الجسدُ الخائنُ والوعيُ الجريح: أنطولوجيا الاغتراب في خطوة الخمسين – قراءة في نص للشاعر دخيل الخليفة

الجسدُ الخائنُ والوعيُ الجريح: أنطولوجيا الاغتراب في خطوة الخمسين – قراءة في نص للشاعر دخيل الخليفة

اللوحة: الفنان السوري نافع حقي

حامد محضاوي

دخيل الخليفة، شاعر كويتي من جيل الشعراء المعاصرين الذين يجمعون بين عمق التراث الشعري العربي وحداثة التعبير وأسئلة الوجود المعاصرة. تتميّز تجربته الشعرية بالبحث الفلسفي والانزياحات المجازية الجريئة، حيث يتحوّل النص عنده إلى فضاء للتأمّل الوجودي والمعرفي.

يأتي نص “أدركَكَ المغيبُ بخُطوةِ الخمسينَ” المنشور على صفحات الملحق الثقافي لصحيفة عكاظ السعودية بتاريخ 2 جانفي 2026، ليمثّل وثيقة شعرية وفكرية تلتقط لحظة التحوّل الوجودي في منتصف العمر، وتقدّمها عبر لغة شعرية مكثّفة تحمل في طيّاتها أسئلة فلسفيّة عميقة عن الجسد، الزمن، الذات، والمعنى.

في هذا السياق، لا تُختزل “خطوة الخمسين” في النص إلى مجرّد إشارة زمنيّة أو منعطف عمري، بل تتحوّل إلى عتبة أنطولوجية تفصل بين نمطين من الوجود: وجود يسبق الوعي بالزمنيّة كمحدّد أساسي للكينونة، ووجود يلي هذا الوعي المفاجئ والصادم. إنّها اللحظة التي يتحوّل فيها الزمن من إطار خارجي يحيط بالحياة إلى كينونة داخليّة تنخر في صميم الوجود. في هذه العتبة بالذات، يولد ذلك السؤال الوجودي والجوهري الذي يوجّهه النص: “هل أيقنْتَ أنكَ ساحرٌ فقَدَ الوقوفَ وخانَهُ العكّازُ؟”. هذا الاستفهام لا يطلب إقرارا بضياع القدرة الجسدية فحسب، بل يستدعي اعترافا بتحوّل جذري في علاقة الذات بجسدها، وفي موقعها من العالم، وفي تصوّرها لذاتها. “الساحر” الذي امتلك أدوات سحريّة للتحكّم في واقعه، يجد نفسه فجأة عاجزا؛ لا لأنّ أدواته فقدت فحسب، بل لأنّها “خانت”. الخيانة هنا هي الفاجعة الوجوديّة: الخيانة التي تأتي من الداخل، من الجسد نفسه الذي يفترض أنّه موطن الذات ووعائها الأوّل.

أنطولوجيا الجسد الخائن

  • الخيانة كانزياح في علاقة الجسد بالذات

يقدّم النص تصوّرا للجسد ككيان منفصل ومتآمر: “ساحرٌ فقَدَ الوقوفَ وخانَهُ العكّازُ”. العكاز، الذي هو امتداد صناعي للجسد ودعم له، يصبح خائنا. هذه الصورة تتجاوز فكرة العجز الجسدي البسيط لتلامس إشكاليّة فلسفية عميقة حول طبيعة الجسد وعلاقته بالوعي. ففي الفلسفة الديكارتية، كان الجسد يُنظر إليه كآلة منفصلة عن العقل، لكن الخليفة يقدّم رؤية أكثر تراجيديّة: الجسد ليس آلة محايدة، بل هو خائن. هذه “الخيانة” تعني انزياحا في الوظيفة الأنطولوجية للجسد: من كونه أداة اتصال بالعالم ووسيلة تحقيق للإرادة، إلى كونه عائقا وجوديّا، سجنا يخون سجّانه.

