مع العقاد في مكتبته

مع العقاد في مكتبته

د. عوض الغباري

صور المفكر العظيم “عباس محمود العقاد” مكتبته ورؤاه النقدية في الفكر والفن والأدب في كتاب رائع بعنوان: “في بيتي”، وكأنه ربط حياته في بيته بمكتبته وعالمه الثقافي. وقد نشر هذا الكتاب في سلسلة “اقرأ” بدار المعارف في مصر؛ تلك السلسلة التي كان لها أثرها الكبير في إثراء المعارف من خلال كتبها صغيرة الحجم، كبيرة الأهمية من حيث تشكيلها للوعي الثقافي المعاصر. افتتح “العقاد” الكتاب معبرا عن حبه للنور رمزا للمعرفة والحياة، وارتباط ذلك بشخصيته العلمية والإنسانية. والشاعرية سمة أسلوبية للعقاد، وهو يصف النور، وأثره في الروح والقلب والوجدان. كما أنَّ من سمات أسلوب العقاد اتجاهه الفلسفي التأملي، يتجلى في قوله: “إن الأرواح تخف في النور كما تخف الأجساد في الماء”.

ويقول شعرا:

النور سر الحياة    

النور سر النجاة

ويمضي العقاد في هذا الكتاب طارحا آراءه وأفكاره ورؤاه الثاقبة في مناحي الحياة والفن والثقافة بشكل حوارى نابض بالتفاعل بينه وبين القارئ، إذ عادة ما تبدأ فقرات الكتاب بقال صاحبي وقلت. والأرض، إذ يفيض نورها، سعادة للروح، يقول العقاد:

إذا فاض بها النور هزت قلوبنا                     

سعادة روح ليس يعرفها الجسم

والنور – عند العقاد – من عالم الروحانيات، وهو سر الأسرار.

النور مدار الكون، وهو النور الإلهي: “قل إن الكون نور، قل إن الله نور السموات والأرض”.

وتتوالى الصور الرائعة للنور شعرا ونثرا معبرة عن روعته في الأنظار، وبهجته في الأرواح يراه “العقاد” عالما سرمديا.

والكتاب مع تنوع موضوعاته لا ينقسم إلى فصول، وإنما يمضي دفقات من أوله إلى آخره. ويجسد العقاد الكتب حاضرة الأرواح جياشة الحركة بحياة مؤلفيها.

وكتابات العقاد – ممثلة في هذا الكتاب- تناصات باذخة المعرفة من الشرق والغرب قديما وحديثا. ويرجع هذا إلى الطبيعة الموسوعية لمكتبة العقاد “شعر وتاريخ وفن ودين وسير وطبائع حشرات تصاحبها طبائع عظماء..” وغيرها. وعلى هذا التنوع والغنى نمضي مع العقاد في مكتبته.

ويتصور العقاد لقاء الشعر بالدين حين يعبر الشاعر عن نفسه، ويريك جمال الخالق في خلقه.

ويفضل العقاد قراءة ديوان شعر أو كتاب على قراءة قصة. ويقر بعبقرية بعض كُتَّاب القصة، إقراره بالاختلاف في هذه القضية.

لكنا لا نقر تفضيل نوع أدبي على آخر، بل نرى أن كل نوع له خصوصيته، وأثره في المتلقي الذي يختاره. والنظرة إلى الأنواع الأدبية يحسن أن تكون نظرة تكامل لا تفاضل. ويفند العقاد آراء الداعين إلى الشيوعية، ويحمل عليها حملة فكرية تؤدى إلى بيان عوارها من وجهة نظره. وربما كان غروب الشيوعية في العالم الآن مصداقا لما رآه العقاد من سلبياتها مع سطوتها آنذاك. وقد رأى العقاد أن الشيوعية تنظر إلى الإنسان باعتبار حاجته إلى الطعام فقط متجاهلة حقه في حريته الفردية.

