اللوحة: الفنان الفرنسي إدوارد فويلارد
شهربان معدّي

هنالك أشخاص حضورهم كاخضرار السّنديان، حديثهم كالعسل البريّ الصّرف، الّذي لم تكدّرهُ يد الْجاني… لا تشبعُ العيْن من مُشاهدتهم ولا الأذن من سماعهم، أثرهم يسكُنُ في تفاصيل الرّوح مهما طالت خُطى السّنين… وهنالك زُمرة أُخرى، كلامهم لا تسْتسيغه الْأسماع وحضورهم لا تكتحلُ به الْعيون، ورغم ذلك نتحمّلهم لأنّنا ندرك أنّ الله لا يغيّر ما في قومٍ حتّى يغيّروا ما بأنفسهم.
وزائرتي الموقّرة والّتي تعتبر نفسها من سيّدات المجتمع اللّواتي على رأسهنَّ ريشة! لا أريد أن أُضيفها لأيّ مجموعة من هؤلاء، ولن أبوح لَك يا عزيزي القارئ عن ثقافتها أو عمرها أو علاقتي بها، لئلّا تدور عليّ دائرة السّوء وتظنّ إحداهنّ أنّها المقصودة بزائرتي المحترمة الّتي زارتني دون موعد لأرتق لها فُسْتانها الفاخر، ولكن سأخبرك بسرٍّ صغيرٍ كبير، بأنّني أعرف أدقّ تفاصيل حياتها والمناخ القمعيّ الّذي كانت تعاني منه قبل زواجها من ذلك الرّجل الموسر صاحبُ النّفوذ الكبير.
ثَمَّة تساؤلاتٌ كثيرةٌ ازْدحمت في رأسي بعد خروجها من بيتي، هل هي تعكس عُمق الهاوية الّتي سقطنا في قاعِها؟ أم القحط الرّوحيّ والخواء الوجوديّ الّذي نعاني منهُ، أم الْحُرّيةُ المُفاجئةُ الّتي ظَفْرنا بها والّتي لم نفلح باستعمالِها بالشّكل الصّحيح؟!
عندما دَلَفَتْ لبيتي كُنْتُ منهمكةٌ في رقّ عجينة البيتزا لأولادي وكان شوبك العجين لا يزالَ في يدي ورَغم أنّنا في زمنٍ فقدنا فيه كلّ ما يُدهش، فقد انتابني الكثير من الدّهشِ عندما رأيتها وقد كان عهدي بها امرأةٌ عاديّةٌ صاحبةُ شعر كستنائيّ اعتادت أنْ تعقِدهُ في جديلة، تحوّل فجأة إلى شعرٍ أشقرٍ ناعمٍ لا يتجاوز الكتفين، وبشرتها المحروقة كسنابل حُزَيْران، أصبحت فجأة كبشرة بيضاء الثّلج، بعد أنْ داعبتها فرشاة الميك أب.
وللوهلة الأولى ظننّتها إحدى المُذيعات الفاتنات اللّواتي نشاهدهنَّ عبر شاشات التّلفاز بهذا “اللّوك” الجديد! وبقدر ما أصابني من الدّهش هي أيضا انتابها الدّهشَ عندما رأتْ شوبك العجين الّذي في يدي! حيث سألتني بتعجّبٍ شديدٍ:
تحضّرين البيتزا في البيت؟ ولكنّها طارحة عصاها في المحلّات والمتاجر! بلمسة صغيرة على الجوّال وتكون ساخنةٌ وطازجةٌ، وفي متناول يديك..
وأردتُ أنْ أخبرها أنّ ذلك لا يضاهي فرحة ابني الصّغير الّذي يكاد ينطُّ مِنَ الفرحِ عندما يعود من المدرسة ويشمّ رائحتها الطّيّبة المنّتشرة في أرجاء البيت، ولكنّها كانت مسرعةٌ حيث ناولتني فستانًا فاخرًا مِنَ الدّانتيل المطرّز، وبسبب لونه الفاقع ومقاسه الصّغير، ظننّته لأحدى بناتها المراهقات ولكنّها أكّدت لي أنّهُ لها وأنّها ستلبسهُ بمناسبة خطوبة ابنة إحدى قريباتها وقد اختارت اللّون الزّهريّ الفاقع؛ لأنّه على حدّ قوْلها “الزّهر يقهر قهر”، وهي تُريد إغاظة إحداهنّ.
ولأنّني كسائر النّساء لا نتخلّى عن فضولنا أبدًا! سألتها بعفوية: يبدو لي أنّه فستانًا باهظُ الثّمن؟ فأجابتني بلا مبالاة:
لا، إنّهُ ليس غاليًا… لم يكلّفني سوى ألفٍ ومائتي شاقل! أي ثمن نقْلة الحطب الّتي تدفّأنا عليها طيلة فصل الشّتاء.
