اللوحة: الفنان المصري فرغلي عبد الحافظ
محمد عطية محمود

“إذا كان للنيل عروس فهي أرض مصر”
وفقًا للأسطورة جرت العادة على إلقاء عروس خشبية إلى إله الفيضان كل عام فى عيد “وفاء النيل”، في حين لا يوجد نص صريح فى التاريخ يروي أن المصري القديم كان يقدم قربانًا بشريًا احتفالًا بالنيل العظيم، ولكنها أسطورة نسجها الخيال المبدع للمصرى القديم تقديرًا منه للمكانة المقدسة الممتدة في تاريخ وجود مصر كأولى الحضارات لنهر النيل مصدر الحياة وواهبها من مصبه إلى واديه، إلى دلتاه التي تعد وتفي بالخير العميم والخصوبة الدائمة بما تحمله من كنوز طبيعية تجعل الخصوبة تمتد في شرايينها، وتجعلها مدادا لهذه الحياة وهذه الحكايات والأساطير
تعددت الحكايات والأسطورة واحدة
وبالرغم من ذلك عاشت تلك الأسطورة فى خيال ووجدان المصريين، وتناولها الأدباء والكتاب وعالجتها الدراما المسموعة والمرئية والسينمائية في عديد الإبداعات، وما زالت تتردد حتى الآن كواقع، فمن أهم الأساطير المرتبطة بعيد وفاء النيل، هى أن المصريين القدماء كانوا يقدمون للنيل “الإله حابى” فى عيده فتاة جميلة، وكات تخرج في أبهى زينتها كمن تزف إلى عريسها المنتظر البهي، وتلقى فى النيل كقربان له، كي تنسج الأسطورة حكايتها في العالم الآخر بزواجها بالإله “حابى” فى العالم الآخر، وتعود جذور الأسطورة إلى أنه فى إحدى السنين، لم يبق من الفتيات سوى بنت الملك الجميلة؛ فحزن الملك حزنًا شديدًا على ابنته، ولكن خادمتها أخفتها وصنعت عروسًا من الخشب تشبهها، وفى الحفل ألقتها فى النيل دون أن يتحقق أحد من هذا الأمر، وبعد ذلك أعادتها إلى الملك الذى كان قد أصابه الحزن الشديد والغم والمرض على فراق ابنته، لكنها عادت إليه بهذه الحيلة.
وعليه فإن عروس النيل أسطورة وليست من النصوص أو النقوش المصرية القديمة، وليس لها أثر في أدبيات مصر الفرعونية، بحسب ما نورد فيما بعد، كما تعود تلك الأسطورة لروايتين أخريين: الأولى أوردها المؤرخ الأغريقي “بلوتارخس” والتي تقول إن إيجبتوس ملك مصر أراد اتقاء كوارث نزلت بالبلاد، فأشار إليه الكهنة بإلقاء فتاة في النيل ففعل، ثم لحق به ندم شديد فألقى بنفسه وراءها، أما الرواية الثانية تعود للعصر الإسلامي حيث أورد المؤرخ ابن إياس في موسوعته بدائع الزهور في وقائع الدهور، أنه في سنة 23 هـ، جاء جماعة من الأقباط إلى عمرو بن العاص وقالوا: أيها الأمير إن لنيلنا «سُنة» في كل سنة لا يدري إلا بها، فقال لهم فما هي؟ فقالوا إذا اثنتى عشرة ليلة تخلو من بؤنة من الشهور القبطية عمدنا إلى جارية بكر وأخذنها من أبويها غصبا، وجعلنا عليها الزينة، ثم نلقيها في النيل في مكان معلوم عندنا”
وهناك رواية أخرى حيث يرجع المؤرخ الدكتور “مختار السويفى” هذه القصة إلى أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم الذي ذكر في كتابه “فتوح مصر والمغرب” عام 871م أنه لما فتح “عمرو بن العاص” مصرًا حكى له أهلها أنه كلما جاءت الليلة الثانية من شهر بؤونة نأخذ جارية بكر جميلة ونلقى بها في النيل، فقال عمرو: “هذا لا يكون من الإسلام وأن الإسلام يهدم ما قبله”
ومنع إلقاء عروس في النيل؛ فمرت شهور والنيل لا يجرى فيه الماء بعد أن جف، فكتب عمرو إلى أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه بذلك فرد عليه عمر: “من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى نيل مصر.. إذا كنت تجرى من قبل فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فأسأل الله أن يجريك”
وألقى عمرو بن العاص بالمكتوب في النيل، وقد أجرى الله النيل في ليلة واحدة، وتوالت بعد ذلك الاحتفالات بوفاء النيل كل عام، وهي من الروايات التي عليها خلاف وشبهة افتراء على الوالي العربي على مصر، وثقد ضعفها واستبعدها العديد من محققي الروايات والآثار والأحاديت المنقولة عن الخلفاء الراشدين وولاتهم.
