كيمياء..روفانس – نصّان للشاعر البلجيكي خيرت يان بيكمان

كيمياء..روفانس – نصّان للشاعر البلجيكي خيرت يان بيكمان

اللوحة: الفنان الياباني أكيرا كوساكا

ترجمة مهدي النفري

كيمياء

يجلسان على مقعد وقلوبهما قريبة من بعضها. أظن أنها في السادسة عشرة أما هو فصوته لم يكتمل بعد. كأنهما مجنونان، هما هيمان بحبٍ في بداياته. مئة قبلة هي كل ما يحتاجانه في هذا العمر. ما زالا في شهر مايو، وربيعهما يضجّ برغبة في لمس أحدهما الآخر. رؤيتهما تضيق لتقتصر على عيونهما فقط، فطقس الخارج جميل ولكن لا يهمّهما. العشق هو محور عالمهما، في زمن يرى فيه كل منهما الحياة من خلال نافذة ضيقة. 

وكأنهما وحيدان في هذا العالم، يتمنيان لو أنهما يستطيعان الاحتماء ببعضهما. هما هكذا لبعضهما أجسادٌ وأذرع لا يمكن استبدالها، وما يريدان تصديقه أكثر هو أن هذا الحب سيدوم لأجلٍ غير مسمى. إذا صمت هو تتمنى هي أن تسمع منه على الفور ما يشغل باله. في هذا العمر لا يمكن أن يفوتك أي كلمة لأنك جميل ولأنك ستظل كذلك إلى الأبد. من يحاول أن يفسد هذا الجمال لا يُحتمل وجوده ويُطلب منه أن يكمل يومه وألا يعود أبدًا. 

عندما تشم رائحته ترى المستقبل كاملاً أمام عينيها حب، خطوبة، زواج. في رحيق شبابهما الفوّاح الحياة قد كُتبت بالفعل. يعدان بعضهما بأجمل الليالي في عاصفة كيميائهما المتوهجة. يمكنك أن تسمع تقريبًا همسات دمهما وكيف يريدان أن يظلا ساهرين معًا، 

حتى يغطيهما الليل بلمسة إصبع على عمود فقري. 

إذا كان للزمن متسعٌ في حياتهما فقد يشهدان التحوّل من العشق إلى الحب. تلك النقطة المحورية التي يتحدد فيها إن كان ما يجمعهما حقيقيًا. أتمنى لهما مثلما أتمنى لنفسي أن يدوم هذا الحب الذي يغمرانه به الآن وأن أواصل معهما بقية يومي في نزهتي. 

روفانس

هذا ما تنطق به الطبيعة لنا في سكونها العتيق لا هي تعلم ما أصابها، كأنها غَشِيَتْها سعادةٌ عَبَرَتْ بها حدود الزمن. وفي همسٍ خفيٍّ تَتْرُك الأرض أثرها على السطح لبعض الوقت، ما زالت أوراقها خضراء وما زال الصيف يملك سطوته على أيلول. الأشجارُ، في هذا الزمان بالذات ما زالت تستقي من درجة حرارةٍ لطالما حلمت بها. ويكاد المرء يوقن أن حالها في بروفانس ليس بأفضل، فكأنها حقاً تريد أن يطول بها الأمد مع ضوءٍ لا يعرف الخريف. وتتوق لالتقاط صورة تمدّ فيها يدها إلى الشمس. حتى الفروعُ الغضّة التي نبتت حديثاً لتسعى نحو السكون، تأخذ قسطاً من الراحة من غمار حياتها. حينها أقول في نفسي أريد أن أكون شجرة. 

لا سيما حين يكون الحديث عن الخلود، عن بطءٍ لا يعقبُه موت. ويمكنك أن تسمعها تقول

لا أحد يتحدث بعدُ عن وقفتنا العارية في كانون الأول، وعلى درب عودتك إلى الديار تلمح في ذلك شعراً، وفي وقوفها على قارعة الطريق، كأنها تقف على حافة ذاتك. اكتب ما شئت

المنظر الطبيعي يخبئ روحه في قلوب العابرين. ورغم أنها تستنفد وجودها في هذا البذخ وفي تلك الكلمات والألحان التي ينسجها الشعراء والملحنون فإنك تعلم أن الفاقة قادمة مع غبار الغد، مع هبوب الشمال ومع النهاية التي تنتظرها بين الثلج والظلام ومع التيه بين الضباب واليقين. وكأنها لن تكون سوى أحلام قد تلاشت. 

*مهدي النفري شاعر ومترجم صدرت له مجموعة من المؤلفات، تنوعت بين أعماله الشعرية وترجماته الأدبية. 


نصّان للشاعر البلجيكي خيرت يان بيكمان

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.