود خارج أفكارك؟ ليس كيف تكون بل أنها موجودة، وأنها تفلت منا جزئيًا.
تستمر في التساؤل
أين تبدأ وأين تنتهي؟ وما الذي يجعل شيئًا ما هو هو، لا شيئًا آخر؟
اللغة هي شهادة على عجزنا المؤلم. ما تقوله اللغة ليس سوى شهادة على ما يمكن قوله. أليس من الغريب إذن أن الشعر الذي يُصنع باللغة والكلمات يمنحنا القدرة على الوصول إلى ما لا يمكن التعبير عنه؟ إنه ما لا يمكن الحديث عنه، ولكنه يمكن إظهاره واستدعاؤه. إنه فن الكلمة الذي يُضفي شكلاً على الإظهار. استخدام للكلمات ليس لقول شيء بل لإظهاره.
هكذا يدور الشعر شأنه شأن سائر الفنون، لا حول المعاني الإنسانية، بل حول العالم غير الإنساني الذي يظهر في الكلمات والصور. وهذا يعني أنك تأخذ مسافة من الواقع اليومي الذي تحده لغة التسمية. كل هذا ينبع من الرغبة في معرفة ماهية الشيء، ربما رغبة في الحقيقة الخالصة المتحررة من كل الوصف والتأويلات البشرية. ربما هو بحث عما هو أعظم من الحقيقة البشرية. عن ذلك غير المرئي الذي يمكن تصوره ولكنه عصي عن القول. فكرة عن عالم ولكننا عاجزون عن تقديم مثال له.
*مهدي النفري شاعر ومترجم صدرت له مجموعة من المؤلفات، تنوعت بين أعماله الشعرية وترجماته الأدبية.
*(إير) فرقة فرنسية تتكون من عضوين، نيكولاس غودين وجان بينوا دونكل.