في طفولتي، لم تكن لي نافذة أطل منها على المعرفة سوى الإذاعة والمكتبة العامة، فأخلصت لهما، وقتها لم يكن مستوى المسلسلات تدنى لما انحدر له الآن، لكنها ظلت تطير في إبهارها على جناح خيالي الحر الذي كان يلونها ويصورها كيف يشاء، حتى فقدت شيئا فشيئا عناصر جذبها خاصة بعد إفساد التلفاز لما تبقى لي من تخيل، فانصرفت عنها إلى متابعة السينما الأجنبية التي وجدت فيها جانبا يسمح لي بالتحليق الفكري والوجداني، لكني لم أسلم وقتي ولا عقلي لمسلسل إلا نادرا.
بإصرار من صديق عزيز، تابعت عدة مسلسلات أدهشتني بإنتاجها تأليفا وإخراجا وتصويرا وأداءا، فرأيت أن أشركك معي عزيزي القارئ، لنتناقش حول رؤيتي لتلك الأعمال.
مذكرات البنس المرعبة (Penny Dreadful)
ربما لاعتماد المؤلف جون لوجان في كتابته لهذا المسلسل على منشورات لندنية كانت تصدر أسبوعيًا أوائل القرن التاسع عشر، تعتمد في سردها على حكايات الرعب والأشباح، وتباع لقرائها مقابل بنس واحد، ربما لذلك اكتسبت اسمها: مذكرات البنس المرعبة، وربما لما تحتويه من عنف وجرائم مروعة، أبطالها شخصيات ميتافيزيقية خارقة كدراكولا وفرانكشتاين ، اجتذبت العديد من القراء أكثرهم من الطبقة العاملة الفقيرة، التي تجد سلواها وتفريغ طاقاتها من الانتقام والبطولة والسعي للخلود بين أحداثها، وقد حققت بذلك نجاحا وانتشارا مذهلا.
“الجماهير لا تتكوكب إلا حيث يكون الدم”، تبدو مقولة الدكتور أحمد زكي معبرة هنا،
فالمنتجون والمستثمرون في بحث دائم عن وسائل جديدة لجذب جماهير المشاهدين، وليس هناك أفضل من إثارتهم بحكايات القتل والإجرام والجنس والتركيز على خبايا العالم السفلي،
فالجماهير متيمة بالقصص المرعبة، لأنها تتماس مع أحاسيس دفينة في النفس البشرية، فتجسد الشر وتضيء مساحات الخير في نفوسنا، وتشحذ المعارك الطويلة بينهما إلى أن ينتصر أحدهما، أو لا ينتصر، فالصراع أزلي باق، وقد نجح المسلسل في حشد أبطال الشر، وصناعة المعارك والجرائم والوحوش التي تتصارع مع بني البشر في معالجة درامية ناجحة.
لا يهمني كثيرا سرد الأحداث عزيزي القارئ، فيمكنك ببساطة مشاهدة المسلسل لتتابع أحداثه وتعيشها بنفسك؛ لتكون وجهة نظرك الخاصة بعيدا عن كل ما يقال حول المسلسل، لكن ما يهمني هو عرض ما رأيت من إسقاطات ومفاهيم حاول القائمون على هذا العمل إيصالها إلينا من الأحداث.