ومن جهة أخرى فإن المصريين قدَّسوا “النيل” بلا شك دون حاجة لمثل هذه الروايات المزعومة، فقد ذكرت بردية “هاريس” التقدمات التى كانت تقدم (القرابين المعتادة) مما كانت تنعم به البلاد من خيرات تمثل طبيعتها، إمعانًا في تقديس الحالة الخارجة من رحم أسطورة النيل العظيم ذاته، فالنيل العظيم هو إكسير الحياة، وواهبها الحب والنماء، وهو نبع الخير والخضرة والازدهار، واحتفت به البلاد/ مصر العظيمة صاحبة الحضارة والعلم الذي أنار العالم، ومهَّد الطريق للبشرية للمعرفة والحكمة، وتناقلته الحضارات الأخرى بالتعلم أو السرقة أو الاقتباس، عن اعتراف لفضله ويذخه في الهناية بمصر ومد شرايين الحياة فيها..
وظلت مصر من خلال مبدعيها تناجي النيل في أناشيدها المقدسة، وصيغت الملاحم في عشقه، ولكن مما لا شك فيه أيضا أن مصر صاحبة الحضارة الشاهدة عليها الأهرامات والمعابد والنقوش التي خلدت حياة المصؤسسن وطقوسهم وعظمتهم زاختراعاتهم واكتشافاتهم وابتكاراتهم التي كانت تدفع الحياة دفعا في مجالات الطب والفلك والعلوم والرياضيات والفكر، قدَّست الإنسانية والإنسان الذي هو مركز هذا الوجود، ولم تضح بروح إنسان من أجل فيضان النهر الخالد، وهذه شهادة لحضارة مصر السامية التي ليست حضارة حجر وسخرة فقط كما يدعي الكثيرون، ولا أدل على ذلك أكبر من مقولة هيرودوت مصر هبة النيل؛ فمصر صنيعة هذا النهر العظيم الذي قيل فيه من ملامح أسطوريته أنه نهر من أنهار الجنة، إمعانا في المد الديني والروحاني المتغلغل في عقيدة المصريين الموحدين منذ فجر التاريخ..
عروس النيل والإبداع
يقول أمير الشعراء “أحمد شوقي”، مستلهما هذه القصة التراثية التي تتخطى ملامح الأسطورة
ونجيبة بين الطفولة والصبا
عذراء تشرَبُها القلوبُ وتلعقُ
كان الزفاف إليك غاية حظها
والحظ إن بلغ النهاية مُوبقُ
لافيتَ أعراسًا، ولافت مأتمًا
كالشيخ ينعم بالفتاة وتُزْهَقُ
في كل عامٍ دُرَّةُ تُلقَىَ بلا
ثمنٍ إليك، وحُرَّة لا تُصدقُ
حول تسائل فيه كل نجيبة
سبقت إليك: متى يحول فتُلحقُ؟
والمجد عند الغانيات رغيبة
يُبغىَ كمَا يُبغَى الجمالُ ويعشقُ
إن زوجوك بهن فهي عقيدة
ومن العقائد ما يلبُّ ويحمقُ
تعد أسطورة “عروس النيل” أداة تعبيرية جمالية يستخدمها الشاعر العربي المعاصر، ويستلهم منها في بنية نصوصه الشعرية، فيما صاغه خَيال الشاعر في استخدام قصة أسطورة “عروس النيل” ليبين مكانة هذه الأسطورة لدى الشعراء ودورها الرمزي في الشعر المعاصر؛ فقصّة العروس هنا تحكي رجولة النيل وتقديم عروسًا له تلعب دورة الأمومة والأنوثة الناضجة، وصورة العروس ترمز إلى أنّ المرأة سر الخُصوبة في الأرض، وامتدادا لتراثه العريق، وقد جاء بها أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته “أيها النيل” كمؤرخ ومجسد على حد السواء، ليمزج بين الصور الموروثة والحديثة.
