اللوحة: الفنان الفلسطيني محمد الركوعي
محمد محمود غدية

خمسة عشر عاما، منذ مغادرته القرية، سعيا للرزق الوفير، أول شيء فعله حين عودته زيارة صديق طفولته القديم، الذي اصبح من وجهاء القرية، فى دواره الضخم الأشبه بدوار العمدة، رحب به معتذرا عن انقطاع الكهرباء المؤقت، وبينما كانا يثرثران ويحتسيا الشاي فى ضوء الشموع، قام صاحبه بفتح نوافذ الغرفة، مشيرا لضوء القمر بعد ان أطفئ الشموع التي لا حاجة لها امام ضياء القمر، ابتسم لأنه كان ينوى سؤال صاحبه: كيف جمع المال فى بناء الدوار ومزرعة الأبقار الملحقة به؟
وقد عرف من أين آتى بالمال عند اطفاءه الشمع!
تبدلت القرية بعدما اختفت المساحات الخضراء، وبدلا منها بنايات حجبت الشموس والأقمار، كان لابد ان يمر على بيت مريومة، كما كان يحب ان يناديها، بيتها فى أطراف القرية الشمالي، البيت لم يعد دور واحد كالسابق، وانما أصبح ثلاثة طوابق، انقطعت اخبارها حين كتب اليها رسالة تقول: ربما تصلك سطوري، وربما لا تصلك، غاليتي لا ذنب لك فى كل ما أعانيه من ضياع وشقاء، أعفيك من حبي ومواجعي والسلام.
جلس فى مقهى القرية القريب من منزل مريمته، سأل النادل عنها عرف بزواجها وانجابها لثلاثة اولاد، مرت امامه فى يدها ولدان وعلى صدرها تحمل طفل صغير، ناداها؛ نظرت اليه مدهوشة مستهجنة وادارت وجهها وانصرفت!
نظر الى نفسه كذرة تراب مهملة لا حول لها ولا قوة، شاركته السماء مرثيته فى هبوط ليل دامس خانق، ضاقت به الحياة وارتعشت اوصاله، كان يحلم بحبيبته حلم الأعمى للضوء، متأكدا من حبها وانتظارها له، لم يستشعر جمرات انتظارها العقيم، ولم ير تحجر الدمع فى عينيها، وملل الانتظار على ارصفة التسول العاطفي، وهو يعاني ويلات الغربة فى جمع المال، لتشعل مصباح بيته، وتحصد الشوك من دربه، الحب بينهما افتقد المودة والاحتواء، داهمته الشيخوخة التى نبتت وسط اعشاب الغربة والوحدة والوحشة، تقفز ذاكرته تكشف عن أعماقه الخربة، كانت حين تضحك يتراقص العالم حولها، كان يتصفح الوجوه بحثا عن وجه حبيبته فيها، الملامح دونها باهتة، ظل واقفا فى مكانه غير قادر على الحركة، يتملكه احساس بالعجز، مثل شجرة عجوز فى انتظار ريح تقتلعها، يمضى الى اللامكان تبتلعه سحب الدخان والضجيج.