ولكنّني آثرت الصّمت لكيلا تظنَّ زائرتي “المُفتّحةُ في بلاد عُميان” أنّني أحسدها على هذه النّعمة المؤقّتة، أليس نتهنّدم ونتبرّج ونغيّر أقنعة في كلّ مناسبة لكي نرضي الآخرين؟!
وطلبتُ منها بكياسةٍ أنْ تنتظرني في غرفة الصّالون بجانب الوجاق الدّافئ ودلفْتُ لغرفة الْخياطة لأرتِق لها فسْتانها الفاخر وعندما عُدْتُ وجدْتُها تقّتحمُ كلّ زاوية وركن في بيتي، بعيونٍ حادّةِ كعيون الصّقر، وسألتني بتهكّمٍ:
– هل صالونك جديدٌ؟ فأجبتها بحماسٍ جليّ:
– نعم إنّه جديدًا، أهل يروقكِ؟
– أظنّ أنّهُ من برطعة! قالت بتعالٍ وهي ما زالتْ تحدّق في بيتي المسكين! فأجبتها بخيبةٍ واضحةٍ: لا يا سيّدتي إنّه صِناعةٌ محلّيّةٌ، وأنا شخصيًّا أشجّع الصّناعة المحلّيّة، كيف لا وقد تعوّدنا أن نستوردَ من قيمة الإبرة حتّى السّيّارة من الخارج! وبالمقابل نتجاهل تلك الورشات المحلّيّة الضّئيلة الّتي تحاول عبثًا أنْ تزدهر وتثبت وجودها في قُرانا، ولكنّها وللأسف الشّديد لا تحظى بأيّ دعمٍ حكوميّ كانَ أو محلّيّ…
ووجدتُ نفسي أتكلّم لوحدي عندما أمسَكَتْ زائرتي الموقّرةُ صندوق الْعجب خاصّتها أي “هاتفها الجوّال” لتطلعني على مغارة “علي بابا” الزّاخرة في بيتها الفخم! حيث بدأتْ بالصّالون الأمريكيّ الّذي وصلها خصّيصًا من بلاد العمّ سام، ثمَّ بالموقد الحجريّ المبنيّ من حجارة تركيّة والّذي يعمل بطاقة الغاز، وأرْدَفَتْ قائلةٌ بتبجّحٍ: من لديه الوقت لنقل الحطب كي يوقد الوجاق؟ أجبْتها بثقةٍ تامّةٍ بأنّني لا أشعر بالدّفء إلّا عندما أسمع طقّطقة الْحطب وأشمّ رائحة الصّنوبر المحترق… ولكنّها كالعادة لم تستوعب كلمة واحدة من كلماتي بسبب انشغالِها بهاتفها حيث انتقلَتْ للسّتائر الحريريّة المُطرّزةُ اْلحواشي والّتي ابتاعَتَها من الصّين.
وعندما أردتُ أن أقول لها: إنّني ابنةُ الرّبيع الّتي تعشق الأزهار البرّيّة الّتي لا أسماء لها والّتي تنّتظرُ بلهفة الأطفال أنْ تفيض عافية الأرض لكي تزهر شجرتا اللّوز واللّيمون في حاكورة بيتي وأنّني أكره تلك السّتائر الّتي نسْدلها على رشح المطر والمروج الملّوّنة، ولكنّها انتقلتْ بسرعةِ البرق لغرفة نومها لتَطْلعني على أعمال الجبصين الدّقيقة الّتي زيّنتْ السّقف، أردت أن أقول لها إنّ البيوتَ أسرار، وما هذه السّقوف المزخرفة سوى حجاب يحْجبنا عن عبادة الله وحمّدِه! ولكنّها تذكّرت فجأة طقم الشّاي الإنجليزيّ الّذي أهداهُ لها زوجها في عيد ميلادها الأخير، وأصرّت أن تقرأ لي بعض التّعقيبات الّتي تلقّتها، وليتك تدركُ يا عزيزي القارئ مدى الألم الّذي انتابني عندما قرأْتُ بعضًا منها، كانت مكتوبةٌ بلغة عبريّة عربيّة مكسّرة، وحتمًا أشفقت على لغتنا العربيّة الّتي أُنزِل بها الكتاب، وتذكّرتُ مكتبتي الزّاخرة بالكتبِ المعتّقة كأوراق الْخريف والّتي لم أحْظ ولا حتّى بلايك واحد عندما عَرَضْتُها على السّتاتوس الْخاصّ بي… وتساءلتُ ما بالَ تلك الامرأة الّتي تعتبر نفسها “مودرن” تحاول أن تَقنعني بضحالة تفكيرها أنَّ مغارة علي بابا الزّاخرة في بيتها هي سِدْرَةِ المْنتهَى وأرومة الْحياة.