صنف المسلسل من مسلسلات الرعب والإثارة، لكني لا أراه كذلك، فقد اعتمد على شخصيات دموية استهلكتها الدراما، ولم ينجح في تقديمها بثوب جديد، فأين يكمن تميزه كعمل ترشح لعدة جوائز، وفاز بجائِزة اختيار النُقّاد التلفزيونيين كأفضل المسلسلات الجديدة في 2014؟
قدم الكاتب جون لوجان في مسلسله صورة معبرة عن المجتمع في ذلك العهد بكل شرائحه من الأغنياء، والمهمشين من الفقراء والطبقات العاملة، النساء والمثليين، المهاجرين، والأجناس غير الأنجلوسكسونية، في تقاطعها وتشابكها دون النظر لمستواها الاقتصادي كعائق في الاختلاط وتبادل المصالح، كما عرض جانبا من الجرائم والعنف الرهيب، والرأسمالية التي تميز مسألة الربح على الأخلاق، ومزج بين الشخصيات التي اعتمدت عليها النصوص القديمة مثل دراكولا وفرانكشتاين ودوريان غراي على سبيل المثال، كوسيلة لكسر الحاجز بين الماضي والحاضر، وتحويل النصوص الكلاسيكية إلى أيقونات ثقافية معاصرة، يحملها ما يريد من إسقاطات، وربما نرى الخط الجامع بين تلك الشخصيات، هو البحث عن فلسفة الحياة والموت، والسعي إلى الخلود.
الشيطان هو “السيد”، ملك الظلام، والملوح للتابعين بالشباب الدائم والخلود، إنه يريد أن يكتمل حتى يسيطر على الكون، ولا سبيل لاكتماله إلا بعروس يختارها من البشر، يجند كل من يقدر عليه ليتم مهمته، ولا حدود لما يمكن أن يرتكب في سبيل ذلك من جرائم تراق فيها الدماء، هكذا هو على مدار القرون، لكنه كلما وصل لمبتغاه، يتدخل البشريون ويفرقون بينه وبين محبوبته، منذ آمون رع ومحبوبته آمونت أم الشر وحتى الآن، وهو يتناسخ وينتقل عبر الأزمان في أجساد وشخصيات تعيش بين الناس، لذا تعددت أسماؤه وشخصياته: لوسيفر، فارني، دراكولا،…الخ.
يأخذنا المسلسل لتلك الأجواء، جرائم وحشية لا يعرف مرتكبوها، ورجل ثري “السير مالكوم” يحاول استعادة ابنته “مينا” التي اختطفها ملك الظلام ” لوسيفر” أو “السيد” ليصل إلى صديقتها البشرية “فينيسا آيفز” أو أم الشر” آمونت” كما يراها، والتي ذكرت قصتها مع “آمون رع” في كتاب الموتى للمصريين القدماء.
يجتهد السير مالكوم في تكوين فريق من الشجعان الذين لهم قدرات وخبرات خارقة، وهم فينيسا آيفز صديقة ابنته، وإيثان تشاندلر الأمريكي المغامر، وسيمبني وود الخادم الأفريقي المخلص للسير مالكوم، والطبيب الشاب فيكتور فرانكنشتاين. وبمتابعة الأحداث نتعرف عن قرب على كل شخصية من الشخصيات، وما السبب الذي جعل الأقدار تسوقها للقيام بتلك المهمة؟ فنكتشف جانبا من أبعادها النفسية، وصراعها من أجل البقاء، في أحداث يشوبها الغموض والإثارة، والرعب أحيانا.
فينسا آيفز، الغامضة المتبصرة التي تعلمت بعض خفايا السحر من امرأة شهدت حرقها حية على يد سكان قريتها، هل هي أصل الشرور في المدينة؟ هل سعت للشر بإرادتها، أم تلك أقدار تخيرتها؟
فتاة شجاعة جريئة واثقة، تربطها وأسرتها علاقة قوية مع عائلة السير “مالكوم”، فهي الصديقة المقربة لابنته “مينا” الخجولة، تجمعهما محبة تحنيط الكائنات، لكنها تصر أن ترى الحياة في أعينها رغم موتها، لذلك ابتكرت طريقة لتركيب قطع المرايا خلف الأعين لتبدو حية، المرايا التي كان لها أكثر من دلالة في المسلسل، لكنها وسيلة لتقربها إلى الشيطان أيا كان لقبه.
