الصين التي لا نعرفها

الصين التي لا نعرفها

د. خالد عزب

خالد عزب

على عكس ما اعتدنا عليه من العرب لأول مرة نجد عرب يسعون ليعرفوا أو لنعرف القوة الصاعده في العالم، الصين هذه الدولة التي احتلت المرتبة الثانية في مؤشر القوي الناعمة في العالم لعام 2025، وهي ثاني قوة اقتصادية وحربية، تلك القوة لا شك أنها تعطي الصين تطلعات مستحقه كقوة عظمي، ولا شك أن علينا أن نفهم الصين لكي نعرف كيف نتعامل معها ومع تطلعاتها وقدراتها، الحقيقة أن العديد من المراكز البحثية في السعودية والأمارات تقوم بهذا، وفي مصر يقوم أساتذة أقسام اللغة الصينية والعلوم السياسية بدور أيضا، لكن القضية تبقي كيف نوظف هذا في خدمة مصالحنا كعرب.

الحقيقة الأن أن كل ما سبق هو مقدمة لما نأمل فيه فهناك فجوة عربية في التعامل عربيا مع الصين وإن كانت رؤي وتقارير بنت معرفة محدوده بها، ويقف الدكتور أحمد السعيد الباحث المصري المتخصص في الشئون الصينية ليغرد وحديا بعمق عن الصين، وجوهر معرفته بالصين يقوم علي التعايش العميق في المجتمع الصيني، وهذا البعد هو ذاته ما يقوم به الغرب معنا حينما يبتعث باحثين ليتعلموا العربية ويتعايشوا وهم في مطلع حياتهم بيننا، ليعودوا بعد سنوات يعملون في سفارات بلادهم، وهنا نحن لابد أن نتعلم منهم كيف يديرون معرفتهم بالأخر ويوظفوها بصورة جيدة.

هذا المقال هو نتاج لكتاب أصدره الدكتور أحمد السعيد عنوانه (الصين من الداخل) وبلا شك هو يؤسس لمعرفة حقيقية بالسياسات الصينية وتواجهاها ويجعلنا نفهم الصين بصورة أفضل، وقد تعلمت من هذا الكتاب الكثير، لعل أول ما عرفته أن الثقافة في الصين تحولت إلي أداة ضبط سياسي، عبر امتحانات الخدمة المدنية، التي صاغت نخبة حكومية علي أساس ثقافي، وهو ما أدي إلي النظر للمثقف بوصفه حارسا أخلاقيا للمجتمع.

يشرح الدكتور أحمد السعيد كيف استدعت الصين الثقافة، لا بوصفها حاملا رمزيا، بل كلغة، توفر للصي أدوات جديدة للتفسير، وللتفاوض، وللمشروعية، وتوصل بذلك إلي الممارسة الخارجية للصين في عصرنا، فهي كانت امتدادا لصراع طويل بين ثلاثة مستويات من التفاعل، هي: ثقافة عريقة تتسم بالثبات النسبي، وواقع دولي متغير يفرض ضغوطا وتحديات، وحاجة وطنية داخلية تسعي إلي التحديث دون فقدان الذات، هذاما جعل المؤلف يفسر لناعلي سبيلل المثال لا الحصر سياسة الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ، فقد دخلت الصين في عهده مرحلة الواقعية البراجماتية، بعد أن قاد تحولا هادئا، لا يصطدم علنا بإرث ماو لكنه يعيد توجيهه علي نحو جذري، ودون الأنفصال التام عن الهوية الثقافية الصينية، بل جسدها دون إعلان صريح، فهو لم يعلن تبني الكونفوشسية، ولم يتحدث بلغة الفلاسفة، لكن ظل في سلوكه وتوجهاته كثير من ملامحها، مثل: الحذر والتدرج، وضبط الطموح والتوازن والأعتراف بحدود القوة.

وفي الفترة من 1990 إلي 2012، أعادت الصين بناء مفهوم (السيادة الثقاف) ليس بوصفه أداة للأنعزال، بل ألية لترشيد الأنفتاح، وجعل العلاقات الدولية ساحة لحوار الخصوصيات لا لتطابق النماذج، هذا ما يقودنا علي الفور لفهم الصين في عهد الزعيم شي جين بينغ التي ترفع شعار (الصين في العصر الجديد) لتخرج الصين من القوقعه إلي ممارسة دور دولي يتناسب مع حجمها الاقتصادي والسياسي والتاريخي، شي في رأي الدكتور أحمد السعيد استطاع  إعادة بناء الخطاب السياسي الدولي انطلاقا من الثقافة السياسية فالصين تري نفسها غير مضطرة لمحاكاة نموذج الهيمنة الغربية، بل صارت تقترح نموذج بديل قوامه: التنوع الحضاري، والسيادة المتوازنة، والحوكمة المتعددة الأقطاب، مع إعلاء لقيم التناغم والتعايش والمنفعة المتبادلة.

الصين الأن خرجت من مرحلة الكمون الإستراتيجي إلي الريادة العالمية، وبلورة خطاب عالمي ذي مرجعية صينية، وإطلاق المبادرات الجيوسيساسية مثل مبادرة الحزام والطريق، ومشروع مجتمع المصير المشترك للبشرية، وبناء التكتلات.

الكتاب يجعل الصين كتابا مفتوحا بالنسبة لنا، وهو الأول من نوعه باللغة العربية، بل يستدعي علي الفور عجزنا عن فهم الأخر، فعلي الرغم من محاولات سابقة لعدد من الباحثين إلا أننا لم نبني علي ما قاموا به بدءا من موسوعة الصهيونية للراحل العظيم الدكتور عبد الوهاب المسيري والذي لم تكمل مراكزنا البحثية ما قام به، فهناك فجو عربية في فهم تطورات ومتغيرات المجتمع والدولة الاسرائيلية وكلاهما صار هشا بغلاف مبطن من استخدام القوة المفرطة في محاولة لتغطية هشاشتها، كما أننا لم ندرك تراجع أوربا وضعفها بعد الحرب الروسية الأوكرانية، في الوقت الذي كانت المحاولة الجادة لفهم الصراع الروسي الأوركراني جاءت من دار الشروق التي قدمت كتابا يحلل هذا الصراع للدكتور عاطف معتمد، كما أننا لا نستطيع إلي الأن فهم التغيرات في الولايات المتحدة فهناك جيل صاعد من السياسين الشباب لديهم موقف من اسرائيل، وهذا ما يدفع يهود الولايات المتحدة المساندين لها للحصول علي أكبر مكاسب الأن وليس غدا، هذا أيضا ما دفعني إلي محاول قراءة مصر من جديد وتحولاتها في كتابي (البحث عن مصر) الصادر عن بيت الحكمة فنحن الأن وليس غدا في حاجة لفهم مصر فالسياسات التي توضع الأن في أمس الحاجة لفهم كيف يتفاعل المصريين معها، فنحن في أمس الحاجة للتفاعل الإيجابي وفق سياسات جديدة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.