يتعمّق هذا الانزياح في صورة أخرى: “أنتَ شيخُ الثلْجِ، جُنديُّ الهمومِ، مُروّضُ النّجْماتِ”. هنا نجد ثلاث هويات متصارعة: “شيخ الثلج” (الهشاشة والبرودة والجمود)، “جندي الهموم” (المقاومة المتعبة)، “مروّض النجوم” (القدرة الأسطورية السابقة). الجسد الذي كان “مروّض النجوم” يصبح “شيخ ثلج”، والتحوّل ليس تدهورا عضويّا فحسب، بل هو تحوّل في المكانة الأنطولوجية. الفيلسوف الفرنسي «موريس ميرلوبونتي» في “ظاهرة الإدراك” (1945) يرى أنّ الجسد ليس مجرّد شيء نمتلكه، بل هو طريقة وجودنا في العالم، فهو “الجسد الحي” الذي ندرك من خلاله العالم. لكن ما يقدّمه النص الشعري هو انهيار هذه المعادلة: الجسد الحي يتحوّل إلى جسد غريب، “شيخ ثلج” يخون حيويّته السّابقة.

  • الألم كدليل أنطولوجي

ثمّة تحوّل آخر في علاقة الجسد بالذات يتجلّى عبر الألم: “سريرُكَ الموجوعُ يسْألُ أينَ مُهْرتُهُ، ينامُ على برودتِهِ الرصيفُ”. السرير “الموجوع” ليس مجرّد سرير يحمل جسدا متألّما، بل هو سرير يشارك في الألم، بل ويتألّم بذاته. “المهرة” الضائعة هي رمز للنقاء والبراءة والسلامة الجسدية الأولى. الألم هنا ليس عرضا فسيولوجيا، بل هو حالة أنطولوجية تكشف عن انفصال الجسد عن ذاته السّابقة. الفيلسوف الفرنسي «جان لوك نانسي» في كتابه «الاقتحام» يتحدّث عن القلب المزروع كدخيل في الجسد، كمثال على كيف يمكن للجسد أن يصبح غريبا عن نفسه. النص الشعري يقدّم رؤية مماثلة لكن أكثر شمولا: الجسد كلّه يصبح “دخيلا” على الذات، وألمه هو الدليل الأنطولوجي على هذه الغربة الداخليّة.

أنطولوجيا الوعي الجريح

  • الوعي كمشهد انشطاري

إذا كان الجسد قد خان، فالوعي قد جُرح، وهذا الجرح ليس جرحا عابرا بل هو شرخ أنطولوجي: “انتبَهْتَ لجُثةِ الراوي -أناكَ- يُحاوِرُ الجاثومَ”. هنا ينشطر الوجود إلى ثلاثة كيانات منفصمة: “الراوي” (الذات المتكلّمة، الوعي السارد)، “الجثة” (الجسد الموضوعي، الذات المتحدّث عنها)، “الجاثوم” (القلق الوجودي، اللاوعي المترصّد). هذه الثلاثيّة لا تمثّل مجرّد انقسام سايكولوجي، بل هي انشطار في صميم الكينونة. الفيلسوف الألماني «مارتن هايدغر» في «الكينونة والزمن» يميّز بين “الوجود الحقيقي” و”الوجود غير الحقيقي” للكائن الإنساني، لكن النص الشعري يقدّم انشطارا أكثر تعقيدا: الذات لا تنقسم إلى حقيقي وغير حقيقي، بل إلى كيانات متحاورة ومتنافرة في آن.

الحوار مع “الجاثوم” (الكابوس، الرعب الليلي) هو البحث عن “مُتنفّسِ الأشياءِ، عن بابٍ لنارِ الصدِّ بعدَ الجنّةِ الأولى”. الوعي الجريح هنا لا يبحث عن حلول، بل عن “متنفّس”، عن فتحة للتنفّس الوجودي. “الجنّة الأولى” هي حالة الوحدة البدئيّة بين الذات والعالم، بين الجسد والوعي، التي فقدت إلى الأبد. البحث عن “باب لنار الصدّ” هو بحث عن حرارة العلاقة بعد فقدان البراءة الجنينيّة الأولى. الوعي الجريح هو وعي يعرف أنّه فقد “الجنّة” ولا يجد سوى “نار” العلاقة المتوتّرة مع العالم.

