الحلم بأمان الاستقرار

الحلم بأمان الاستقرار

اللوحة: الفنان الأميركي ماكس جينسبورج

سعاد الراعي

الفصل السادس والأخير من رواية «خلعُ خاتم الطائفية»

منذ أن استقرّت بها الحال في بيت أهلها بعمّان، شعرت بشيءٍ من الهدوء الذي افتقدته طويلًا، لكنه كان هدوءً هشًّا، كستارٍ من دخان يمكن أن يتمزّق بنفحة ريح.

مضى أسبوع كامل وهي تتأمل الجدران التي تحيطها الآن، تحاول إقناع نفسها أن هذا البيت ليس سوى ملاذًا، لكنه لا يزال يعجّ بالقلق، إذ كانت تدرك أن المدينة ليست لها وحدها، وأن شوارع عمّان تفيض بالعراقيين، بعضهم لا يعرفونها، وبعضهم قد يعرفونها ويحملون في صدورهم حقدًا ثأريًا يسعى وراءها.

كانت تعرف أنّ عيون أهل زوجها قادرة على التمدّد لتطاردها أينما حلّت، كظلٍّ لا يكلّ ولا يملّ.

كل ليلة كانت تنام وفي قلبها سؤال واحد:

هل ستطرق، أيادٍ غريبة، الأبواب فجأة؟ هل سيسحب الأمان من تحت قدميها مرة أخرى كما حدث مرات عديدة من قبل؟ كان الخوف يسكنها، لكنه لم يعد خوف المرأة المستسلمة، بل خوف الأم التي تريد أن تصون مستقبل طفلتيها حتى لو دفعت من عمرها، ثمنًا لما تبقّى.

في تلك الأيام، سمعت من أمها أنّ العائلة تعتزم الرحيل إلى تركيا، حيث يقيم عمّها، الرجل الذي كان لهم سندًا بعد وفاة والدها. عمّها ذاك الذي لطالما مثّل لهم الأب الغائب، الحامي الذي يمدّ يده ساعة العوز.

وجدت في الخطة بصيص رجاء، فتركيا أقرب إلى برّ أمانٍ من هذا المجهول الذي يتربّص بهم في عمّان. رحّبت بالفكرة بصمتٍ مطمئن، لكنها في أعماقها عرفت أنّ هذا ليس ما تبحث عنه تمامًا.

كانت تخرج من غرفتها أحيانًا لتتجوّل في أرجاء البيت، ثم تعود سريعًا، كأنها تخشى أن تراها عيونٌ تتربّص بها من نافذة مجهولة. آثرت أن تقلّل من ظهورها في الخارج، وأن تختبئ عن أنظار المدينة، تنتظر بصبرٍ متوتّر موعد الرحيل. لكن شيئًا في قلبها كان يتمرّد:

ما قيمة الرحيل إن كان سيؤجّل المواجهة ولا ينهيها؟

جلست مع أمها ذات مساء، والليل يمدّ ستائره السوداء على المدينة، وقالت بصدقٍ ممزوج بجرحٍ قديم:

ــ “أمّي، أريد أمانًا آخر… أمانًا حقيقيًا. أريد استقرارًا أبني به مستقبلًا لي ولطفلتيّ. من تركيا… أفكّر في أن أطلب اللجوء إلى أوروبا.”

توقفت الأمّ عن عملها، حدّقت طويلًا في وجه ابنتها. رأت في ملامحها صورة طفلة سُرقت منها طفولتها، وزُوّجت كما تُباع الأشياء في أسواق الخردة. رأت فيها امرأة ضعيفة دفعت ثمن قوانينٍ لم تكتبها هي، لكنها نهضت أخيرًا لتكتب سطرها الأول بيدها.

في تلك اللحظة دخل أخوها الأصغر، شاب في مقتبل عمره، لكن عينيه كانتا تحملان من التعب ما يكفي لعمرٍ مضاعف. قال بلهجة حاسمة:

ــ “وأنا أيضًا… أنوي طلب اللجوء في اوروبا. لن نفترق هذه المرّة.”

