سعد عبد الرحمن
اللوحة: الفنان الألماني فرانز مارك
نواصل نشر دراسة الذئب وتجلياته في الشعر العربي القديم، وفي هذا المقال نتوقف عند شاعرين من شعواء العصر الجاهلي الذين تقاطعت دروبهم في الصحراء مع ذئاب جائعة، فاستضافوها واقتسموا زادهم معها وهما الفرزدق والكميت الأسدي.
نبدأ بنص الفرزدق الذي يعد من أبدع النصوص الشعرية التي تدور حول الذئب في ثماني أبيات فقط و يسرد الفرزدق حادثته مع الذئب سردا قصصيا مشوقا فيبدأ نصه بأنه حين أشعل النار في منتصف الليل لينضج عشاءه رأى ذئبا أغبر يمشي مضطربا كعادة الذئاب باحثا عما يسد به رمقه من الطعام فدعاه أن يأتي إلى حيث أوقد النار وهو ليس من أصحابه بالطبع و كيف يكون من أصحابه حيوان مفترس، و حين أقبل الذئب مستجيبا لرائحة الشواء خاطبه الفرزدق قائلا اقترب و لكن كن على مسافة كافية لا تتجاوزها فإنني أيها الذئب الجائع نويت أن تكون ضيفي الليلة و سأقتسم معك عشائي.
وظل الفرزدق كلما نضج جزء مما يشويه من اللحم يلقي إليه ببعضه بينما النار تشتعل حينا فتضيء ما حولها وحينا آخر يتصاعد الدخان فيغطي على ضوء النار:
وأطلس عسال ومــا كان صاحبا
دعـــــوت لناري مــــوهنا فأتاني
فلما أتى قلت: ادن دونـــــك إنني
وإيـــــاك في زادي لمشتــــركان
وبت أقد الزاد بـــيــني وبيــــــنه
على ضـــــــوء نار مرة ودخان
و لما كشر الذئب عن أنيابه خاطبه الفرزدق وهو يقبض بيده حذرا واحتياطا على قائم سيفه قائلا: تعش أيها الذئب فإن عاهدتني ألا تغدر بي فربما نكون مثل صاحبين، ومن بلاغة الفرزدق أنه لم يقل نكون صاحبين وإنما كالصاحبين (مثل من يا ذئب يصطحبان)، ويفسر الفرزدق لماذا لا يمكن أن يكون هو والذئب صاحبين حقيقة؟ بأنه يعرف أن الغدر سمة مركوزة في طبع الذئب رضعها مع لبان أمه وهو جرو صغير:
وقلت له لمــــا تكشــــــر ضاحكا
وقائم سيــــــفي في يــدي بمكان
تعش فإن عاهـــدتني لا تخـــونني
نكن مثل مــن يا ذئب يصطحبان
وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما
أخييـــــــن كــــــانا أرضعا بلبان
وينبه الفرزدق الذئب إلى أن ما صنعه معه لا يفعله كثيرون من الناس فلو أنه لجأ إلى أحد آخر غيره يلتمس منه طعاما فسيكون نصيبه في الغالب ضربة بسيف أو رمية بسهم.
ويخلص الفرزدق في نهاية قصته مع الذئب بحكمة هي أن صحبة الطريق تخلق ألفة ومودة حتى بين الأعداء المتحاربين:
ولو غيــــرنا نبهت تلتمس القرى
رمـــــاك بسهم أو شبــــــاة سنان
وكل رفيـــقي كل رحل وإن هما
تعاطى القنـا قومـــــــاهما أخوان
وقصة الفرزدق مع الذئب تدل على أن الغلظة و جفاء الطبع و جهامة الوجه التي كان يوصف بها إن هي مجرد قناع نفسي أو درع يواجه به الناس حتى لا يطمعوا فيه و لكنه في أعماق نفسه إنسان رقيق المشاعر والأحاسيس لا يجد غضاضة في أن يكون ضيفه الذي يقتسم معه عشاءه عن طيب خاطر حيوانا مفترسا كالذئب، والدليل على صحة ما استنتجناه أن ضيافة الفرزدق للذئب تكررت و لم تكن مجرد حادثة فريدة في حياته، يقول الفرزدق في مقطوعة أخرى له من بضعة أبيات واصفا ضيافته لذئب آخر:
وليلة بتنا بالغريـــــــــين ضــــــافنا
على الزاد موشي الذراعين أطلس
تلمسنا حتى أتانا و لـــــــــــم يـــزل
