الحب المطلق

الحب المطلق

سيلفانا إسلام

اللوحة للفنان خالد الساعي

في سنوات مراهقتي علموني أني سأعَلّق من شعري في جهنم، وأني خلال سيري في طريق ما، سيلعنني الشجر والحجر وكل ما يوجد في الطريق، وكأني طوال ما حييت مكشوفة الشعر سأبقى خارج رحمتك، لا أعرف يا الله كيف استطاعوا أن يجعلوا لرحمتك حدودًا، وأن يخرجوننا ويدخلونا منها كما يشاؤون. 

عندما كنت أتوجه أحيانا للصلاة في المصليات العامة، كنت – على ما يبدو- لا أؤدي الصلاة شكليا ببعض الحركات البسيطة فيها على أكمل وجه، فتتبرع في كل مرة إحدى النساء لتخبرني بأن ما قمت به لا يجوز، وحرام، ويجب علي تصحيح الحركات، وو..
كنت أستشعرك كثيرا في الصلاة، إلا أني وبعد أكثر من تنبيه، وشعوري بحتمية أن أركز في الحركات ذاتها أكثر من الروحانية، بدأ يتخلل صلاتي نوع من القلق على عكس ما يجب أن تكون.. وكأن ما يهم في الصلاة هو شكلها وليس تلك الصلة الروحانية الخاصة جدا بينك وبين كل إنسان ضعيف منا.

 وعلمونا جيدا بأن التساؤل عنك وعن قدرك وأفعالك ومحاولة فهمك وفهم الغيب لا يجوز، وكأنهم لا يعرفون بأن حب شيء أو شخص ما، لابد أن يأتي مع رغبة شديدة بفهمه ومعرفته، والتساؤل الدائم عنه وعن أفعاله، فقتلوا فينا التساؤل عنك يا الله، وزرعوا مكانه الكثير من الخوف .
ألصقوا في عقولنا تلك الصورة عن الشخص المتدين، وعلمونا دون وعي أن نصنف الاشخاص لسيء وجيد بناءً على تلك الصورة، وعلمونا بأن مصير كل منا محتم بناءً عليها، فالجنة لمن تنطبق عليه الصورة وجهنم لمن لا يتلزم بها، لا أعلم كيف تجرأوا على التدخل في حكمك يا الله .
علمونا بشكل مباشر وغير مباشر أن الهدف هو الوصول للجنة وتجنب النار.. وفي الحقيقة الهدف الوحيد هو أنت، فقط أنت.
جعلونا نقدس العبادات قبل أن نقدسك، نفهم العبادات وربما أيضا بشكل غير صحيح قبل أن نفهك، جعلونا نعتقد بأننا مبصرون في حين كنا عميان.
أفكر أحيانا يا الله كيف يكون للوصول إليك، أنت الواسع الجميل العظيم طريق، واحد كما علمونا؟ كيف أحاطوا الطريق إليك بمئات القوانين والقواعد، كالأصنام على حافة طريق طويل، وأمرونا بتقديسها بدل حثنا على الاستمرار باحثين عنك وعن نورك؟
أنا يا الله لم أعد أقتنع كثيرا بما علمونا.. فجأة وجدت نفسي تائهة، ضائعة، أصلي وأصوم، التزماً بما استطعت من عبادات لمجرد إسقاط فرض، وفي مرحلة ما شعرت بخجل هائل لالتزامي بالواجبات الدينية فقط من باب الاعتياد أو من باب إسقاط ما علي منها، كمن يفعل أمرًا ما دون شغف أو صدق، أو حتى من باب خوفي من العذاب، لا أريد ذلك يا الله، أريد أن أشعر بأني ولدت مجدداً، بأني أقوم بكل شيء لأجلك فقط، لا رغبة بجنة ولا خوفاً من نار، لا تقديسا للعبادات والفتاوى والحلال والحرام بل تقديسا لك أنت .
أريد أن أصلي وأصوم وأعطي وأجوب الأرض ناشرة الخير رغبة بك، في سبيل حبك لا رعباً من غضبك وإخراجك لي من رحمتك .
أجدك يا الله في سماء نجوم الليل اللامتناهية السعة.. في نسيم الهواء.. في الشروق والغروب الآسر.. في ابتسامة أولئك الضعفاء.. في صوت العصافير الذي يلمس روحي.. في عطف أمي اللامتناهي.. في لحظة حمد صادقة لإنسان فرجت عنه كرباً.. أجدك في كل شيء.. فجدني يا الله.. جدني من تيهي عنك.. من طريق ظننتها تؤدي إليك أسلكها دون حب ودون شغف.. جدني يا الله.. وضعني على طريق حبك المطلق، الصادق النقي الخفيف.. واجعلني أطفو بسلام في هذه الدنيا، متيقنة أنني جئت منك وسأعود إليك.. فأنت البداية والنهاية.. وكل شيء، أنت الحب المطلق.

رأي واحد على “الحب المطلق

  1. آمين، آمين، آمين ❤️
    ما أجمل حديثك عنه، جعلك الله ممن اءا رآهم الناس ذكروه، ذكر محبة و شكر و امتنان💖 دمت بحب.

    إعجاب

اترك تعليقًا على asmakitto إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.