وليد الزهيري
اللوحة للفنانة تحية حليم
ـ أجيب لِك إيه يا بنتي؟
وضعت في يده جنيهًا:
ـ توكة شعر.
ومضى شهر..
تركت زميلاتها الأكبر سنًّا بعد يوم شاق على باب معمل الحلويات، لفحت وجهها الخمري المتقيِّح نسمة شتوية باردة، أغلقت آخر أزرار (سُفرة) جلبابها الكستور الباهت خضاره، ورفعت بنطلونها الكستور السماوي لأعلى خصرها، ثم قبضت بيمينها على (مُرتب الشهر) في جيب جلبابها المنتهي أسفل الركبة، جذبت ضفيرتها المتدلية أسفل غطاء رأسها الأبيض، وتركتها فوق كتفها تلامس صدرها النابت، خطت نحو بيتها للأم المنتظرة وأخواتها الأصغر، يصدِر حذاؤها البلاستيكي مع كل خطوة أصواتًا مخجلة.
توقفت في طريق عودتها أمام الواجهة الزجاجية لمحل (خردوات أبو لطفي)، مشاهدة معروضاتها المتربة، علِقت عيناها بأول الرف العلوي، موضوع عليه دب أبيض ممسك بقلب أحمر، وبجواره أرنب وردي، يليه كلب بني، وفيل رمادي، أغمضت عينيها لثوان متخيلة ملمسهم الناعم على خدها، وهي تلعب بهم ويلعبون بها، وخيَّرتهم أيهم يفضل أن ينام جوارها؟ وتركتهم في عراكهم ليفوز أحدهم بالنوم في أحضانها.. نظرت إليهم بدلال وثقة بالنفس والسعادة مرسومة على وجهها، كتلك الابتسامة الدائمة على وجوههم جميعًا:
ـ اخترت الأرنب الوردي.. ودانه الطويلة هتكون تحت خدي وأنا نايمة.
استفاقت عندما رأت على الرف الأسفل عدة ملاقط مختلفة الأحجام وعلب أدوات مكياج إحداها دائرية والأخرى مستطيلة، والثالثة على شكل قلب، شبت على أطراف أصابعها حتى رأت وجهها في مرآة العلبة المفتوحة، غرقت فيها حتى ظنت أنها تمسك بالملقط تشذب وجهها، عقدت حاجبيها متألمة مع كل شعرة شاردة تنتزعها، أمسكت بالفرشاة وغمستها في لون وردي، ومررتها على خديها وبطول أنفها ورقبتها، أغمضت عينًا وفتحت الأخرى وهي ترسم ظلالًا أعلى جفونها بنفس درجات الألوان التي تضعها صديقاتها في العمل قبل نهاية يومهن، بدت أسنانها الصفراء خلف ابتسامتها العريضة عندما وقعت عيناها على قلم أحمر الشفاه، فتحته بروية متأملة صعوده اللولبي.. مررته على شفتيها حتى رأت ابتسامتها البراقة بلون دم الغزال في المرآة.
شاهدت في الرف التالي مجموعة أقلام مختلفة الجاف منها والرصاص، علب ألوان، كراسات رسم، تخيرت قلم رصاص أصفر ممحاته حمراء، أمسكت بالقلم والكراسة، ورسمت يومها.. في الصفحة الأولى تنظف معمل الحلويات بعدما انتهت هي وزميلاتها من الإفطار، في الصفحة التالية تجذب (جوال دقيق) من المخزن، والأخرى تنظف أوانٍ تكبرها حجمًا، ورابعة رب العمل يفرك شحمة أذنها بإصبعيه مشيرًا لبعض البقايا أسفل (العجانة)، وهو يمد قدمه متحسسًا الأرضية المبللة بعد المسح.
جذب انتباهها الرف الأخير بإكسسواراته النسائية، أقراط ألوانها زاهية وأخرى داكنة، تليها أساور وقلائد، وغوايش وتِوَك، عقدت حاجبيها متحيرة.. هل القرط الطويل الأسود أنسب لوجهها الدائري؟ أم الفيروزي القصير؟ أأختار معه قلادة فضية؟ وجمت وهي تمسك بذقنها، حتى استقرت على قلادة فيروزية تليق على القرط، أومأت برأسها مؤكدة حُسن الاختيار.
أخرجت يدها من جيبها وقامت بعد (المُرتب)، توغلت داخل محل الخردوات، نهض (أبو لطفي) المراقب لها منذ توقفت أمام محله يتابع أمانيها:
ـ أجيب لك إيه يا بنتي؟
وضعت في يده جنيهًا:
ـ توكة شعر.
قصة رااااائعة تفصح عن كاتب مميز متمكن من أدواته ومفرداته وطريقة السرد ، جعلتنا نسرح بخيالنا مع كل تفصيلة مرسومه وكأننا تلك البطلة نتنقل بين الزمكان :المحل ومكان العمل والمنزل
نتأمل ونتعايش مع هذا الكم الهائل من المشاعر والظروف والحالة ثم الاستفاقة من العالم الوردي على أرض الواقع
في انتظار المزيد من هذا الإبداع والألق
دمت ودام قلمك المبدع أستاذ وليدالزهيري
إعجابLiked by 1 person