وللمرايا في المأثور الشعبي قصص وحكايا، لكنها لم تكن سبيل فينسا الوحيد ليتعشقها سيد الظلام، فهل كانت بوابتها إليه انعتاق شهواتها ورغباتها المكبوتة؟
لقد ربط الكاتب أساس الشرور بالنزعات والشهوات التي لا تخلف إلا الإثم والاحتراق بنيران الخطيئة، فخطيئة ” مالكوم” في السلطة وشهوة المجد باكتشاف أماكن جديدة، مما أبعده عن أسرته التي فقد أفرادها تباعا بسبب أنانيته، وخطيئة فيكتور فرانكشتاين الطبيب الشاب المنعزل في الهوس بجدلية الحياة والموت، والافتتان بالعلم، والبحث من خلاله عن الخلود والقيام بدور الخالق، وخطيئة إيثان تشاندلر في قتله الأبرياء، وخطيئة دوريان غراي تتمثل في نرجسيته الشديدة وعشقه للشباب الدائم والخلود، كل ذلك لا يعدل في المسلسل خطيئة فينسا التي جلبت قوى الظلام إلى المدينة.
إنها المرأة، أصل الشر منذ بدء الخلق، المرأة ذات الجرأة والشجاعة والثقة، من تتمتع بالفتنة والجمال، ينبغي أن تكون ملعونة مطاردة من سيد الشياطين، وكل عقاب يقع على الأبرياء في الأرض لم يكن إلا سعيا لينالها زوجة له، مهما كلفه ذلك من دمار، فهي سبب البلية، وأصل الغواية، ولن تنجو من لعنتها إلا باعتمادها على المخلصين من الرجال، فهم الأمل الوحيد أمام البشر ليمنعوا قوى الشر من نشر الظلام على العالم، لكن الخوارق لا تقابل إلا بمثلها، فنجد المخلِّص” الرجل” ذو القوة الخارقة “ذئب الرب” هو المرسل ليحميها وينقذها، والسبيل الوحيد لخلاصها وإنقاذ العالم، هو القضاء عليها برصاصة مغلفة بالحب.
فالمرأة الخارقة لعنة، وساحرة ينبغي أن تحرق، والرجل الخارق، منحة إلهية، شروره مبررة مغتفرة، المرأة أم الشر وأصل الغواية، ولا يكون الخلاص إلا بقتلها أو إخضاعها لسلطان الرجل “الرب”.
من جانب آخر، يشرِّح الكاتب المجتمع، فيعرض لنا معاناة الطبقة الفقيرة وانسحاقها، وقسوة المجتمع على المرأة مما يدفعها أن تبيع نفسها للطريق، ويبين لنا أسواق الرقيق، وبيوت الدعارة، وحارات المهمشين، وأمراض العاملين في دخان مصانع النهضة الصناعية، الذين يموتون ولا يجدون عائدا يقيهم غائلة المرض، في مدينة متوحشة، وتغولت البطالة فيها، وانقسمت طبقاتها بين الأرستقراطية التي تحيا على دماء الضعفاء، وبين البسطاء المطحونين المستغلين حتى الموت، وكأنه يعقد مقارنة خفية بين دراكولا وأعوانه من مصاصي الدماء، وبين الأرستقراطيين الذين لا يقلون بشاعة عنه، فهم لا يقتاتون إلا على الدماء.
ويضع يدنا على ما يمكن أن نصل إليه من توحش، وانفلات للسيطرة على زمام المكتشفات العلمية، حتى تصبح أداة قتل للحضارة بدل إحيائها، وما يمكن أن نجنيه من نتائج للإبادات الجماعية غير التوحش، والتجرد من الإنسانية.
لكل شخصية في هذا العمل حبكتها الدرامية التي تتقاطع مع غيرها من الشخصيات بإتقان، وكل منها محكوم بلعنة معينة تدفعها نحو السعي للخلاص، لتتقابل جميعها في نقطة واحدة: كلنا مذنبون، كلنا ملعونون، كلنا وحيدون منبوذون في هذا العالم.
ورغم بطء أحداث المسلسل، ومطها، إلا أن ما يميزه البطولة الجماعية، فالنجاح لا يحصده فرد، لكنه لا يتأتى إلا بالوحدة والتعاون وعمل الفريق.



