اللوحة.. أهي اختيار؟ أم مرآةٌ اللاوعي؟

اللوحة.. أهي اختيار؟ أم مرآةٌ اللاوعي؟

اللوحة: الفنان الهولندي تون شولتن

د. سيما حقيقي

في كلّ مرةٍ نقف فيها أمام لوحة، لا يكون المشهد البصري وحده هو ما يجذبنا، بل شيءٌ أعمق بكثير… كأنّ اللون يهمس باسمٍ في داخلنا، وكأنّ الخطوط تلتفّ حول ذاكرةٍ كدنا ننساها.

قد نعتقد أننا نحن من نختار اللوحة، لكن الحقيقة أنّها هي من تختارنا أولًا، تستدعينا من زوايا وعينا، وتوقظ فينا إحساسًا كان نائمًا، أو تكشف وجعًا خبأناه بين سطور أيامنا.

علم النفس الجمالي يفسّر هذه الحالة بلغةٍ أخرى. فبحسب دراسةٍ في Psychology of Aesthetics, Creativity, and the Arts (2018)، يتفاعل الدماغ مع الألوان والرموز البصرية بنفس المناطق العصبية المسؤولة عن الذاكرة والعاطفة، وهذا يعني أن اختيارنا للوحة ليس قرارًا بصريًا، بل عاطفيًّا غير واعٍ، يُترجم عبره اللاوعي ذوقه الخاص في الجمال والطمأنينة والتجربة الإنسانية.

لهذا السبب، تختلف اللوحات التي تلامسنا باختلاف مراحلنا الحياتية. فالإنسان في لحظات القلق ينجذب إلى الألوان الباردة والفراغات الواسعة، بينما يميل في فترات النضج والاستقرار إلى التوازن اللوني والرمزية المتقنة، وفي أوقات الفقد أو البحث عن الذات، قد يختار لوحةً غامضة، أو وجهاً لا ملامح له، كأنّه يبحث فيها عن شيءٍ يشبهه دون أن يدري.

وقد كشفت دراسة صادرة عن University College London (UCL, 2021) أن تفضيلاتنا الفنية تتغيّر كلّما تغيّر مزاجنا أو وعيُنا بذواتنا، وأن اللوحات التي نراها “جميلة” ليست بالضرورة أجمل فنياً، بل أكثرها توافقًا مع حالتنا النفسية والطاقية في تلك اللحظة؛ فالجمال، في النهاية، ليس صفة في اللوحة… بل في النظرة التي تراها.

ولعلّ هذا يفسّر لماذا نحتفظ أحيانًا بلوحةٍ لا يفهمها أحد سوانا. فهي لا تمثّل ذوقًا بقدر ما تمثّل توقًا. توقًا للسكينة، أو للحرية، أو لذكرى لم تكتمل. ولهذا، فإن اقتناء عملٍ فنيٍّ ليس مجرد تزيين للجدران، بل هو حوار داخلي بيننا وبين ما لا نُفصح عنه. كلّ لوحة نضعها في بيتنا، هي مرآة لجزءٍ منّا أردنا أن يظلّ حاضرًا، وشاهدٌ على مرحلةٍ من رحلتنا لم نستطع ترجمتها بالكلمات.

في لحظة الشراء، لا نشتري اللوحة فقط، بل نشتري إحساسنا حين رأيناها أول مرة، نشتري الضوء الذي لمسناه فيها، وربما النسخة التي تمنّينا أن نكونها ونحن نتأملها.

فالفنّ، في جوهره، ليس ملكًا لصانعه فقط، بل يصبح ملكًا لكلّ من رآه وتورّط فيه. وحين تلتقي ذبذبة اللوحة مع تردّد الروح، تحدث تلك الشرارة الخفيّة التي تُسمّى “الانجذاب الفني”، حيث تختارنا الألوان قبل أن نختارها، وتُعلّمنا أن الذوق ليس عادةً اجتماعية، بل بصمة روحٍ تبحث عن شبيهها.

وربما لذلك، حين نُبدّل أماكننا أو نمرّ بتجربةٍ تغيّرنا، تتبدّل نظرتنا إلى اللوحات أيضًا. فما كنا نحبّه بالأمس قد يبدو غريبًا اليوم، وما لم يلفت انتباهنا يومًا، قد يصبح فجأةً أقرب الأشياء إلى قلوبنا؛ لأننا في النهاية، لا نرى اللوحة كما هي.. بل كما نحن.

وربّما.. لا نشتري اللوحات لأنّنا نراها جميلة، بل لأنّها تقول ما لم نستطع قوله، وتحمل عنّا ما عجزنا عن شرحه للعالم؛ إنها تصمت بالنيابة عنّا، ولكنّها تفهمنا أكثر من أيّ صوت.

وفي كلّ لوحة نختارها، تختبئ نسخةٌ منّا لم نلتقِ بها بعد، تنتظر اللحظة التي نتجرّأ فيها على النظر إليها بعين القلب؛ فالفنّ لا يزيّن الجدران.. بل يزيّن الروح. ويذكّرنا أنّ كلّ ما اخترناه يومًا، كان في الحقيقة.. من اختارنا أولًا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.