اللوحة: الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي
في عروض التنويم المغناطيسي، يختار المؤدي متطوعًا من الجمهور، يجلسه أمامه، ثم يثبّت عينيه فيه بتركيز كامل. لا يلبث المشهد أن ينتهي إلى سلبٍ مؤقت للوعي والإرادة. ذلك التركيز الحاد، العين التي لا ترمش، يصنع أثره العجيب.
يذكّرني هذا المشهد بحادثة عشتها صبيًا. كنت أتعلم قيادة الدراجة، أحاول حفظ توازني دون سقوط. بدأت السير في منتصف الشارع، وعلى جانبيه أعمدة إنارة متباعدة. كان خوفي الأكبر أن أصطدم بأحد تلك الأعمدة. وما إن ثبّتُّ بصري على عمودٍ بعينه، حتى شعرت كأن شعاعًا يخرج من عيني إليه؛ فإذا بي أنحرف نحوه في خطٍّ منحني، ثم أصطدم به وأسقط أرضًا.
المثير أنني لو تعمّدت الاصطدام بذلك العمود بهذه الدقة لما نجحت إلا بعد محاولات، لكن خوفي منه وتركيزي عليه جعلا الصدام يحدث بسهولة مذهلة. لقد استدعيتُ الحادث في خيالي، فوقع على أرض الواقع. ولو تجاهلت العمود، لكان احتمال الاصطدام شبه منعدم.
يعيدني هذا إلى موقفٍ آخر في مستهل حياتي الزوجية، بعد أن رزقني الله أطفالًا. لاحظت زوجتي أنني قاسٍ في معاملتي لهم: ضربٌ أحيانًا، وصراخٌ كثيرًا، على الرغم من كوني لطيفًا ومتسامحًا مع أطفال الآخرين. كان هذا التناقض محيّرًا.
قالت لي زوجتي يومًا: «في داخلك رعب من نموذج تربوي سيئ تخشى أن يقع فيه أولادك، وخوفك هذا قد يدفعهم إليه. أنت مثقف، لكنك لا تعرف معنى الطفل».
هزّتني كلماتها، خصوصًا حين لاحظت أن عناد أولادي يزداد، وأن خوفي من سلوكيات بعينها يجعلني أنبّههم إليها بإفراط، فأدفعهم – من حيث لا أشعر – لتبنّيها.
أدركت أنني أكرر ما فعلته مع الدراجة: أركّز بصري على ما أخشاه، فيزداد توتري، فتكون النتيجة حدوث الأسوأ. ثم صادف أن سمعت متخصصًا في التنمية البشرية يتحدث عن حيرة الآباء مع أبنائهم، فقال إن الأب حين يكتشف عادة سيئة لدى ابنه يكون أمام ثلاثة خيارات: إما أن يكون أبًا خبيرًا بالتربية، يفهم نفسية الأبناء ويقنع ابنه بترك العادة، وهو نموذج نادر؛ أو أن يتأرجح بين اللين والشدة حتى يصطدم بالابن، فتكون النتيجة عنادًا أشد وعلاقةً متدهورة؛ أو أن يوجّه بالكلمة اللينة الحكيمة دون إهانة أو ضغط، ويترك مساحة للاختيار، وفي هذه الحالة قد يكفّ الابن عن العادة أو يستمر، لكن العلاقة لن تسوء.
فتشت في نفسي، فوجدت أن خوفي على أولادي كان يدفعني إلى العنف، وإلى تلقينهم – من حيث لا أشعر – السمات التي أحذّرهم منها. فاخترت الطريق الثالث: صرت ناصحًا ومحاورًا، خففت الضغوط، وصادقت أبنائي، وكانت النتيجة مرضية.
ويحضرني هنا مثال أدبي بالغ الدلالة: قصة أنطون تشيخوف «موت موظف». بطلها الموظف إيفان تشيرفياكوف، الذي عطس مصادفة في المسرح، فظن أن عطسته أصابت قفا رجلٍ مهم يجلس أمامه. علم لاحقًا أن الرجل قائد مدني كبير. اعتذر إيفان مرة، ثم أعاد الاعتذار مرارًا – ست مرات خلال ليلة ويومين – رغم أن الرجل لم يكن قد أولى الأمر أي اهتمام. لكن الإلحاح الأخير فجّر غضب القائد، فوبّخه بحدة. عاد الموظف إلى بيته، استلقى على الأريكة… ومات.
لم يمت إيفان بسبب العطسة، بل بسبب خوفٍ لاحقه ببصره ووجدانه. لقد ركّز على رعبٍ لم يكن موجودًا في عقل الآخر، فكان الخوف قاتلًا.
