اللوحة: الفنان المصري حسين بيكار
د. عوض الغباري

نفتخر- نحن المصريين- بالافتتاح العظيم للمتحف المصري الجديد في الأول من شهر نوفمبر 2025 في سياق حضاري بديع ينبهر به العالم. ويعد الأدب المصري القديم تعبيرا عن جانب من حضارة مصر العظيمة، وهو موضوع هذا المقال الذي أتناول فيه الجهود الكبيرة التي قام بها سليم حسن (١٨٩٣م -١٩٦١) عالم المصريات والمؤرخ العالمي فيما يتعلق بكشفه الرائد لكنوز الأدب المصري القديم، ودراسته الرائعة له في كتابه القيم: “الأدب المصري القديم” الذي صدر سنة ١٩٤٥ في جزأين. وأخص بهذا المقال فنا من فنون الأدب المصري القديم وهو الشعر.
وقد أجمل الأستاذ الأديب جمال الغيطاني عمل سليم حسن في هذا الكتاب بقوله: “الأدب المصري القديم المرجع الأساسي والوحيد الشامل في موضوعه، قدمه العالم الأثري الكبير سليم حسن؛ ترجم النصوص الأدبية من جدران المعابد، من أوراق البردى العتيقة، من أخشاب التوابيت، من الهيروغليفية إلى العربية مباشرة، قدم القصص الفرعوني، الأمثال، الحكم، الأشعار، المسرح؛ أول نبض للمشاعر الإنسانية في فجر التاريخ”.
في الجزء الأول من كتاب “الأدب المصري القديم” تناول سليم حسن نصوص المصريين القدماء في القصة والحكمة والأمثال والتأملات والرسائل الأدبية، وقد تميزت ترجماته ودراساته المستفيضة لهذه الفنون الأدبية بالأصالة والجدة والسعي العلمي الدؤوب لتحليل مقومات الأدب المصري القديم، وتسليط الضوء على أبعاده الفنية والإنسانية، ودلالته على الشخصية المصرية بمنهج موضوعي رصين تمده ثقافة عميقة واسعة بحضارة مصر وتاريخها القديم وآثارها العظيمة.
أما الجزء الثاني فقد تناول فيه سليم حسن الدراما وفنون الشعر، وأكد بعد دراسة وافية للنصوص الأثرية أن مصر هي مهد (الدراما) بنوعيها (المأساة والهزلية)، “وأن الدراما المصرية ظهرت في عالم الوجود قبل الدراما اليونانية بنحو ثلاثة آلاف سنة”. وقد أرجع سليم حسن السبب الذي من أجله نقشت هذه الدراما على جدران المعابد إلى “اعتقاد المصريين أن لوجود الكتابة والرسم معا أثرا سحريا واقيا كالأثر السحري المفيد الذي يحصل عليه الإنسان من تمثيل الروايــة المقدسة نفسها”، ومن أجل هذا حفل الأدب المصري القديم بنصوص مسرحية تمثيلية رائعة. وقام سليم حسن بدراسة الأغاني والأناشيد المصرية القديمة مؤكدا أن الغناء كان معينا للفلاح المصري على عمله الشاق، وكذلك الصانع، مما جعل هذا الغناء متسقا مع الطبيعة والعادات المصرية. والأغاني المصرية القديمة نوعان هما: “الأغاني الدينية، والأغاني الدنيوية”، وهذا يؤكد نزوع المصريين، منذ أقدم العصور، إلى حب الدين والدنيا معا، وهي الركيزة التي تقوم عليها الشخصية المصرية حتى اليوم.
ويعرض سليم حسن، من متون الأهرام، للشعر الديني الذي يصور تطلع المصريين إلى “حياة أخروية عظيمة”، ويتتبع هذه الأناشيد الدينية في العصور المصرية القديمـة المختلفة خاصة فيما يتعلق بديانة “إخناتون” “أول ديانة توحيد في عقائد العالم”، في دلالة واضحة على تغلغل فكرة التوحيد في الحياة الدينية المصرية منذ أقدم العهود.
ويؤكد سليم حسن هذه الحقيقة استنادا إلى الرسوم والنقوش التي عثر عليها مدونة علـى لوحات، وكذلك باعتماده على الاكتشافات الأثرية الأخرى، فيقدم صورا نابضة بالحياة عن المعتقدات الدينية المصرية القديمة معبرة عن جلال وجمال الآلهة المصريين في “أناشيد وترانيم وصلوت ملهمة لم توجد من قبل إلا في الفكر المصري القديم؛ تشمل في مداها العالم كله”.
