د. قصي الشيخ عسكر

تقدّم الروائيّة سعاد الراعي لروايتها بمقدمة ملحميّة نجده تقديما ضروريا يسبق ما بعده من أحداث تالية حملها إلينا السّرد إذ كانت تلك الأحداث نتيجة للمقدمة الأولى.
الرواية تبدأ بالموت وتعج في الوقت نفسه بالحركة.
وقد أرادت من هذا النفس الملحمي أن تقول إنّ الوصف القادم سيكون غير عادي لأنّ ما يجري هو شيء عظيم نتيجة للحدث العظيم الذي ابتدأنا به.
والحدث هو مصرع الرئيس لم تذكر من هو الرئيس ولم نعرف المكان لكن الإبهام أحيانا يكون أكثر فصاحة من الجهر لينطق عن الشخص والمكان..
(لم يكن مقتل الرئيس مجرد حدث سياسي عابر)
البداية كانت كذلك ولم تكتبها السيدة الراعي بشكل أفقي بل جاءت بترتيب عمودي كلّ سطر بكلمة واحدة:
لم
يكن
مقتل
الرئيس
بدأت الرواية بحرف نفي تَكَوَّن من حرفين أعقبتها تلك البداية عموديا كلمة من ثلاثة أحرف هي (يكن) ثم كلمة من أربعة فستة أحرف، في تنام ذات دلالة على أن ّ الوقائع تكبر بحجم الكلمات، وإنّ ما رأيناه يشكّل نصف جملة بدأت بالنفي ليأتي بعدها نصفها الآخر الأفقيّ فيحدد الإطار الملحميّ لمجريات الأحداث:
(مجرد حدث سياسي عابر).
قلنا إنّه حدث ملحمي لأنّ القتيل فيه هو أعلى سلطة في البلد فإذا ما سقطت السلطة العليا مهما كانت، فإن الفوضى تنبثق فجأة من دون وازع ولا رادع.
بل كان الشرارة الكامنة
ومن خلال الرّابط (بل) نستطيع أنْ نرتِّب الوضع في أذهاننا من هياج إلى بركان أعلى ومن حوادث إلى فوضى ومن قسوة إلى تمزّق.
وحين ننتقل إلى منتصف الرواية وهو خطّ تشابك الأحداث يُعْلن عن موت البطلة لتسير الرواية بعدها ببطلة حيّة مقتولة (اغتنمت اللحظة. دفعت نفسها إلى حافة السرير محاولة الهرب محاولة النّجاة ولو بفرصة ضئيلة لكنّ جسدها لم يتجاوز السرير رأته ينتزع المسدس من حزامه بحركة يأس وحقد تفوّقا على الألم الذي سببته له. لم تنتظر روحها سوى ثانية واحدة…)
وإن كنت لا أريد أن أستبق الأحداث نجد أنّ الرواية تنتهي بموت فظيع أيضا يتعلق ببطلة الرواية التي تمثل مجتمعا بكامله ينهار بعد مصرع الرئيس. إنّها البطلة حياة التي يموت والدها فيأتي عمها الشرطي زمن الرئيس السابق فيعتدي على أمها ويتزوجها ثمّ يعتدي عليها وينقلب بعد مصرع الرئيس من شرطي يعمل لدى النظام القديم إلى زعيم إحدى العصابات التي تستغل الوضع الجديد وتدخل في صفقات منها بيع ابنة أخيه إلى مسلح يغتصبها ثم يبيعها إلى آخرين. وعندما تُنَقل البطلة حياة إلى المشفى يأتي متسللا إلى حجرتها ليستعيدها.
من خلال اللمحة التي طالعناها نرى أنّ الكاتبة استطاعت أن تنقل بدقة ملامح فترة صعبة مر بها البلد أو أيّ بلد كان من خلال اعتمادها على ركائز سرديّة موحية نشير إلى بعضها في النقاط التالية:
1. الوصف الخارجي الذي سُخر في العملية السردية تَنَاسق تماما مع الوصف الداخلي، لدينا مثال على ذلك هو المشاهد التي قاومت فيها البطلة عمها في أكثر من موقف كانت الكلمات تعبر عن أعماقها الداخلية ونفسيتها وأفكارها حتّى تسقط منتصرةً في آخر صراع لها مع عدو شرس لا يعرف الرحمة.
2. ظهور البطلة البديلة وهي الممرضة (إيفا) التي حلّت لفترة معينة في المشفى لمعالجة المرضى والجرحى فقد توحّدت شخصيتها مع شخصية البطلة وأكملت دورها إذ يمكن أن اقول إن الممرضة هي نفسها البطلة التي انطلقت من قيود الأسر وسجن العادات. فمصرع البطلة خلق وعيا سيتمثّل في المستقبل بنساء جديدات على شكل إيفا، وهذه الفكرة يلخصها الجواهري بقوله:
لثورة الفكر تاريخ يحدِّثنا بأنّ ألف مسيح دونها صلبها.
3. توازي الأديان والمذاهب من غير صراع ولا عداء، من خلال الوصف ندرك أنّ البطلة (حياة) من مجتمع مسلم والممرضة من مجتمع مسيحي قد تكون من أصل آثوري لأنّها تتحدث لغة البلد إنها ضحية تنقذ أناسا بغض النظر عن دينهم فالعمق الرّوحي للرواية يسير باتجاه السلام الذي دعا إليه سيد السلام المسيح.
4. وإذا كانت الكاتبة قد رسمت صورة قويّة للبطلة فإنّها رسمت أيضا صورة سلبية للأمّ التي تقف مستسلمة للأحداث وهي صورة تكاد تكون حقيقيّة للمرأة في القرن العشرين في معظم الدول العربيّة مادامت غير مستقلة ماديا فهي تقع تحت رحمة الرجل لأنّها تعيش في مجتمع ذكوريّ بحت مازال يراها عورة لا يسترها إلّا الرّجل.
5. إنّ الكاتبة تنطلق من هموم محليّة لا تبقيها في محليتها بل تجعل من تلك الهموم همًّا مشتركا بيننا وبين الشعوب الأخرى فالمكان غير المحدد والزمان الغامض وظهور التيارات التي تتاجر بالدّين لن يمنع القارئ من أن يؤوّل أحداث الرواية وملامحها بانها قد جرت في بلده سواء أكان عراقيًا أم مصريّا أم تونسيًا ام ليبيًا أو من أيّ بلد كان.
في الختام لا بدّ من أن نقول كلمة حق هي إنّ رواية (الحرز) تستحقّ! القراءة بامتياز.