لدن فطمتــــــه أمـــــــــــه يتلمس
فلـــــــو أنه إذ جاءنا كــــــان دانيــا
لألبسته لــــــــــو أنه كــــان يلبس
و لكن تنحى جنبـــــــه بعدمــــــا دنا
فكان كقاب القـــوس أو هو أنفس
فقاسمته نصفيــــــن بيني و بيـــــنه
بقيــــــــة زاد و الــركائــب نعس
كأن ابن ليلى إذ قرى الذئب زاده
على طارق الظلماء لا يتنعس
ذئب الكميت الأسدي
نص الكميت عن الذئب نص قصير يقع في ستة أبيات يبدؤه بقوله ( لقينا بها ) و الهاء هنا تعود إلى الصحراء مما يدل على أن ثمة أبياتا مفقودة قبل هذا البيت، لقي الشاعر في الصحراء ذئبا ضريرا أي قد أضر به الجوع و قلة الزاد ، و الذئب رغم أنه صياد ماهر لكنه لا يبقي على شيء مما يصطاده فهو يأكله لوقته ( لساعته ما يستفيد و يكسب ):
لقيت بها ذئبا ضريـــــــــــرا كــــأنه
إلى كل من لاقى مــــن الناس مذنب
مضيعا إذا اثرى كســــوبا إذا عــــدا
لساعتــــه ما يستفيــــــــــد و يكسب
و قد رق قلب الشاعر للذئب الذي كان يتضور من شدة الجوع و يكاد ينطق معربا عن حاله البائسة و لذلك أخرج الشاعر للذئب حصة من بقايا ما لديه من طعام فما من طعام إلا و له بقايا إما أن تلقى أو توهب للمحتاجين، وقال له خذ هذا الطعام فسد به جوعك و لك عندي أيضا نصيب من الماء تشربه بعد أن تأكل، وبالفعل صب بعض أصحاب الكميت للذئب قليلا من الماء ليشرب بعد الأكل، و يعد الشاعر صنيعه مع الذئب نوعا من الصدقة يدفع الله بها عنه الأذى:
تضور ما يشكـــو به من خصاصة
و كاد من الإفصاح بالشكـــــو يعرب
فتشنا له مـــــن ذي المزاود حصة
و للـــــزاد أســــــــــآر تلقى و توهب
و قلت له نل ذاك و استغن بالقرى
و من ذي الأداوي عنــــد ذلك مشرب
و صب له شوا مـــــن الماء غائر
به كفى عنـــــــه الحيــــــــبة المتحوب
و للكميت نص آخر قصير من ثلاثة أبيات فقط يحكي فيها عن صحراء قاحلة قليلة المياه تتجول فيها الذئاب كعادتها بحثا عن الغذاء و يحكي عن استعداده أن يقتسم طعامه مع الذئب و الذئبة ذات الجراء الصغيرة، و في البيت الثالث يكشف الشاعر عن حالة مدهشة من السمو الخلقي ورقة الشعور الإنساني تجسدت في رأفة الشاعر بهذين الحيوانين المفترسين حتى إنه ليرى لهما حقا في طعامه كمحرومين برح بهما الجوع الشديد:
بنائية المناهــــل ذات غول
لسـرحان الفلاة لها ضبيب
يراني في الطعام له صديقا
و شادنة العســابر رعبليب
إذا اشتكيــا إلي رأيـــت حقا
لمحرومين شفهما السغوب
الفرزدق ( 38 – 114 ھ ) هو اللقب الذي اشتهر به الشاعر الأموي أبو فراس بن غالب بن صعصعة من بني تميم ، لقب بالفرذدق لغلظته و جفاء طبعه و جهامة وجهه ، يعد من شعراء الطبقة الأولى و من أشهر شعراء عصره ، كان علماء اللغة يحتجون بشعره لسلامة لغته حتى قيل : لولا الفرذدق لذهب ثلث اللغة.
الكميت بن يزيد ( 60 – 120 ھ ) هو اللقب الذي اشتهر به الشاعر الأموي أبو المستهل بن يزيد من بني أسد ، كان فارسا شجاعا و فقيها و خطيبا مفوها ، عرف بتشيعه لآل البيت ، و قد قال في مديحهم و التنويه بفضائلهم الكثير من القصائد التي تعرف لدى النقاد و علماء الأدب باسم ” هاشميات الكميت”.
مقال رائع من الشاعر الكبير سعد عبد الرحمن المثقف الموسوعى و الكاتب المحترم
إعجابإعجاب