اللوحة: الفنان النمساوي كيرت هيبك
انفرد الخليفة العباسي برئيس شرطته، وقال له: سأطرح عليك سؤالًا، ولن أقبل منك غير الصدق.
قال رئيس الشرطة: الصدق يحتاج إلى أمان، يا أمير المؤمنين.
فقال الخليفة: لك الأمان.. كنتَ رئيس الشرطة في خلافة والدي، ثم أخي رحمهما الله. وكان عهدهما قويًا مستقرًا، بينما عهدي – كما ترى – مضطرب، والحيرة تحيط بي. فلماذا لم يكن عهدي كعهدهما؟
قال رئيس الشرطة: أخوك استعان بعمّال وبطانة من أشراف بطون الناس؛ فكان العامل منهم، إن ضعف ضميره، نظر إلى شرفه وأصله، فاستقام خوفًا عليهما. كان يحرص على بياض اسمه، ويخشى أن تلطّخه بقعة غدر، ويهاب أن يُعيَّر به قومه إن خان أو ظلم؛ فصلحوا وأصلحوا، وقويت قبضة الحكم، ورضي الناس.
أما أنت، فقد استعنتَ بأغمار لا أصل لهم يردعهم، ولا شرف يخشون عليه الملامة. استعملتَ على الناس من هو غريب عنهم، يترفّع عنهم ويقسو عليهم؛ فانتشر الظلم، ودبّ الشقاق، واضطرب الأمر، وضعفت قبضة الحكم.
ثم قال كلمته الأخيرة: يا أمير المؤمنين… الأصل ضميرٌ ثانٍ.
أطرق الخليفة رأسه، وقد أدرك خطأه؛ لكن ليس كل خطأ يُمنَح فرصة الاستدراك.
***
لم تكن هذه الحكاية استثناءً أخلاقيًا في التاريخ، بل تعبيرًا مكثفًا عن قاعدة إنسانية تتكرر كلما أُمعن النظر: إن الإنسان لا يردعه القانون وحده، بل تردعه صورته في عيون من ينتمي إليهم. هكذا فُهِم سرّ اختيار الولاة حين كان يُقدَّم من له أصل يُستحيا منه؛ لأن الخوف من العار أبقى من الخوف من العقوبة. وحين انفصلت السلطة عن المجتمع في أواخر الدول، تحوّل السيف من أداة حماية إلى عضو غريب يبطش بالجسد الذي يحمله. الفكرة نفسها تتردد في الأدب والسينما: حيث تُحمَّل الأسماء والسمعة مسؤولية الفعل ينضبط السلوك، وحيث يُفصل الإنسان عن جذوره يصبح الشر ممكنًا بلا كراهية، ويغدو مجرد إجراء.
***
فلسفيًا، لا يعمل الضمير بوصفه صوتًا داخليًا خالصًا، بل كصدى لعلاقة الإنسان بذاته في مرآة الآخرين والتاريخ. فالإنسان لا يخشى الفعل لأنه شرٌّ مجرد، بل لأنه قابل لأن يُروى ويُحاكم في الذاكرة العامة. وحين يُختزل الفرد إلى وظيفة بلا سياق، ويتحوّل إلى أداة بلا اسم، يتلاشى الشعور بالمسؤولية، ويغدو الشر عاديًا، يُمارَس بلا حقد وبلا شعور بالذنب. وفي المقابل، فإن من يرى نفسه حلقة في مسار أطول منه، يتصرف وكأن الماضي يراقبه والمستقبل سيحاسبه؛ فينشأ الضمير لا من الخوف، بل من ثِقل المعنى. لذلك لا يكون الأصل امتيازًا اجتماعيًا، بل شرطًا نفسيًا للأخلاق، وضميرًا يعمل حتى حين تصمت القوانين.
***
حين يتقدم شاب لفتاة، تتبادل الأسر الاستعلام عن بعضها. فالولد أو البنت خرجا من بيت وأسرة وعائلة، وهذا له اعتبار كبير؛ فحين يتأكد أن الأب والأم والعائلة متماسكة ولها تأثير على أبنائهم وبناتهم، يتم الزواج بترحيب، لأن الطرفين يطمئنان إلى من يتدخل عند الخلاف، مهما كانت درجته. وقد ذكر القرآن الكريم هذا المبدأ عند الحديث عن الحكم بين الزوجين: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا» (النساء: 35)
المرجع هنا يوضح أن وجود الأصل والضمير، ممثلًا في الأسرة، هو ما يضمن الاستقرار، ويختلف تمامًا عن من يتسرع في الزواج ممن لا يُعرف أصلهم، إذ قد يكون خارج السيطرة حين يدب الخلاف أو يضعف الضمير.
***
جلس أحد الوزراء على يمين أمير المؤمنين، في مجلس يستمع فيه لشكوى العامة من الشعب، وقف أحد الناس وقال يا أمير المؤمنين إن وزيرك فلان “وأشار للوزير على يمينه” قد أخذ مني قطعة أرض دون وجه حق، ووصف حديقة شديدة الخصوبة وغالية الثمن.
نظر أمير المؤمنين إلى الوزير وقال له: قف بجانبه يا أبا فلان كي أحكم بينكما.
فقال الوزير: ليس بيني وبينه خصومة، الحديقة التي يطلبها هي له، ولا أقوم من يمين أمير المؤمنين من أجل قطعة أرض.
