اللوحة: الفنان البولندي ستيفان كريجير
حين أحاول تجزئة حياتي، أقسمها نصفين غير متساويين.
الأول يمتد من الطفولة حتى ما بعد الشباب، حتى مشارف الخمسين… أغلب العمر.
والثاني: ما تبقّى من السنوات، وما بقي من الأيام.
في القسم الأول كنت رحلةً وراء رحلة. أطارد الرشد، أفرغ ساذجًا جهدي في طريق، ثم أنحني لأفرغه في طريق آخر. كنت في كل مرة أتوهم أنني اخترت الدرب الذي لا يسلكه إلا القليلون. لكن شيئًا ما في داخلي لم يهدأ. كانت البوصلة متوترة. لا الطريق يريح ضميري، ولا الطريقة تبشرني بثمرة.
كنت كمن يطبخ طبخة كاملة العناصر، ثم يضيف مكوّنًا غريبًا فيفسدها، أو ينسى عنصرًا جوهريًا فيُبطلها. شيء ما يناديني من بعيد: هناك خطأ… خطأ يُفسد كل شيء. ثم يأتي الواقع ليكرر الرسالة نفسها: الثمرة مثقوبة، ولهذا فمصيرها أن تتلف.
كنت كمن استلم رسالة، فتحها في ملل، ثم أغلقها. ينطلق بعدها في رحلة جديدة، وفي كل رحلة يشعر بالتيه، فيفتح الرسالة ثانية، يقرأ سطورًا قليلة… ثم يمل. النشاط العضلي أسهل من المجهود الفكري. الرحلة أسهل من الفهم. وهكذا تتوالى الرحلات، ويمر العمر، ولا ثمرة.
الحساب الحقيقي كان يأتي ليلًا، عندما أضع رأسي على الوسادة. يصمت كل شيء… إلا البوصلة. تصبح صاخبة وضبابية، ولا ترسل للخاطر إلا معنى واحدًا: الفوت.
ثم جاء القسم الثاني… مختلفًا كاختلاف الشقاء والسعادة. عرفت السبب. لم أعرفه بعقلٍ فقط، بل بتجرّد. كأنني تلقيته إلهامًا… أو كأنني لم أعد أقاومه. في الماضي، كنت كلما هممت بقراءة الرسالة، أفتح عينيّ وأغلق عقلي وقلبي. أما حين فتحت عقلي وقلبي معًا، دخلت الرسالة بلا شفرة، وتجردت، وانكشفت… وفهمت. ومنذ ذلك الفهم، صار الرقاد سلامًا. فالفهم دواء، لكن فقط لمن يطلبه بصدق، وبتواضع، وبلا هوى.
المدهش في هذا الوعي الجديد ليس الفكرة… بل المشاعر التي تصاحبه. حين كنت شابًا، كانت روحي مثقوبة بالخوف، والتردد، والهاجس، وبأحلام طائشة لا تعرف أين تهبط، ونقصٍ دائم في الرضا. ثقوب كثيرة جعلتني أخفّ مما ينبغي، أقل تماسُكًا من قوة الشباب التي يُفترض أن أمتلكها.
أما اليوم… فبعد أن انتبهت للحرية — حرية الاختيار، والتفكير، والقرار، والإنكار، وأن أكون أنا — شعرت كأن في داخلي عضلات جديدة نمت فجأة. عضلات معنوية. مفتولة. شابّة. عضلات ثقة، وإيمان، وحسم. عضلات تقاوم الانحياز، ولا تُستدرج عاطفيًا خلف التحيّزات الجاهزة. هذا النسيج الجديد من القوة جعلني في شيخوختي شابّ القلب، متحدّيًا، وواثقًا.
هذه المشاعر الجديدة — ابنة الوعي — تشبه الميلاد الثاني. أتخيل الإنسان مثل بيضة دجاجة: يُولد أصلًا داخل بيضة، وتصير حياته كلها داخل القشرة. يأكل، ويكبر، ويتحرك… لكن داخل الجدار نفسه. هذا حال أغلب الناس: تجري أعمارهم في عالم مغلق، يحسبونه الحياة، وهو مجرد قشرة. وقليلون فقط من يطرقون القشرة بمنقار الوعي. يتألمون. يتشقق عالمهم. ويخرجون. ذاك هو الميلاد الثاني: الخروج إلى الحياة الحقيقية، لا الحياة المتوهمة، ولا الزائفة.
فهمت أن أغلب حياتي كانت استعارة. روح غيري، عقل غيري، مشاعر غيري. لم أكن أنا. كنت نسخة في سير إنتاج مصنع المجتمع، ينتج سلعة بشرية واحدة متشابهة: إنسانًا صناعيًا. كالدمية التي تُبرمج حتى تنسى أنها حيّة. كنت أظن أنني أفكر وأختار وأقرر، ثم أدركت أنني كنت أستجيب.
عندها أطلقت أدوات الاستفهام من خزائنها. صرت أتحرك بها. لا تسليم بلا سؤال. ولا إيمان بلا اختبار. عرفت سر توتري: كنت أنسخ في امتحان الحياة إجابات غيري. والامتحانات ليست واحدة. لكل واحد امتحانه. نغش من صندوق واحد، فنرسب جميعًا.
النجاح ليس في الإجابة فقط، بل في أن تكون إجابتك حرة، ونابعة منك. ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أبحث عن الطريق الصحيح… بل عن الطريق الذي يشبهني. فالخطر الحقيقي ليس أن نضلّ الطريق، بل أن نعيش عمرًا كاملًا في طريقٍ ليس لنا. بعض الناس يموتون وهم أحياء، لأنهم لم يسكنوا أنفسهم يومًا.
لم يكن ما ظننته وصولًا إلا بدءًا جديدًا. اكتشفت أن الخروج من القالب لا يعني الوقوف خارجه متأمّلًا، بل السير في فضاء أوسع، تتبدّل فيه الأسئلة كما تتبدّل الإجابات. لم يعد همّي أن أتحرّر فقط، بل أن أتحمّل مسؤولية هذا التحرّر؛ أن يتحوّل الوعي إلى عمل، والفهم إلى خُلُق، والطمأنينة إلى أثرٍ يظهر في طريقة الكلام، وفي مقدار العدل، وفي صدق النية. أدركت أن الطريق لا يُعطى دفعة واحدة، بل يُكشف على قدر الصدق فيه. وكلما ظننت أنني بلغت، تبيّن لي أن البلوغ الحقيقي هو دوام السير. هكذا لم تعد الحياة سباقًا نحو إنجاز، بل سعيًا نحو قرب؛ قربٍ يجعل القلب ألين، والبصيرة أنقى، والخطوة أثبت. فإن كان في بقية العمر متّسع، فحسبه أن يكون مجالًا لعملٍ أصحّ، ونيةٍ أصفى، ورجاءٍ لا ينقطع.
أما أنا… فقد تأخرت كثيرًا عن نفسي، لكنني وصلت. ولم يكن الوصول نهاية الطريق، بل بدايته