كلماته جاءت كحجرٍ ألقي في ماءٍ راكد. التفتت إليه بعينين دامعتين، لم تتوقع منه هذا العزم. لقد كان هو أيضًا ضحية الطائفة، التي فرّقت بينهم مرارًا، وزجّت بهم في دروبٍ من الفقد والضياع. الآن يقول لها:

سنمشي معًا. لم تكن مجرّد كلمات أخ، بل عهد جديد بين جيلين مهشّمين.

ابتسمت الأمّ لأول مرة منذ أيام، وفي ابتسامتها ظلّ من حزنٍ قديم، لكنها بدت كمن يستجمع قوّة غير متوقعة. قالت بصوتٍ هادئ لكنه مشبع بالإصرار:

ــ “سأساعدكما بكل ما أستطيع. لقد بعتُ محل والدكما والبيت، ولن أدّخر شيئًا. أنتما مستقبلي… وأريد أن أراكم تبنون حياةً جديدة بعيدًا عن هذا الخراب.”

كان كلامها موجعًا كأنه اعتراف، لكنه حمل في داخله بذرة خلاص. باعوا بيت الذكريات ليشتروا حياةً جديدة، تنازلوا عن الماضي ليعبروا إلى الغد.

في ليالي عمّان التالية، جلست عفراء على سطح البيت، تتأمل أضواء المدينة الممتدة حتى تخوم الجبال. كانت تفكر في ماضيها:

كيف تحوّلت من طفلةٍ تُباع في صفقةٍ طائفية إلى امرأةٍ تحلم بأن تمنح ابنتيها وطنًا يليق بالإنسان. كان الماضي ينهشها، لكنه لم يعد قادرًا على ابتلاعها.

تساءلت في سرّها:

كم من النساء مثلي ينتظرن؟ كم من طفلةٍ أخرى تُساق اليوم باسم الدين والطائفة لتتزوج جلادها؟ وهل يكفي أن أهرب أنا وحدي؟ لكنها سرعان ما عادت إلى الواقع:

يكفي أن أنقذ طفلتيّ. يكفي أن أبني لهنّ حصنًا بعيدًا عن أنياب ومخالب الطوائف.

كانت تتوق إلى لحظة تعبر فيها حدود تركيا، لتتقدم بعدها بطلب لجوء إلى بلدٍ أوروبي. لم تكن تحلم بثراء ولا جاه، بل ببيت صغير، ومدرسة تفتح أبوابها أمام ابنتيها، ومستقبل يُبنى بلا خوف من طلقات ثأر أو فتاوى تبيح القتل باسم الطائفة.

في قلبها كان هناك جرح لا يندمل، لكنه صار وقودًا لعزمٍ جديد. لم تعد تلك المرأة التي استسلمت لقدرٍ جائر. هي الآن امرأة عرفت أنّ الضعف ليس نهاية، بل بداية لقوةٍ حقيقية. قوة تبنى على الإدراك بأن الكرامة لا تُعطى بل تُنتزع.

في تلك الأيام القليلة قبل الرحيل، بدت عمّان لها مدينة عبور، محطة في طريق أطول. لم تعد تراها غاية، بل جسراً. وكل جسر، مهما كان هشًّا، يقود إلى الضفة الأخرى. والضفة التي حلمت بها لم تكن سوى أوروبا البعيدة، حيث تستعيد إنسانيتها الضائعة.

وعندما جاء المساء الأخير قبل السفر، جلست بين أمها وأخيها وطفلتيها، وقالت بصوتٍ خافت لكنه نافذ كالسهم:

ــ “هذه ليست نهاية، إنها البداية. من هنا سنمضي، لا لننجو فقط، بل لنعيش… حياةً كاملة لا نصف حياة.”

رفعت الأم يدها بالدعاء، وأجابها الأخ بعينين تشعّان تصميمًا، فيما طفلتان صغيرتان انكمشتا في حضنها، كأنهما تذوقان للمرة الأولى طعم الأمان الحقيقي.

وحين أغمضت عينيها تلك الليلة، على عتبة الرحيل، لم تشعر أنّها مجرّد ضحية من ضحايا القدر، بل امرأة اجتازت جحيمًا لا يطاق، لتقف الآن أمام الجنّة المحتملة. لم تكن جنّة من وعودٍ معلّبة أو عطايا متساقطة من يد الآخرين، بل جنّة تصنعها بيديها، وتبنيها لبنتيها لبنةً لبنة، حريةً تفتتحها بدموعها أولًا، ثم بصلابتها وإصرارها.