صحيحٌ أنّنا في هذا الزّمن المعدنيّ “معك قرش تساوي قرش” ولكنّني لا أرضى أن أكون الفراشات والألوان في بيتي بل اللّوحة الزّيتيّة نفسها مكتملةُ الألوان.
واعتذرتُ منها لأجلب القهوة دون أنّ أنتبه لطنجرةِ الحمّص الصّغيرة الّتي تركتها تغلي على الوجاق المتأجّج، وعندما عُدت أدراجي شعرتُ لأوّل مرّة في حياتي أنّ بيتي الكبير الّذي تلعبُ بِهِ خيوطُ الشّمسِ، أصبحَ صغيرٌ جدًّا كوجهي الّذي تقلّص وألهبتهُ الدّماء الحارّة عندما رَفَعَتْ هذه المرأة الفضوليّة غطاء الطّنجرة وقالتْ وقد استولى عليها الدّهش مرّة أخرى:
حمّص! أتسلقينَ الحمّص؟ وما عيْب “حمّص أحلا” أو المطاعم الصّباحيّة؟
ومرّة أُخرى فتحتْ صندوق العجب خاصّتها لتطلعني على المطعم الفاخر الّذي يحرصُ أن يصحبها زوجها إليه برفقة الأولاد في إجازته الأسبوعيّة…
ما شأنها تلك المرأة الّتي تشبه الكثير من النّاس الّذين لا يوجد عندهم استعدادًا لمراقبة الشّمس ولا الطّيور ولا السّماء، هؤلاء البشر الّذين يسرقون الفرح الصّغير والقناعة من قلوبنا، بينما هم يخسرون بركة عمرِهم في اقتناء هذه المَتاع المادّيّة الّتي لا قيمة لها… هؤلاء هم فقراء العولمة الحديثة الّذين يروْن الجمال في الأزهار الاصطناعيّة والطّعام المعلّب والثّمار المدجّنة، ولا يروْنه في أزهار اللّوز واللّيمون الّتي تعبق برائحة الأجداد، هؤلاء البشر لم يتذوّقوا خبز الأمهات بل يطيلون الانتظار في الطابور كي يتناولون قطعةً منَ البيتزا مع كأس كوكا كولا.. ولذلك قرْرتُ أنْ استجمع قواي وأستلّ سيفي وأضرب على الوتر الحسّاس عندما تذكّرتُ طنجرة الحمّص الكبيرة الّتي تعوّدت أن أجدها تتراقصُ على الغازِ صبيحة كلّ يوم سبتٍ في بيت أهلِها قبل أن تتزوّج.
وسألتها عمدًا:
-أما زلت تحبّينَ الحمّص كعهدي بكِ؟ فأجابتني بحماسِ:
– ليس ثمّة شيء يُضاهي الحمّص الّذي أتناوله في المطعم مع زوجي وأولادي، في نهاية كُلّ أُسبوع… وشعرتُ أنّني سكبتُ عليها دلوًا من الماء البارد عندما ذكّرتها بطنجرة الحمّص الّتي ألفتها في بيتهم صبيحة كلّ يوم سبت، وبالمثل الّذي كانت تردّده والدتها “إن فاتك الضّانيّ عليك بالْحُمّصانيّ.”
وبعصبيّةٍ شديدةٍ أقفلتْ جوّالها وطلبتْ منّي أن تقيس الفسْتان المسكين الّذي تنفّسَ الصّعداء مثلي عندما خَلَعَتَهُ وأعادتهُ للكيس الْفاخرِ… واسْتأذنتْ بالرّحيل لأنّها تذكرتْ أنَّ لديها دورًا في أحد صالونات التّجميل بعد أنْ اكتَشَفَتْ تجعيدةً صغيرةً على جبينِها…
وصدقًا أقول بأنّني حمدتُ ربّي كثيرًا، نعم! حمدتَهُ من كلّ قلبي، لأنّه أعتقني من رَبْقة هذه الأغلال الّتي تفاخرتْ بها زائرتي المُفتِّحةُ في بلاد عُميان كما أخبرتكم في البداية والّتي ما هي إلّا طاقةٌ أرضيّةٌ كانتْ ستَحشرَني في زوايا الحاضرِ المؤقّتِ وتشدّني نحو الأسفل وعوّضني عنها بِجناحين كجناحي النّسر لأُحلّق بهما فوق القمم الْعالية وعيون كعيونِ النّحل، لا ترى غير الزّهر ولا تجنيَ غير العسل…