  • الوعي كمساحة للتأويل المرضي

ينقلنا النص إلى مستوى آخر من جرح الوعي: “عافَكَ يا نَبيَّ الضوءِ نصْفُكَ غارقاً في نزْعةِ التأويلِ”. “نبي الضوء” هو الوعي المتنوّر الذي يفترض أنّه يضيء الظلمات، لكن نصفه “غارق”. الغرق هنا هو في “نزعة التأويل”، أي في الهوس بتفسير الوجود وفهمه. الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» في «هكذا تكلّم زرادشت» يحذّر من أنّ “الله مات”، وأنّ الإنسان يحتاج إلى خلق قيمه الخاصّة، لكن النص الشعري يذهب أبعد: ليس الله هو الذي مات، بل قدرة الوعي على خلق المعنى قد غرقت في وحل التأويل. “نزعة التأويل” تصبح مرضا أنطولوجيا (عافك)، لأنّها تحوّل الوعي من كائن فاعل إلى كائن غارق في محاولة فهم لا تنتهي.

هذا الجرح التأويلي يتجلّى في علاقة الوعي باللّغة: “باحثاً عن فُسْحةِ المعنى وتسجنُهُ الحروفُ”. اللّغة التي يفترض أنّها أداة الوعي للتعبير عن ذاته وفهم العالم، تصبح سجنا. الحروف “تسجن” فسحة المعنى. هذه الفكرة تلتقي مع تحليل الفيلسوف الفرنسي «جاك دريدا» في «عن علم الكتابة»، حيث يرى أن الكتابة – واللّغة عامّة – تؤجّل المعنى بدلا عن تقديمه. لكن النص الشعري يضيف بعدا أنطولوجيا: السجن ليس لغويّا فحسب، بل هو سجن للكينونة ذاتها. الوعي الجريح هو وعي يعرف أنّ أداته الأساسيّة (اللّغة) قد تحوّلت إلى سجّان.

أنطولوجيا الاغتراب الشامل

  • الاغتراب كحالة وجودية شاملة

من الجسد الخائن والوعي الجريح، يولد الاغتراب ليس كمفهوم سايكولوجي، بل كحالة أنطولوجية شاملة: “تسهر كلّما ناموا لتأكلَ طعْمَ جوعِكَ يا صديقَ اللامَكانِ”. “اللامكان” هنا ليس مجرّد غياب للموقع الجغرافي، بل هو حالة وجوديّة: الوجود في لا مكان، الوجود بلا موطن أنطولوجي. الفيلسوف الفرنسي «ألبير كامو» في «أسطورة سيزيف» يتحدّث عن “العبث” كفجوة بين رغبة الإنسان في المعنى وعالم لا معنى له، لكن النص الشعري يقدّم شكلا أكثر جذريّة: الوجود في “اللامكان” هو وجود بلا حتى إمكانيّة للموطن.

هذا الاغتراب يمتدّ إلى علاقة الذات بالزمن: “أدركَكَ المَغيبُ بخطْوةِ الخمسينَ”. “المغيب” ليس وقتا من اليوم، بل هو لحظة أنطولوجية: إدراك الغروب الوجودي، بداية النهاية. “الخمسون” هي العتبة التي يتحوّل فيها الزمن من إطار محايد إلى قوّة فاعلة في تشكيل الكينونة. الفيلسوف الفرنسي «هنري برغسون» في «التطوّر الخلّاق» يميّز بين الزمن الكمي (الوقت المقاس) والزمن النوعي (الديمومة)، لكن النص الشعري يقدّم زمنا مختلفا: زمن “المغيب”، زمن الإدراك المتأخّر للفناء الذي كان يحدث طوال الوقت.

