سِكة أخرى للسلامة

سِكة أخرى للسلامة

اللوحة: الفنانة الإنكليزية إليزابيث وانج

لو نظرنا إلى غالب الناس وقد أثقلت حياتهم الأحلام والهموم معًا، لأدركنا أنَّ تشابك الأحلام والهموم قد كدّر حياتهم، وأفسد عليهم فرصة الاستمتاع بها.

عندما يكون الإنسان في وسط البحر، ويكافح لأن يعلو أنفه فوق الماء، أين أحلامه وأين همومه؟ تهرب! ولا يبقى سوى حلمٍ وحيدٍ وهمٍّ وحيدٍ: «البقاء حيًّا».

لا يفكر سوى في أنفاسه التي تحفظ الحياة، وفي تلك اللحظات يرى بوضوح ذنوبه الماضية بألوانها الحقيقية، ويتمنى لو تغيّر وأصلح، ويقول: يا رب، توبة.

ولكنه حين ينجو، سريعًا ما تتبخر نيّته و«تعود ريما لعادتها القديمة»، فيسترد أثقال الأحلام والهموم على كتفه.. وهذا هو الإنسان!

***

شعوره بقيمة الحياة يتناسب عكسيًّا مع وفرة أسبابها ووسائل نعيمها، ويجهل أنَّ عين نفسه هي التي تنبعث منها مشاعر السعادة.

ولكن يندر من يُمهر الحياة ويفهمها، وأندر منه من يستحق وصف “السعيد”.

ولهذا، هناك ميل عنيف بالإنسان إلى الارتداد لسابق عهده من الضعف، قبل أن يخطر بباله أن يستمع لداخله، ذلك الداخل الذي كان يُنصت له مع أنفاسه حين كاد أن يغرق، وحين خمدت أصوات طلب المتعة.

***

نحن العرب نعيش حاليًّا في مرحلة طموحٍ واحد: «البقاء حيًّا».

فمن منَّا يستطيع أن يفكر في الغد بلا صخبٍ، بلا ضبابٍ وعواصف وسحبٍ وغيوم؟ من منَّا يشعر أن هناك غدًا أصلًا؟

وقبل أن يجيب أحد، سأجيب: هناك غدٌ سعيد وضفَّةٌ أخرى نقترب منها، بيننا وبينها ضبابٌ وأمواجٌ ورياحٌ وظلام، ولكنها قريبةٌ جدًّا، تكاد تطولها أيدينا.وسنعبر قريبًا جميعًا في سلام. وليس الهم في العبور والوصول إلى الشط الجديد، بل في الضعف البشري، في الإنسان الذي ما سُمِّي إنسانًا إلا لنسيانه.

فبمجرد الصعود إلى الضفة الأخرى، والنجاة، والشروع في حياة جديدة، نعود ونحني ظهورنا لنتناول ثانيةً أحلامَنا الطائشة وهمومَنا الطاغية، ونحيا كما كنا نحيا من قبل، في ضلالٍ وجهلٍ وسذاجةٍ لا متناهية.

المشكلة ليست في فرصةٍ جديدة للسعادة، بل في أن نلتقطها بنفس العقلية والنفسية التي أشقتنا بالأمس.

***

وهذا المشهد الرمزي نراه مجسَّدًا بعبقرية في مسرحية “سكة السلامة” لسعد الدين وهبة، حيث تتجلّى رحلة الإنسان من الغفلة إلى الوعي، ومن الخداع إلى الصدق، حين يُلقى فجأة في صحراء وجوده العارية.

في البداية، ظنَّ ركاب الأتوبيس أنه مجرد تأخيرٍ بسيط، فرصةٌ للتعارف والترفيه والنظر إلى السماء والنجوم. قام كل رجلٍ وامرأةٍ باستئناف الدور الذي يتقمصه في حياته؛ تناثرت بينهم المجاملة والتجمّل والتنافس على ميل الفتاة الجميلة اللعوب، وتظاهرت الفنانة «سوسو» بأنها تعيش تجربة فنية وإنسانية رقيقة، ولم تكن جادّة فيما تقول، بل أرادت أن توهمهم برُقيّها الفني والشعوري، ولم تكن تدرك أن الكل فاهم، ولكنهم يتظاهرون بالتصديق طمعًا فيها.

