لو خرج ابنَ المقفّع من مدفنِه

لو خرج ابنَ المقفّع من مدفنِه

اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي

ماهر باكير دلاش

لو أن ابنَ المقفّع خرج من مدفنِه، ونفضَ عن عباءته غبار القرون، وتنفّس هواءً لا يشبه هواء الدنيا الذي عرفه، ورأى الناس يحملون العالم داخل صندوقٍ صغير يلمع، لربما ظنّ أنه في حلمٍ ثقيل، أو في مسرحيةٍ هزلية تتداخل فيها الحكمة مع العبث. وقف يتأمل شاشة الهاتف كما يتأمل الناسُ اليوم كتابًا نادرًا، يلمسها كما لو أنها كائنٌ يحاول أن يفهم لغته، ثم سأل الرجل الواقف بجانبه: “أهذه صحيفة؟ أم نافذة؟ أم جِنّي صغير يضحك عليكم؟” فأجابه الرجل: “هذا هاتف”. فرفع ابن المقفّع حاجبه وقال: “عجيبٌ أمرُكم! جعلتم الورقَ برقًا والكلماتِ أشباحًا، والناسَ حروفًا تتصادم في مجاهل الضوء. رأيتُ في زمنكم ما لم يره بشر: عالَمٌ رقميّ، وعقولٌ ورقيّة.”

خرج مع رجل الحاضر إلى الشوارع، فإذا بأصواتٍ تتداخل، وصورٍ تتزاحم، وأجساد تتحرك بسرعةٍ تُشعر الناظر أن الزمن صار آلةً مسرعة بلا كابح. قال ابن المقفّع متعجبًا: “من هؤلاء الذين يرفعون وجوههم أمام آلاتٍ سوداء؟” فأجاب الرجل: “هؤلاء أصحاب المحتوى.” فابتسم ابن المقفّع ابتسامة من يعرف أنّ المصيبة ليست في الاسم بل في الفعل، وقال: “محتوى؟ وماذا يحتوون؟” قال: “الكلام.” فقال ابن المقفّع ساخرًا: “إذن أنا أول صانع محتوى في التاريخ!” ثم أضاف وهو يهز رأسه: “رأيتُ قومًا يستبدلون العلم بالضجيج، والحكمة بالانتشار، والعمقَ بعدد المتابعين، حتى ظنوا أن الشهرة معرفة، وأن الجهل ترفيهٌ مُباح.”

ودخل مكتبةً من مكتبات العصر، فوجد الكتب كثيرة، ولكن القرّاء قليلون، والمثقفون أقلّ من عدد الذين يصوّرون الكتب دون أن يفتحوها. قال وهو يقلّب كتابًا جديدًا: “يا هذا، ما جدوى كتابٍ لا يقرؤه أحد؟” قال الرجل: “يقتنون الكتب للتصوير.” فقال ابن المقفّع: “أفلا يقتنون عقولًا للتفكير؟” ثم مضى يتمتم: “المثقفون في زمنكم مرايا لامعة من الخارج، متكسّرة من الداخل. يعرف الواحد منهم أول جملة في كل شيء، ولا يعرف آخر جملة في أي شيء. إن سُئل تكلّم بثقةٍ لا يملكها، وإن جادله جاهلٌ انهزم، لأن عقل الاثنين قائم على الصوت لا على البرهان.”

وحين سُئل عن رأيه في مفكري هذا العصر، ضحك ضحكة رجلٍ سمع نكتة قديمة تُعاد عليه للمرة الألف، وقال: “رأيتُ مفكرين في الكتب، ورأيتُ مثقفين على المسارح، ولكنني اليوم أرى مثقفا يَعِدُ ولا يلتزم، يبني ولا يُتمّ، يتكلم أكثر مما يعمل، ويغضب من الناصح كما يغضب الطفل من مرآةٍ تكشف ملامحه.” فسأله الرجل: “وهل من أمل؟” فقال ابن المقفّع: “الأملُ أن يعرف المثقف أنّ الحياة ليست مسرحًا، وأن القراء ليسوا جمهورًا يُصفّق، وأن الفكر لا يُصنع في دور النشر بل في الضمائر.”

ومرّ على الأسواق، فرأى ألوانًا تلمع كما لو أنها شراكٌ منصوبٌ للإغراء. رأى رجلًا يتصدّق بدرهم ويُعلن ذلك في عشر صور، ورأى آخر يبيع بضاعة رديئة ويقسم أنها أفضل ما في الأرض، فقال: “يا سبحان الله! في زماننا كان التاجر تاجرًا، والعهد عهدًا، واليوم صار التاجر فهلويا، والفهلوي تاجرًا، وكلاهما يبيع الأخلاق بسعر الموسِم.” ثم أضاف: “ومن تصدّق رياءً فقد خسر صدقَته وربحه، فمن يبتغي وجه الناس لا يجد وجه نفسه.”

ثم سأل رجل الحاضر: “وكيف تصفُ الناس؟” فقال ابن المقفّع: “عجيبٌ أمرُهم! رأيت فيهم من يصدق كلَّ شيء لأنه لا يفكر، ومن يكذّب كلَّ شيء لأنه لا يفهم. رأيت من يغضب بلا سبب، وينصح بلا علم، ويجادل بلا دليل، ويرفع صوتَه لأن حجته ضعيفة. رأيت قومًا يجيدون الاعتراض ولا يجيدون العمل، يجيدون الشكوى ولا يجيدون السعي، يجيدون الهرب ولا يجيدون الوقوف.” ثم أضاف: “لو صلحت عقولهم لصلح زمانهم، ولو استقام وعيهم لاستقامت حياتهم، ولكنهم بين سذاجةٍ مطلقة وذكاءٍ بلا بوصلة، يمشون في الدنيا كما يمشي من لا يعرف الطريق ولا يعترف بالضياع.”

وفي آخر النهار، وقف ابن المقفّع في وسط الطريق، ونظر إلى السماء نظرة رجلٍ يقرأ كتابًا لا يعرف هل يضحك منه أم يبكي، وقال لرجل الحاضر: “هذا زمنٌ يكثر فيه الضوء وتقلّ الرؤية، تكثر فيه الأصوات وتندر الحكمة، يكثر فيه الرأي ويغيض العقل. أنتم قومٌ تضحكون كثيرًا، ولكن خلف الضحك خوف، وتتحدثون كثيرًا، ولكن خلف الحديث فراغ، وتتفاخرون كثيرًا، ولكن خلف الفخر هشاشة.” ثم ابتسم ابتسامة رجلٍ يعرف تمامًا ما يقول، وأضاف: “إن أردتم إصلاحًا، فأصلحوا أنفسكم قبل مفكريكم، وألسنتكم قبل أصواتكم، وعقولكم قبل شاشاتكم، فإن صلُح الداخل استقام الخارج. أما إن بقِيتم على ما رأيتُ.. فستكون حياتكم هزلًا، ومعرفتكم هزلًا، وزمنكم هزلًا، ولا ينجو من الهزل إلا من عرف أن السخرية أحيانًا أصدق من الحقيقة.”

ثم مضى، دون أن يلتفت، كأنه يترك خلفه بابًا مفتوحًا.. لا يدخل منه إلا من عرف معنى العقل.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.