هذه القصة في العصر العباسي الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية هي درة الدنيا بلا منازع، حضارة يشتكي أحد العامة وجيها، فيقف مساويا له للحكم في المنازعة، هذا في زمن كانت شعوب بالكامل مستعبدة للإقطاع من النبلاء في أوربا وأسيا.
هذا نموزج للترفع والحكمة من هذا الوزير، الذي يدرك أن للوجاهة ثمنا غاليا، ومنزلة يشينها الانحدار إلى أفعال الصغار بمنازعته العامة حتى لو كان عن حق.
ذكرني هذا بزمن بدايات استفحال الدروس الخصوصية في مصر، ثم جاء وزير للتربية والتعليم، فأظهر محاربته لها، فأنشأ مجموعات تقوية في المدارس بعد الدراسة، كان يصله نسبة تقتطع من كل درس في المجموعات على مستوى الجمهورية، حتى أن بعض المديرين كانوا يصطدمون بأزمة أول كل شهر، عندما ينقص الدخل عن عدد المدرسين، فكانت المشاحنات والمساومات مع المدرسين الذين يتفاوتون، بين من لا يعطي دروسا لأن مادته فرعية، وبين الذين عليهم دفع نسبة أكبر للمجموعات لسد النقص، تعويضا عن الزوغان من المدرسة لمباشرة دروسهم الخاصة.
فقد كان الوزير مثلا للوجاهة عندما ترتزق على العامة وتتلقى إتاوة عن كل رأس من المدرسين.
***
ولعل أخطر ما يميّز عصرنا أن السلطة لم تعد تحتاج إلى قسوة صريحة كي تُفسد، بل يكفي أن تُدار بأيدٍ بلا ذاكرة. ففي كثير من مؤسسات اليوم، تُتخذ قرارات تمسّ مصائر الناس بواسطة أشخاص لا يرون في الموقع سوى محطة مؤقتة، ولا يشعرون أن أسماءهم ستبقى ملتصقة بما يفعلون. هنا لا يُمارَس الظلم بدافع الشر، بل بدافع البرود؛ إذ يتحول القرار إلى إجراء، والإنسان إلى ملف، والخطأ إلى سطر يُغلق دون أثر. في هذا السياق نفهم لماذا كان الانتماء، عبر التاريخ، عنصر ضبط لا عنصر تعصّب: لأن من يشعر أن اسمه سيبقى، يتردد ألف مرة قبل أن يُسيء، بينما من لا يتوقع أن يُذكَر، لا يرى سببًا للخجل.
***
ويقدّم التاريخ العسكري مثالًا بالغ الدلالة على توظيف الانتماء في موضعه الصحيح. ففي إحدى المعارك التي قادها خالد بن الوليد رضي الله عنه، أصاب الجيشَ المسلمَ ارتباكٌ وتعسّر عليه الحسم، وبدأ التماسك يتفكك. عندها أمر خالد كل قبيلة أن تنادي على أبنائها، وأعاد تنظيم الجيش بحيث تقاتل كل قبيلة في كتلة واحدة وعلى جبهة واضحة، ثم قال: «سنعرف من أين نؤتى». لم يكن يقصد مجرد تحديد ثغرة عسكرية، بل تحميل كل جماعة مسؤولية موقفها؛ فالجبهة التي تتقهقر سيُعرف منها اسم القبيلة، وسيظل هذا الاسم مقرونًا بالهزيمة. وهنا تحوّل الانتماء من رابطة نسب إلى ضمير عملي، يخشى العار أكثر مما يخشى السيف؛ فقاتل الناس دفاعًا عن أسمائهم قبل أن يكون دفاعًا عن أنفسهم، واستعاد الجيش تماسكه، وحُسمت المعركة. لقد أدرك خالد أن الرجل الأصيل، كما يخشى أن يُلطّخ اسمه، يخشى المنتمي أن يُقال يومًا إن جماعته كانت موضع الجبن أو الفرار.
***
وفي بعض المجتمعات التي ترتبط بسلطة اجتماعية قوية أو تراث مشترك، يكتشف المرء أن الغياب عن الأرض الأصلية يكشف مدى تأثر السلوك بالبيئة. فعندما يسافر الشباب بعيدًا عن أهله وأصدقائه، أحيانًا يفقدون الانضباط الذي كان يحكم تصرفاتهم، ويتصرفون بحرية لم تعهدها مجتمعاتهم، غير مدركين أن الأصل والارتباط بالمكان كان بمثابة ضابط للضمير. وهذا لا يدل على ضعف الفرد، بل على قوة الرابط بين المجتمع والأهل، الذي يظل عاملًا خفيًا يوجّه التصرفات ويوازنها حتى حين يغيب الرقابة الرسمية. ومن هنا يُفهم أن الضمير لا يعمل بلا أصل، وأن الإنسان حين يغيب عنه رابطه يختبر الحرية بطريقة قد تقوده إلى فقدان الاتزان.
***
وهكذا يتضح أن الأصل ليس ماضيًا يُتفاخر به، بل ضميرًا يعمل حين يغيب الرقيب، ويستيقظ حين توشك الجماعة على السقوط؛ فالدولة لا تسقط حين يكثر الفاسدون، بل حين يحكمها أناس لا يشعرون أن أسماءهم ستُذكَر.
«الأصل حاضر، والضمير يقوى؛ يغيب الأصل، ويغيب الضمير.»