***

انطلقت شهوات الجميع على حريتها فترةً من الزمن تحت وهم الأمان، فمرور أي حافلة لإنقاذهم أمرٌ متوقَّع. لكن الحقيقة الصادمة جاءت: (إنهم تائهون في الصحراء، على مسافةٍ زمنيةٍ قريبةٍ من الموت عطشًا، ولا أملَ في النجدة). فانهار الجميع، وتناصحوا بأن يحفر كلٌّ منهم حفرةً لنفسه، ليدفنه الأحياء حين يموت.

وهناك بدأ الاعتراف: كلٌّ يُعرِّف نفسه تعريفًا صادقًا، مغايرًا لما قدّمه أولًا من كذبٍ وتجمّلٍ ورياء.

وكان مشهد سميحة أيوب حين نثرت الكروت التي جمعتها من عشّاقها مشهدًا عالميًّا؛ فضحتهم جميعًا، فتعرت النفوس، وتكشفت الأقنعة، واعترف الجميع بضعفهم وكذبهم وجرائمهم، وأعلنوا التوبة.

***

ثم تحدث المعجزة: جاءت النجدة! فما إن لمحوا الأمل حتى ارتدى كلٌّ منهم ثيابه القديمة في ثانية، ولملمت «سوسو» كروت العشاق التي ألقتها على الرمال، وصعد الجميع إلى الأتوبيس متوجهين إلى الوجهة نفسها التي تابوا عنها منذ دقائق.

هذا المشهد بالضبط هو مشهد الإنسان حين يغطس بجسده في الماء، ويجتهد أن يرفع أنفه لينجو، ثم يقول: يا رب، توبة وفرصة جديدة!.. ولكنه ما إن ينجو حتى يعود كما كان، كما فعل قوم موسى حين عبروا البحر، فما إن جفّت الرمال تحت أقدامهم حتى نسوا الغرق وسجدوا لعجلٍ من ذهب.

***

ومع ذلك، أرى أن غياب “الناجي الواعي” في «سكة السلامة» كان ثغرةً فنيةً وإنسانية؛ فالفن الذي يُسقط الجميع في هاوية واحدة قد يُرهق الوعي بدل أن يوقظه.

نحن في حاجة إلى نموذجٍ يقاوم التيار، يُظهر أن اليقظة ممكنة ولو في لحظةٍ واحدة، لأن فكرة الهبوط الجماعي تُغري الناس بالاستسلام وتبرّر الغفلة العامة.

والمبدع الحقيقي لا يكتفي بعرض المأساة، بل يزرع بين ركامها بذرة خلاصٍ صغيرة، ولو كانت صامتة.

***

في مسرحية «سكة السلامة»، قام كل فرد بالاعتراف بذنوبه ثم إعلان التوبة أمام الجميع، وكانت تلك الفقرة شجية، ونال كل واحد منهم تصفيقًا حارًّا، وسالت الدموع على خدود المشاهدين، وربما سرت رعشة في أجسادهم، فالاعتراف والتوبة تجربة، أو أمنية شخصية لكل إنسان يريد أن يحرّر ضميره.

ثم جاءت النجدة، وخيّرتهم بين أن يتجهوا إلى الإسكندرية أو إلى القاهرة، وقد كان مقتضى التوبة أن يعودوا إلى القاهرة بعد أن تخلّوا عن شيطانهم.وفي لحظةٍ ارتخت فيها مشاعر الخطر، قرّر الجميع أن يستمرّوا في الرحلة إلى الإسكندرية. وكان أكثر المشاهد تأثيرًا توبة «سوسو»، وأيضًا التقاطها للكروت التي ألقتها باحتقارٍ على الأرض، فجمعتها واتجهت مع الجميع نحو وجهة الإسكندرية.