  • الاغتراب كضيافة مؤقّتة

في خضم هذا الاغتراب الشامل، يقدّم النص صورة نهائيّة تحمل رؤية أنطولوجية مكثّفة: “أنا وأنتَ وجرحُنا الدامي ضيوفُ”. هذه العبارة الأخيرة لا تمثّل تفاؤلا ساذجا، بل هي اعتراف أنطولوجي بوضعيّة الوجود الإنساني: نحن “ضيوف” في هذا العالم، وإقامتنا مؤقّتة، و “الجرح الدامي” هو جواز سفرنا المشترك. الفيلسوف الألماني «مارتن هايدغر» يتحدّث عن الوجود-بالموت كخاصيّة جذريّة، لكن النص الشعري يضيف بعدا علائقيّا: فنحن لسنا فقط كائنات-بالموت، بل نحن “ضيوف” بالجرح المشترك.

الضيف لا يملك المكان الذي يقيم فيه، ولكنّه يُستضاف. الوجود الإنساني في هذه الرؤية هو استضافة مؤقّتة في عالم لم نختره. “الجرح الدامي” هو ما يجعلنا نستحقّ هذه الاستضافة، أو هو الثمن الذي ندفعه مقابلها. الفيلسوف الفرنسي «إيمانويل ليفيناس» في «الكلية واللانهاية» يتحدّث عن “وجه الآخر” الذي يطالبنا بالمسؤوليّة، لكن النص الشعري يقدّم رؤية أكثر تراجيديّة: الوجوه كلّها مجروحة، والمسؤوليّة مشتركة تجاه هذا الجرح المشترك.

الخمسون كاستعارة أنطولوجية

“خطوة الخمسين” في نص دخيل الخليفة تتجاوز بكثير الإشارة العمرية لتتحوّل إلى استعارة أنطولوجية للوعي بالزمنية كحدّ وجودي. إنّها اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أنّه “ساحر فقد الوقوف وخانته العكاز”، أي الكائن الذي فقد السيطرة على أدوات وجوده. الجسد الذي كان موطنا يصبح خائنا، والوعي الذي كان منارة يصبح جريحا، والوجود الذي كان موطنا يصبح اغترابا.

ولكن في قلب هذه الأنطولوجيا المظلمة، يبقى أمل أنطولوجي خافت: “للصمْتِ صوتٌ يغْسِلُ المَعْنَى المُشوّهَ في المَخاضِ المُرِّ”. الصمت هنا ليس غيابا، بل هو “صوت” آخر، صوت ينظف المعنى المشوّه. في عالم تخونه اللّغة وتخونه الأدوات، يبقى الصمت كملاذ أنطولوجي أخير. والقصيدة نفسها، بهذه القراءة، هي محاولة لتحويل هذا الصوت الأنطولوجي إلى كلمات، لتحويل الاغتراب إلى شعر، والجرح إلى بيان وجودي.

هكذا تتحوّل “خطوة الخمسين” من منعطف عمري إلى عتبة أنطولوجية، ينتقل فيها الإنسان من الوجود الساذج إلى الوعي المأساوي بجسد خائن ووعي جريح، ولكن أيضا إلى إمكانيّة جديدة للوجود: وجود الضيف الذي يحمل جرحه كشهادة على إنسانيّته الهشّة والمؤقّتة في هذا العالم.


هوامش:

1. هايدغر، مارتن، الكينونة والزمن (1927)

2. سارتر، جان بول، الوجود والعدم (1943)

3. ميرلوبونتي، موريس ظاهرة الإدراك (1945)

4. نانسي، جان لوك، الاقتحام (2000)

5. دريدا، جاك، عن علم الكتابة (1967)

6. كامو، ألبير، أسطورة سيزيف (1942)

7. ليفيناس، إيمانويل، الكلية واللا نهاية (1961)

8. برغسون، هنري، التطوّر الخلّاق (1907)

9. نيتشه، فريدريك، هكذا تكلّم زرادشت (1883)

دخيل الخليفة

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.