كانت الأفكار تتناوب على قلبها كالأمواج:

رهبة الطريق المجهول، خوف من أن تتيه وسط غربةٍ لا تعرفها، وهواجس عن المخاطر التي قد تحيط بها وبطفلتيها. لكنها، وسط هذا الزحام من الأسئلة، شعرت بأنّ الخوف لم يعد سيد الموقف. كان الإصرار، تلك النار الهادئة التي توقدت في أعماقها، أقوى من كل شيء.

لقد عاشت ما يكفي من الطائفية التي خنقتها، وما عادت قادرة على احتمال أن تُساق طفلتان بريئتان في دوّامة الدم والتمييز. كانت تعلم أنّ كل خطوة تحمل مغامرة، لكنّها، في عمق وجدانها، أيقنت أنّ المخاطرة لأجل الحياة أكرم من البقاء في موتٍ مؤجّل.

هي لم تعد ترى نفسها امرأة تُقاد بالعواصف، بل ربّانة تجرؤ على الإمساك بدفّة السفينة وسط بحرٍ هائج. ومنذ اللحظة التي قررت فيها أن تحمل طفلتَيها وتعبر بهما الحدود، تغيّرت صورتها في عيني نفسها:

من امرأة جريحة إلى أمّ مقاتلة، من شاهدة على الخراب إلى خالقة لفرصةٍ جديدة. كان قلبها يردد:

“قدري أن أحميكما، حتى لو اضطررت أن أفتت صخراً بأظافري“.

ما أرعبها بالأمس صار الآن حافزًا على الانطلاق. فالطائفية لم تترك لها سوى خيارين:

الاستسلام لليلٍ لا آخر له، أو التمسك بشعاعٍ بعيد يلمع في آخر الأفق. اختارت أن تجري خلف الضوء، مهما كان بعيدًا، لأنّها أدركت أنّ الطفولة لا يجب أن تُدفن تحت ركام الكراهية، وأنّ الحبّ الذي تحمله لطفلتيها أثمن من كل مخاوفها.

ولمّا وضعت رأسها على الوسادة، بين لحظة الأرق ولحظة الحلم، عرفت أنّ الرحلة المقبلة لن تكون يسيرة. لكنّها استشعرت أنّ في داخلها قوّة أعمق من الجراح، وأوسع من حدود وطنٍ ضاق بها. كانت تبحت عن مساحة تتنفّس فيها إنسانيتها كاملة، من دون قيود ولا أقنعة. أرادت أن تكبر طفلتاها في فضاء لا يسألهما أحد عن طائفتهما، بل عن أحلامهما.

هناك، في صمت الليل، انهمرت دمعة على خدّها، لم تكن دمعة ضعف بل دمعة ولادة جديدة. لقد أيقنت أنّها، برغم كل ما خسرته، ربحت نفسها من جديد. خرجت من قلب العاصفة أكثر صلابة، وأكثر إيمانًا بأنّ الطريق الذي يوجع هو نفسه الطريق الذي يفضي إلى الخلاص.

وهكذا، قبل أن يغلبها النوم، رأت في داخلها صورةً لمستقبل لم يحن بعد:

طفلتان تركضان في ساحةٍ أوروبية خضراء، أصوات ضحكاتهما تملأ الفضاء، ووجهها يضيء بابتسامة امرأة عرفت أنّها لم تهرب من الموت فحسب، بل ذهبت لتصنع للحياة معنى أبهى.

لقد أغمضت عينيها، لا لتغرق في نومٍ عابر، بل لتودّع زمنًا ملوّثًا بالظلم، وتستقبل فجرًا تصنعه بجرأتها. كانت تعلم أنّ الرحلة إلى الحرية محفوفة بالمخاطر، لكنّها، في أعماقها، كانت واثقة بأنّها بدأت للتو كتابة الصفحة الأجمل في حكايتها.


الفصل الخامس: خلع خاتم الطائفية

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.