***

في هذا المشهد أضاع المؤلف فرصةً ذهبيةً لبثّ الأمل. فلكل قصةٍ وروايةٍ ومسرحيةٍ قيمةٌ تبثّها في الناس، والقيمة التي أهدتها هذه المسرحية للناس كانت: «لا فائدة من تمرّد الإنسان وخضوعه لشهواته وضعفه». فالكل حين اقتربت سَكْرة الموت أصبحوا حكماء وفصحاء وسكبوا الدموع وتابوا، وحين جاءت النجدة، «رجعت ريما لعادتها القديمة». وهذا يعني أن الإنسانية لا فائدة منها.

***

تخيّلتُ لو أن «سعد الدين وهبة» قام بابتكار المشهد الآتي: «يرتدّ الجميع إلى سابق عهدهم وينصرفوا للسفر إلى الإسكندرية، ثم تأتي سوسو وتنظر إلى الأوراق على الأرض وهي مترددة، ويقف المشاهدون حائرين لا يعرفون قرارها، ويتمنّون في داخلهم أمنيةً لنهايةٍ يفضلونها. ترفع سوسو رأسها في كبرياء، وتعطي ظهرها للأوراق على الأرض، وتتوجّه إلى المنقذ ثم تقول له: «سأعود إلى القاهرة».

***

ولو تأملنا هذه النهاية البديلة لوجدنا فيها رسالتين بالغتي الأثر:

الأولى: “الأمل في الإنسان”، فهناك دائمًا شخصٌ تائب، قوي، ومقاوم.

الثانية: “الاعتذار للمرأة”، فهي في أغلب قصصنا ضعيفة، وفريسة، ومغلوب على أمرها، وأداة فتنة.

فتكون تلك النهاية مثالًا لامرأةٍ أقوى من الجميع، رجالًا ونساءً. ويخرج المشاهد من المسرحية، ويتأرجح في خياله وقيمه العليا ما فعلته «سوسو»؛ الوحيدة التي صدقت توبتها وتعلّمت الدرس.

***

الإنسان لا يخاف من الله كما يخاف من البشر، لأن الخطر الإلهي لا يتكرّر أمام حواسه. فمن يقرصه الثعبان يتذكر اللدغة كلّما رأى الحبل. لكن من ينجو من قدرٍ ميتافيزيقي — مرض، حادث، غرق — لا يرى القدر بعد ذلك في وجهٍ يمكنه أن يتجنبه، فتتلاشى التجربة في غموضها.

أقدار حافة الخطر تُنسى سريعًا؛ لأنها بلا علامةٍ بشريةٍ تنقش الذاكرة، بينما التنمّر أو الظلم أو الخيانة تبقى، لأن صاحبها ترك أثرًا حسيًا ووجهًا يذكّرنا بالدرس.

***

في الحياة، كما في الروايات والسينما، نرى السياسي الذي يُسجن ظلمًا فيخرج محطمًا لا يقترب من السياسة أبدًا، والفنان الذي يُهاجَم فيعتزل موهبته، والإنسان الذي يُؤذى في الخير فينقلب إلى نقيضه. كأننا نفعل عكس ما يجب!

فحين يدفع الإنسان ضريبة الخير، عليه أن يخرج من التجربة أصلب وأصدق، لا أكثر انسحابًا وانكسارًا. ومن أصابه الأذى بذنوبه، عليه أن يتوب ويعود أنقى، لا أن يزداد غفلة.

هذا هو الطبيعي، وهذه هي التربية التي ينبغي أن يغرسها الفن في النفس؛ أن يجعل التجربة نارًا تصهر الإنسان لتقوّيه، لا لتذيبه. لكن الفن المعاصر، مثل واقعنا، يزرع النماذج المكسورة، ويجعل الهبوط والانحدار زلقًا وأملس، كأنه هو القدر الوحيد الممكن.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.