حدس

حدس

جيهان عوض البنا

اللوحة: الفنان الأمريكي انـدرو وايــت

ثلاثُ ساعات، ثلاث ساعات هو عمر لقائهما بعد هجر دام لثلاث سنوات، هي لا تعلم سر ذاك الرقم معها في كل أطوار حياتها، لا تعرف ما علاقة عدد بمجريات أقدارها! دائما ما يربطها بينه وبينها شيء ما أو ربما هي من تجلبه بتوقعاتها.. 

ظلت على الطاولة التي جمعت بينهما في وضح النهار حتى بعدما تركها ورحل، تجتر ذكرياتها معه، كيف بدءا وكيف آل بهما الحال؟ كيف كانت تركض معه في حبور على شاطئ الإسكندرية بليالي الصيف الصاخبة بعنفوان شبابها، وكيف صارت إلى ما هي عليه الآن؟

 نظرت لقدمها ورمقت المارين حولها بأسى ثم شردت بعيدًا حيث الحب، الحب الذي كان، أمران استوقفاها في تلك العلاقة اللي استنزفتها، أمران فقط وليسا ثلاثة كما العادة، الأمر الأول هو اختلاقه للأعذار بكل مرة احتاجته فيها وخذلانه لها في نكبتها، والأمر الثاني هو لجوءه لها حال وهنه كطفلٍ يلوذ لحضن أمه؛ لكن ما حيرها الآن، لِمَ عاد لها بصندوق حنين بعدما بزغ نجمه وصار هو من هو؟ لِمَ جُل هذا الود المباغت بعدما ردمت على ذكراه ثرى النسيان؟ أحقا كما قال إنه أصبح وحيدًا رغم كل من حوله؟ هي لا تدري، حتى أنه لم يحاول إخفاء مسحة الحزن التي بوجهه أمامها، حاولت استرجاع كلماته لها علّها تجد ما يهدئ خلدها ويلتقطها من جب الحيرة هاته، جاءها الرد على ورقة يحملها صبي لم يتجاوز الخامسة عشر من عمره، بيد مرتجفة أمسكت الورقة وقرأت بوجل:

  • يا من كنتِ… 

لم أستطع أن أفصح لكِ عما جئت محملًا به، غصت الكلمات بحلقي وأبت إلا أن تخرج من فيهِ، وعليّ أن أعترف أنني حينما رأيتكِ نسيت لبعض الوقت ما ألمّ بي، أنتِ كما أنتِ باشّة الوجه، حُلوة الروح، سخية العطاء، منحت روحي حياة لبضع ساعات هي بمثابة العمر بأكمله بالنسبة لي، العمر الذي قرب أجله! نعم كما قرأتِ، علمت أمس أنني أصبت بفيروس الكورونا، وإن كنتِ لا تعرفين ماهية الفيروس فهو حتى اليوم لم تُسجل حالات بمصر بيد أنه اختار أن يغزو جسدي الهزيل بعد لقاء مع صديقة لي عائدة من الخارج، تلك الجائحة التي أربكت العالم جاءت لتنذرني بالرحيل، تخيلي لم أتذكر إلاكِ بليلتي الفائتة التي تعد أطول وأغم ليلة عشتها بحياتي، الغريب أنني حينما راودني طيفك ابتسمت، ابتسمت ليس لأني سعيد وإنما لأني ما وجدتكِ إلا هاشة الوجه حتى في مخيلتي، حدثتني حينها بعينيك الألقتين وطمأنتني، وها أنا ذا أتيت إليكِ أو بالأحرى التجأت إليك كعادتي، هرولت لمن كانت يومًا ملاذي وملجأي، ما عجبت له حقًا تساقط الحروف من فمي عبثًا ولملمتك لها بتحنان وكأن شيئًا لم يكن، وكأني لم أتركك لسبب لم يكن لكِ يد فيه، من الحمق أن نركن لمن أسقطناهم يومًا أليس كذلك؟ أعلم أن الله يعاقبني بما اقترفته بحقك سالفًا، سامحيني، أردت أن ألثم قدمك لمّا رأيتك وأترجاكِ أن تسامحيني ولكن تلك الكمامة حالت بين ثغري وقدمك، ذاك الحائل الذي يتوارى وراءه أنفاس موبوءة لا يجسر على دنوه لقدمك الطاهر، ربما كان الأفضل لكلينا أن نفترق، فأنا شخص سيء، سيء جدًا، قد يهزمني المرض أو أهزمه، ربما لو نجوت لا أتذكرك بعدها لست متأكدًا؛ لكن الأكيد أنكِ أفضل مَن عرفت، جئتك لأحظى بعفوك فلتسامحيني…

رَطِبَت الورقة إثر دموعها ولم تستطع تكملة الرسالة لشدة جزعها، حدقت بساعتها لتجدها الثالثة، خفق قلبها بشدة ودارت بمحجريها المكان فلم تجد إلا ذاك الصبي أمامها، نظرت له مستجدية إياه أن يساعدها بالوقوف، أسندت على كتفه وتوكأت عصاها ونهضت، ثم رحلت وهي تردد:

  • ربما هو الأمر الثالث! ربما.. هو الأمر الثالث والأخير…

رأيان على “حدس

  1. صباح الخيرات …قصة تستحق القراءة يا مبدعة، لغتك بسيطة لكنها عميقة، بالطبع نموذج هذا البطل موجود، وهو عادة ما يعود متأبطا ذراع الندم – وهو ندم وقتي خادع – مع أية نكبة تستجد عليه ، سواء أصابته الكورونا أو أي مرض يظن أنه سيموت به، فلا فارق بين الكورونا هنا أو غيرها…، ربما بات نموذج البطله نادرا ونادرا جدا، فالحياة السريعة والمتغيرات الرهيبة سهلت تماما – بل وفرت – التبديلات والاستبدالات السريعة والتنازلات، – وألف قمر يقفون خلف الباب -، وبات الغالبية يغيرون معارفهم وأصدقاءهم ومبادءهم كما يغيرون جواربهم…فلا شفاعة للبطل اللعوب، ولاعزاء للبطلة الطيبة …تحياتي

    إعجاب

اترك تعليقًا على فكري داود إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.