كما يستخدمها “جبران خليل جبران” في موضع وقصيدة أخرى، لكي يرمز بالقصة إلى الانبعاث والاتحاد بالطبيعة، كما قد تقمصها “عمر أبوريشة” في قصيدته “الخزان الأكبر” قناعًا، ويرمز لها بالحسناء البكر لتتزوج النيل؛ ليهدأ قبل أن يغضب ويفيض. ووظَّفها “سميح القاسم” توظيفًا عكسيًا بالنسبة لهذه الأسطورة في مواجهة العدو الصهيوني وفي إطار تقنية المفارقة، بينما يتوسل “أمل دنقل” إليها في مشهد تمثيلي والحزن مخيم عليه عندما يبتلع النيل ضحية بريئة مشاركاً ملامح السقوط والتوتر في عصرنا الحاضر بالطابع السياسي. (أسطورة عروس النيل في الشعر العربي المعاصر، مجلة الكلية الإسلامية الجامعة رسول قلندري، عباس إقبالي، علي نجفي أبوكي)
كما استفادت منها السينما العربية في معالجة درامية خيالية من خلال الفيلم السينمائي “عروس النيل” الذي أنتج عام 1961 كاكتشاف مواز بين التنقيب المستمر على الآثار في مقابل التنقيب عن البترول الروح الجديدة لذلك العصر ومصدر الطاقة والقوة، وهكذا مزجت الفكرة المستلهمة بين الواقع والحقيقة والأسطورة من جانب آخر والتاريخ الزاخر، وكربط بين المعاصرة والأصالة في صورة لا تفتقد إلى جمالية التعامل مع روح الحالة التي ألهمت الكثيرين.
عروس النيل والوعي بالتاريخ
وعلى صعيد آخر تأريخي يعكس اهتمام الحاضر بالماضي واحتفاظه به كصورة جمالية أخرى من خلال الوعي والأدب الشعبيين، وما يدل على مواصلة البحث والتنقيب وأهمية تلك الأسطورة في تشكيل الوعي واستمرارها في موكبه الذي يضيء على حضارة الماضي ويربطها بالحاضر عن طريق البحث، يؤكد الباحث “مختار السويفي” أن الحضارة المصرية حضارة راقية لم تعرف على مر العصور الضحايا البشرية لأي إله أو معبود مهما علا شأنه. ويقول السويفي “إذا كان للنيل عروس فهي أرض مصر التي يدخل عليها النيل في موسم الفيضان كما يدخل الرجل على عروس في ليلة زفافها. كما أن نقوش المعابد المصرية والبرديات التي عددت مظاهر الحياة والتقاليد والعبادات لم تذكر حكاية عروس النيل، ولو كانت هذه حكاية حقيقية لما أغفلتها النقوش.“
وتذكر الدكتورة “نعمات أحمد فؤاد” إحدى عاشقات الحضارة المصرية في كتابها “القاهرة في حياتي” أن حكاية عروس النيل ليس لها أساس تاريخي، ولم ترد غير القصة التي ذكرها بلوتراك والتي تؤكد على تلك الإحالة القديمة إلى الواقع المتجسد في تلك الحقبة التأسيسية من تاريخ الحضارة المصرية التي لا تزال محتفظة بقوامها وعبقها الآسر على مدار آلف السنين، أن “إيجيبتوس”، والمستمد اسمه من اسم مصر، وربما كان معناه “المصري” ملك مصر أراد اتقاء كوارث نزلت بالبلاد فأشار إليه الكهنة بإلقاء ابنته في النيل ففعل ثم ألم به ندم شديد فألقى بنفسه في النيل فهلك مثل ما هلكت. ويقول “عباس محمود العقاد” العملاق المحقق في كتابه “عبقرية عمر” مشيرًا إلى تلك الواقعة التي حدثت في ولاية عمرو بن العاص لمصر واصطدامه بعقائد المصريين وطقوس حياتهم المختلفة تماما عن حياة البداوة في شبه الجزيرة العربية حيث لا نهر ولا مطر، والتي يجتهد البعض في وصفها أنها لم تحدث بالفعل:
“إن رواية عروس النيل على علاتها قابلة للشك في غير موضع فيها عند مضاهاتها على التاريخ، وقد يكون الواقع منها دون ما رواه الرواة بكثير. ورغم ذلك عاشت الأسطورة في وجدان مصر وتناولها الأدباء والشعراء والفنانون والسينما وما زالت كتب كثيرة ترددها كواقع”.
لكن الحضارة المصرية بأصالتها وعمقها تؤكد كل يوم على مدى وعيها وتحضرها، ووجودها السامق وسط الحضارات المتعددة التي انتشرت في العالم، إلا أن المائز والواضح في شتى المجالات أنها الحضارة التي كان لها قصب السبق، غب مجالات عديدة؛ فهي حضارة بناء وزراعة وعمل وحكمة وعلم ونبوغ وفكر وتطور، ولا يمكن أن تخضع معيارية بنيانها الشامخ لتلك الافتراءات أو الاختراقات التي تدني من قيمتها كحضارة ترعى الإنسان وتعتمده، فكيف بها تزهق روح المرأة التي هي واهبة الحياة بالأساس من أجل قوى غيبية غير يقينية ربما لم يكن لها أساس من الوجود إلا في أذهان المتشيعين لها.
لمراسلة الكاتب