ويتناول سليم حسن مدائح الملوك، وما صوره شعر هذه المدائح من “الإشادة بالصفات الجليلة للآلهة المصريين”. ومن أهم هذا الشعر الذي أورده أناشيد “سنوسرت الثالث” التى وصلت إلينا “من الدولة الوسطى في المديح الملكي”، وكذلك أناشيد الدولة الحديثة (ومثالها قصيدة في انتصارات تحتمس الثالث)، إذ نجد في عصر الدولة الحديثة أن قصائد المديح في الملوك قد زاد عددها، واتسع مجالها، لأن مصر في عصر هذه الدولة “كانت إمبراطورية واسعة الأرجاء بفضل قوة ملوكها، وعظمة مدنيتها التي أبدع خيال الشاعر المصري في وصفها”. ويعد سليم حسن القصيدة التى تركها لنا المصريون القدماء في انتصار “رعمسيس الثاني” جديرة باسم “الملحمة” لما توافر فيها من الخصائص التى ينفرد بها هذا النوع من الأدب.
وقد عنى سليم حسن بجمع نصوصها المبعثرة على جدران المعابد العديدة في ملحمة علمية رائعة، خاصة أن النسخة الوحيدة التى وصلت إلينا على البردى لم تكن كاملة، ولم يكن في مقدور أى أثرى دراسة هذه الملحمة على الوجه الأكمل.
وقد أمكن بفضل سليم حسن جمع النصوص المختلفة لهذه الملحمة، وترتيبها في مجلد واحد، وهي ملحمة “قادش”، وقد سجل سليم حسن ما يتعلق بهذه الملحمة في كتاب له بعنوان: “Le poéme dit de pentaour et la Rapport Officiet sur la Bataille de Qadesh“
ولأهمية هذه الملحمة اهتم الملك “رعمسيس” بنقشها على معظم المعابد في أمهات البلاد المصرية.
وقد قرر سليم حسن بعد دراسة مستفيضة للوقائع التاريخية التى صورتها هذه الملحمة أن صياغتها جاءت في شعر موزون، وأن بدايتها ونهايتها قد كتبتا شعرا منثورا، وأن هــذه القصيدة الملحمية كانت خطابا شعريا يوحى للإنسان أنه يقرأ موضوعا تمثيليا بذل الشاعر فيـه مجهودا فنيا جبارا موازيا لعظمة “رعمسيس” الذي يعد من أعظم الفاتحين في التاريخ المصري، لذا سمى “ابن الشمس”، فهو – على حد تعبير سليم حسن – مثلها في خلوده في عالم التاريخ، وضيائها في عالم الأدب.
وقد أورد سليم حسن نص هذه الملحمة التي تؤكد عظمة الملك تاريخيا بقدر تأكيدها لعظمة الملحمة فنيا. ويتناول سليم حسن الشعر الدنيوي، وما حمله من طابع بساطة الإنسان المصري، وما كشف عنه من ملامح حياته الاجتماعية خاصة ما يتعلق من هذا الشعر بأغاني العمل التي تحث على الصبر والتحمل، وأغاني الحياة التي تحث على التمتع بلذات الحياة، والأخيرة، في رأى سليم حسن، أعذب لون من ألوان الغناء الدنيوي.
وقد تناول سليم حسن الشعر الغنائي الغزلي في أدب مصر القديمة ممثلا في أغاني الحب، وقد عرف الشعر الغزلي، في رأيه، قبل عهد الدولة الحديثة بزمن بعيد، ولكن الآثار لم تكشف عنه قبل الدولة الحديثة. وتُعد الأغاني المصرية التي حفظت في الأوراق البردية، خاصة مجموعة أوراق “شستر بيتى” التي عثر عليها حديثا هي أحسن نموذج للشعر الغزلي وصل إلينا سليما في متنه، مفهوما في أسلوبه كما قرر سليم حسن الذي أكد أيضا أن مجموعات أخرى من الأغاني الغزلية قد وصلتنا قبل هذه المجموعة، ويرجع عهد أقدمها إلى الأسرة الثامنة عشرة، وكذلك وصلتنا مجاميع غنائية مسطرة في بردية متحف “تورين”، وأيضا على قطعة الخزف الكبيرة المحفوظة بمتحف القاهرة.
وأشار سليم حسن إلى ارتباط هذا اللون من الشعر بالغناء والموسيقى، فمعظم هذا الشعر أغان قصيرة متنوعة عن الحب والمحبين، وكل أغاني الحب المصرية، كما يقول سليم حسن، كان المقصود منها أن تغنى بمصاحبة العود والقيثارة كما نشاهد ذلك على جدران مقابر طيبة وغيرها.