وأخيرًا، أستدعي قصة قرأتها في كتاب «مائة طريقة لتحفيز نفسك» لستيف تشاندلر. يروي فيها عن مدرب كروي حفّز لاعبيه قبل مباراة مصيرية، فقال لهم: لو وضعنا لوحًا خشبيًا بعرض مترين وطول أربعة أمتار على أرض الغرفة، لعبَره الجميع بسهولة. لكن لو وضعنا اللوح نفسه على ارتفاع عشرة طوابق بين مبنيين، فلن يعبره إلا القليل وبمشقة؛ لأن التركيز سيتحوّل من عبور اللوح إلى الخوف من السقوط. النظر إلى الأسفل هو المشكلة.
ثم ختم المدرب: التركيز هو كل شيء؛ إما أن تركزوا على العبور، أو على السقوط. والانشغال بالجمهور، وتعليقاته، واحتمالات الفشل يشبه النظر إلى أسفل اللوح.
في هذا التشبيه تتجلى الفكرة: التركيز على الفشل هو نظرٌ دائم إلى الهاوية، وأنت تمشي فوق لوحٍ معلّق.
لا تستدعِ الفشل بتركيزك عليه. لكن الأعمق من ذلك أن الخوف ليس عدوًّا خارجيًا، بل طاقة ذهنية تبحث عن موضوعٍ تتجسّد فيه؛ فإذا لم تجد، خلقته.
نحن لا نسير غالبًا نحو ما نريده، بل نحو ما نحدّق فيه طويلًا. العين التي تثبّت خوفها تصنع قدرها، والعقل الذي يكثر التحذير يستدعي ما يحذّر منه. ليست المشكلة في وجود الأعمدة، ولا في اللوح المعلّق، ولا في احتمالات الخطأ؛ المشكلة في تحويلها إلى مركز الوعي. فحين يصبح الخوف بوصلة التفكير، يفقد الإنسان حريته قبل أن يفقد توازنه.
لا تجتمع سعادة وخوف؛ فالخوف نكد، ومرض الإنسان الأكبر. والقلق – مرض العصر – ليس إلا اسمًا آخر له. لاعب السيرك، وهو يسير على الحبل على ارتفاعٍ شاهق، لو خاف لحظةً لهوى. يخاف الإنسان على ابنه فيفقده أو يُتلفه، ويخاف على رزقه فينحرف سلوكه ويفقد شرفه، ويخاف على دينه فيصدّ الناس عنه ويُخرجهم منه أفواجًا.
وعند العربي لا شيء أغلى ولا أولى من الدين. وكما يفعل الأب في جوٍّ عاصفٍ مزلزل حين يجمع أبناءه حوله ويتضاعف خوفه عليهم، يعيش المسلم العربي – خصوصًا في زمن القفزات العلمية والفكرية والخلقية – مناخ طوارئ دائمًا، فتزداد حساسيته وقلقه على الدين. لكن هذه الحساسية، هل حفظت الدين حقًّا أم نفّرت الناس منه؟
يقول الله تعالى: ﴿وَإِن تَتَوَّلَوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: 38). لم يقل: يضعف الدين أو يتأثر، بل يستبدلكم بمن هو أولى به.
فالدين قويٌّ بذاته؛ الذي يضعف ويقوى هو من يحمله. لذلك لا تخف على الدين؛ الخوف منك وعليك. ألم نسأل أنفسنا: لماذا ينفلت الناس من الدين اليوم، مع هذا التمسك الشديد به من آخرين؟
الأب في بيته إذا أراد أن يُنبّه إلى خُلُق، فعليه أن يمارسه، وأن يعرّض به قولًا تصريحًا وتلميحًا، دون إلحاح أو تحويل اليوم كله إلى موعظة. فالتوجيه المباشر أقل أثرًا من القدوة، والإشارة أبلغ من الصراخ.
نحن نتحسّس الدين في كل وقت، ونتكلم عنه في كل وقت؛ فما المحصّلة؟ المحصّلة معروفة: قلّة الورع في السلوك، واستبدال ممارسة الدين بالكلام والجدال ولباس الدين، حتى ضاق المجال عن جوهره وأصله.
كفانا خوفًا وجزعًا على الدين. الدين متين، ولو كان قابلًا للهدم لما صمد قرونًا. لنتعرّض للأفكار بصدورٍ مفتوحة، ولنترك الارتعاش، ولنتخلَّ عن نفسية رجال الدين في العصور الوسطى؛ تلك النفسية التي قادت إلى خروج أوروبا من الدين، ومن الحمق ألا نتعظ بالتاريخ فنكرر الخطأ بلا عبرة.
إن أخطر ما يصيب الإنسان ليس أن يُهدَّد معتقده، بل أن يتحول الخوف عليه إلى عدسةٍ تشوّه المعنى، وتغلق الطريق إلى القلب والعقل معًا. فما هُزم الدين يومًا بقوة خصومه، بل بارتعاش محبيه.
