ترجمة: فاطمة محمد وأحمد عوف
اللوحة: الفنان الإندونيسي كاسيه نايجارو
كان شخصًا رقيقًا ولطيفًا. عيناه قريبتان من بعضهما. هذا يعني الخداع. حاجباه ملتحمان فوق أنفه. هذا يعني الطبع العنيف. أنفه طويلٌ ومدببٌ. هذا يعني فضولًا نَهِمًا. شحمتا أذنيه غليظتان. هذا يعني الميل إلى الإجرام.
سُئِلَ “لماذا لا تختلط بالناس أكثر؟” نظر إلى نفسه في المرآة وتأمل نحتة جلده القاسية حول فمه، وقال “أنا لست إنسانًا صالحًا”. دفن نفسه في كتبه. لكنه اضطر للخروج بين الناس لشراء كتاب جديد، بعد أن انتهى من قراءة الكتب التي لديه. قال في نفسه “آمل أن لا يحدث أي أذى” وخرج إلى العالم.
اقتربت سيدة منه وطلبت أن يفكّ لها ورقة نقدية. وبسبب معاناتها من قصر النظر، كانت تضطر إلى تفقد العملات في يديها عدة مرّات. العقرب فكّر في عينيه، وكونهما قريبتين من بعضهما أعرض عن فكرة خداع السيدة ومضاعفة أمواله.
في الترام، داس شخصٌ أجنبي على قدميه وسبّه بلغة أجنبية. العقرب فكّر في حاجبيه وكونهما ملتحمين فوق أنفه واعتبر هذا الصياح، الذي لم يفهمه، طلبًا للاعتذار.
نزل من الترام، وفي الشارع صادف أمامه محفظة. العقرب فكّر في أنفه ولم ينحن إليها أو يلتفت لها.
في متجر الكتب وجد كتابًا كان يتمنى الحصول عليه. ولكن سعره كان مرتفعًا جدًا. إن حجم جيب معطفه مناسبٌ جدًا لحجم الكتاب. العقرب فكّر في شحمتي أذنيه وأعاد الكتاب إلى مكانه على الرف. أخذ كتابًا آخرَ. وعندما أراد أن يدفع ثمنه، ندب أحد مُحبي الكتب بالمتجر حظه قائلًا “هذا هو الكتاب الذي كنت أبحث عنه منذ سنين. الآن يشتريه شخصٌ آخر غيري”. العقرب فكّر في نحتة جلده القاسية حول فمه وقال “خُذ الكتاب. أنا أتراجع عن شرائه”. مُحب الكتب كاد أن يبكي. ضم الكتاب بكلتا يديه إلى قلبه وابتعد. قال بائع الكتب بالمتجر “كان هذا الشخص زبونًا جيدًا. ولكن هناك شيئًا لكَ أنتَ أيضًا”. سحب كتابًا من على الرف، الكتاب الذي كان العقرب يتمنى الحصول عليه. العقرب لوّح قائلًا “لا أستطيع تحمّل ثمنه”. قال البائع “بلى، تستطيع، حُبٌ يساوي حُبًا. ضع الثمن المناسب لكَ”. العقرب كاد أن يبكي. ضم الكتاب بكلتا يديه بقوة إلى قلبه، ولأنه لم يكن لديه شيءٌ ليعطيه في المقابل، مد إبرته اللادغة ليصافح البائع. البائع صافحه بحفاوة وسقط ميتًا.

كريستا راينيغ (1926 – 2008) شاعرة وقاصة وروائية وكاتبة مسرحية ألمانية. ولدت ابنة غير شرعية لعاملة نظافة عازبة، وعاشت حياة قاسية. عملت بائعة للزهور، وفي أحد المصانع، وفي الخمسينيات درست تاريخ الفن وعلم الآثار بعد أن أتممت دراستها المدرسية في مدرسة ليلية. بدأت حياتها المهنية والأدبية في برلين الشرقية، ونشرت أولى قصصها القصيرة عام 1946، ومنُعت من النشر في أوائل الخمسينيات. انتقلت للعيش في برلين الغربية عام 1964، واستقرت في ميونخ. وفي السبعينيات أفصحت علنًا عن توجهها المثلي. أصيبت بمرض “بختيريف” وهو نوع من التهاب المفاصل طويل المدى، وفي عام 1971 تفاقم وضعها الصحي بعد أن كُسر عنقها إثر سقوطها من الدرج، وأصبحت عاجزة عن الحركة، ولم تستطع استخدام الآلة الكاتبة إلى أن تم تصميم نظارة مخصصة لها مكنتها من ذلك، فأتممت كتابة روايتها الأولى. عُرفت كريستا بـ”المتمردة” لأنها اتبعت أسلوبها الأدبي الخاص، الذي اتسم بالفكاهة السوداء، والسخرية، والبساطة الشديدة، واستخدام الميتافيزيقيا.