ويتناول هذا الشعر أيضا وصف التمتع بجمال الطبيعة وأشجارها وأزهارها وجمال الماء والطيور. ويلاحظ سليم خلال دراسته لمجموعات من الشعر الغزلي أن التورية التي يعمد إليها الشاعر المصري لوصف المرأة وصفا حسيا كان لها هدف فنى هو إمتاع السامعين، والتسرية عنهم، وأن هذا الشعر، مع بساطته، لم يفقد جوانب المتعة وجمال الفن والقدرة على الإدهاش. وأهم الجوانب الفنية التي يتميز بها هذا الشعر هو طابعه الحواري الذي يصور حيرة العاشقين وحزنهم.
وتمثل بعض الأغاني الغزلية ما يشبه دراما صغيرة تصور خيال المحبين من وجهة نظر سليم حسن الذي يؤكد أن هذه الأغاني تعد – بما تميزت به من جمال التعبير وسمو الخيال – كنزا لا يقدر بالنسبة للعلم والآثار، وبالنسبة لتاريخ الشعر العالمي والتعبير الغنائي.
لقد انطوت الشخصية العظيمة لسليم حسن على روح شاعر عاشق لمصر، اتضح ذلك في هذا الكتاب الذي عرضنا له، كما اتضح في تقديمه لموسوعته الفذة: “مصر القديمة” التي صدرت في ستة عشر جزءا، استغرق تأليفها عشرين سنة من سنة ١٩٤٠ حتى سنة ١٩٦٠ أي قبل وفاته بسنة واحدة. وقد استطاع في طموح عبقري أن يؤلف أعظم موسوعة في التاريخ المصري القديم، وتاريخ الحضارة المصرية القديمة، تعد كما يقول الأستاذ الدكتور- مختار السويفي في تقديمه لها في طبعتها الأخيرة: “الموسوعة المتكاملة – في أية لغة من لغات العالم – التي وضعها وصنفها عالم واحد بمفرده، تناول فيها شرحا دقيقا وتحليلا مستفيضا عن مراحل وتاريخ الحضارة المصرية بدءا من عصور ما قبل التاريخ حتى قرب نهاية العصر البطلمي؛ تلك الموسوعة التي أسست في اللغة العربية دراسة علم الأنثروبولوجيا التاريخية والأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية. وتعد تصنيفا واضحا لمدرسة مصرية صميمة وأصيلة في فلسفة التاريخ”.
وقد كشف سليم حسن عن انحيازه للشعب المصري في مقدمته لهذه الموسوعة الفذة إذ جعل حال الشعب أساسا لموسوعته هذه التي أرخ فيها لشعب عريق له عقيدته وفلسفته في الحياة، جاعلا التاريخ المصري هو الدعامة القوية لدراسة كل مدنيات العالم التي اغترفت من المدنية المصرية.
وقد كانت هذه الموسوعة الفذة، وكذلك كتاب (الأدب المصري القديم) وجميع مؤلفاته طيلة حياته العامرة بالعطاء نتاج ثقافة موسوعية عميقة تميز بها سليم حسن، الذي سعى للحفاظ على تاريخ مصر وآثارها.
وقد عين أستاذا لكرسي الآثار عام ١٩٣٥ وأتيح له القيام بحفائر أثرية ضخمة في منطقة أهرامات الجيزة من قبل المتحف المصري وجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حاليا) فحقق في مجال الكشف عن الحفائر والآثار المصرية إنجازات هائلة يقدرها علماء المصريات في كل أنحاء العالم حق قدرها.
وقد نشر في مؤلفاته وبحوثه العلمية اكتشافاته الأثرية باللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وقد نشرت بحوثه ومقالاته وتقارير حفائره في الجيزة وسقارة والنوبة في حوليات مصلحة الآثار المصرية، وفي المجلات الأثرية العالمية.
ونشر سليم حسن ترجمة لكتابه العلمي عن أسرار أبى الهول الذي كان قد كتبه باللغة الإنجليزية، كما أصدر كتابين عن تاريخ أوروبا وتركيا، وترجم إلى اللغة العربية كتاب “جيمس هنري بريستيد”: “فجر الضمير”. وبلغت أعماله حوالي “خمسين عملا بين مقالات وبحوث علمية وكتب”. وكان لسليم حسن الفضل في التنبيه إلى سرقة الأثار المصرية عندما زار بعض المتاحف الأوروبية، وكتب مقالات في جريدة الأهرام بعنوان: “الآثار المصرية في المتاحف الأوروبية” كشف فيها عن أسرار سرقة الآثار المصرية.
وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قد كرم هذا العالم الجليل تقديرا لمكانته العلمية وريادته للاكتشافات الأثرية المصرية الخالدة. كما كرمته الأكاديميات العالمية المختلفة، وكتب عنه كثير من علماء الآثار، ولكن هذا الرجل العظيم لا يزال جديرا بمزيد من التعريف والتكريم.