ومع أن كثيرا من القضايا التي تطرق إليها “العقاد” في هذا الكتاب قد مضى عليها زمن طويل، فإنها لا تزال تحمل قدرا كبيرا من المصداقية والأصالة لغوص العقاد –الفيلسوف- على الكليات التي يستنبطها من الجزئيات لتنتظم في قانون عام.

ويهتم العقاد بالبواعث النفسية في تحليله للمذاهب وللشخصيات، وقد كان حفيا بالمنهج النفسي في تحليله للعباقرة في كتبه عنهم، ولشخصية أبى نواس، وابن الرومي، وغيرهم. و”التعاون” – في نظر العقاد- حل للمشكلات الاجتماعية والسياسية وغيرها لتحقيق الطبيعة الإنسانية في حياة الأفراد والجماعات. والعوالم المختلفة للكتب تفسير للكون، وترتيب للحياة.

وفلسفة الحياة تؤدى إلى أنَّ الوجود الكامل الأمثل هو الله.

ومن فلسفة العقاد قوله الحكيم: “لا عذاب للنفس أنكأ لها من شعورها بالنقص، ولا نعيم لها أنعم من شعورها بالرضوان”.

ويرى العقاد أن الفنون هى تعبير الأمم عن الحياة. وكتاب “في بيتي” للعقاد هو عرض لمكتبته، وما تحويها من علوم وفنون وكأنه جعل هذه المكتبة بيته.

وهو يستقطر خلاصة هذه الكتب، ويستلهم منها ما يتوافق مع رؤاه وفلسفته، ويدافع عن آرائه بالمنطق والحجة الدامغة، ويناقش خصوم رأيه في وضوح وحسم مستندا إلى ثقافة غزيرة ورأى سديد وقدرة فائقة على الإقناع.

والعقاد في بيته أو بالأحرى في مكتبته لا يحاور صاحبه في تفاصيل الكتب، بل يكتفي بعناوينها لإثارة النقاش في جواهرها.

ويشغل ركن الشعر والشعراء ربع المكتبة كما أشار العقاد، مقررا أن الشعر ليس قولا دون عمل “وأنه لم توجد قط أمة عرفت كيف تعمل إلا عرفت كذلك كيف تقول”، وذلك ردا على صاحبه الذي رأى أننا – نحن الشرقيين- شبعنا من الاحتفاء بالشعر الذي يعد – في نظره- فضولا من القول يفضله العمل.

ويحب العقاد من الشخصيات المشهورة صاحب الجد والكفاح ونبل السليقة وقلة الاستخفاف. ويتنوع أثر الموسيقى بتنوع الأذواق، ومنها – في نظر العقاد- موسيقى الروح، وهى التي تخاطبنا من منبر الإلهام. أما عظماء البطولة الإنسانية فإنهم لا يوزنون بغير الصفة العليا التي تتجلى في البطولة، وهي الإيثار. ويرى العقاد أن الليل هو عالم النفس، أما النهار فهو عالم العيون والأسماع والأبدان.

والعقاد رومانسي حين يصف الليل بقوله: “ذلك الصمت السابغ على الكون هو شيء لك أنت وحدك، رهين بما تملأه به من خيالك وفكرك، ومن ضميرك وشعورك”.

أما العطف على الحيوان فدليل على النزعة الإنسانية. وينظر العقاد، الناقد الأدبي، إلى ابن الرومي الشاعر المتشائم نظرة متفردة، فيجعله وحيد شعراء العالم من مشرقه إلى مغربه ومن قديمه إلى حديثه في ملكة “الوعي والتصوير”.

لقد صحبنا العقاد – بهذا الكتاب- إلى واحة فكره، وخلاصة تجربته عبر مكتبته، وكتبه التي ألَّفها في بيته الذي يتمثل في وصفه ببيت الشاعر:

كم مر بي فيك عيش لست أذكره                    

ومر بي فيك عيش لست أنساه

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.