اللوحة: الفنان الهولندي بيـتر بـريغــل الأبّ
للقراءة متعة أولى، وللإبحار في الفكرة محطات من المتعة والتيه، تستبد بك نشوتها فتعاود الوقوف على حوافها التي سمحت لك بالإطلالة من قممها إلى مهاويها، فيشي بك العقل دافعا إياك للسقوط مستمتعا بما تلتقطه من دلالاتها وأنت تهوي للسهل، حتى تستوي واقفا على منمنماتها، مكوناً رؤاك الخاصة.
وللتجارب الإنسانية جعبتها التي نحملها على ظهورنا، نتعلم منها ما نغير به قناعاتنا وما لقنه لنا السابقون، وكلما اتسعت خطانا؛ اتسعت معها رؤانا، وتبدلت نظراتنا الضيقة بنظرات أكثر اتساعا ورحابة.
في علبة ألوان للقاص الكويتي ناصر المطيري، يعيد تلوين ما حمله على ظهره بألوان جديدة، إثر تجربة إنسانية حملته خارج ما دأب المجتمع على تلقينه إياه من أنماط وأفكار منبتها تجارب السابقين، أو بالأحرى ضلالاتهم، فيأخذنا في لغة سهلة، وتجربة تحدث كل يوم، لكنه يضع فيها كل مخزونه الثقافي بالأبيض والأسود؛ ليعيد إليه بهجة الألوان، فيخرج بلوحته الخاصة للحياة.
ولنتعرف على الكاتب ونصه أكثر، لابد أن نترك له المجال ليعرفنا إلى أبطاله الذين تخيرهم لتلك الأحداث:
الشخصية الرئيسة: متمثلة في راشد، البطل الذي يمسك كل الأحداث بقبضتيه، فهو المسافر، وهو الذي قرر العزلة، وهو الذي مرض فضاقت عليه وحدته واشتد ضعفه؛ فدفعه ذلك دفعا لإنهاء عزلته بالانفتاح على الآخرين، والتي انتهت بالانفتاح على الحياة.
وهو شخصية مثيرة للتعاطف الإنساني؛ فمن الوهلة الأولى تشعرنا أنها ستلمس ما بداخلنا وسنتماهى معها في جوانب عدة.
وشخصياته الثانوية: تتمثل في المضيفة، موظف المطار، الآسيوي، الإمام، سائق التاكسي، جاره وزوجته، وكلها شخصيات مهمتها إدارة الحدث وبلورته للوصول إلى الهدف المراد منه.
أما أحداث القصة، فجاءت محبوكة مترابطة الأجزاء، تميزت بتسلسلها المنطقيّ، وترابطها العضوي، لتعرض لنا لحظة التغير في حياة الشخصية الرئيسة في القصة ببساطة ودون تعقيد، ويمكننا تتبع ذلك مع النص للوقوف على ذلك من بداية الحدث حتى النهاية.
فالبداية تقودنا لنرصد لحظة مفارقة البطل لمكانين وزمانين، أرض الوطن والماضي، وأرض طلب العلم (لندن) مع الحاضر، وبداية احتدام الأحداث مع الصراع الداخلي للشخصية، الذي يبدأ منذ انخراطه في الأحداث مع بداية وصوله المطار، وتعامله مع أناس مختلفين شكلا ومضمونا عمن كان يتعامل معهم في وطنه، وتصاعد الأحداث حتى وقوعه بالمرض، الذي بين شدة الأزمة النفسية لدى راشد والتي دفعته للتغيير وتسببت فيه.
أما النهاية (نقطة التنوير): فهي النقطة التي تضيء مغزى القصة؛ لأن جميع الخيوط تتجمع فيها، وتتمثل هنا في اكتشافه لحقيقة الحياة التي كانت موجودة في العتمة لذا لم يكن يراها، ولما أزيلت عنه الغشاوة رآها جلية واضحة وهي: “اختلافنا لا يستوجب خلافنا، إن اختلفت ألواننا يجب أن نمتزج، سيكون الناتج أفضل من وحدتنا”، لذا كان لزاما عليه أن يتجه بقناعاته الجديدة إلى الإيمان بأن المعرفة باب مشرع لمن أراد أن يمحو جهله، وأن معرفة الآخر لن تأتي إلا بالتفاعل معه دون تعقيدات، لذا، توصل إلى قناعة اكتسبها بنفسه من تجربته الإنسانية الخاصة: “وقت قصير من المعرفة يكفي لهدم عمر كامل من الجهل” ثم كتب لنفسه هذا القول بأكثر من لون، ليعيد برمجته العصبية، ويمحو من عقله الأنماط السابقة، ويشرع نوافذ جديدة على المعرفة، معرفة الذات والآخر.
الحدث هنا في هذه القصة متكامل، ويجيب عن أسئلة هامة وهي:
- كيف وقع؟
من خلال شخصيات رئيسية وثانوية.
- أين ومتى وقع؟
المكان ويتمثل في: أرض الوطن التي تربى فيها، وهو مكان محمول بداخله بكل معانيه ورموزه، ومكان الاغتراب الذي واجه فيه حقائق غير التي جاء بها، فغيرت مفاهيمه.
- لم وقع؟
ليحمل الكاتب على متنه ما يود أن يوصله للمتلقي دون حرج، من خلال راشد، وتفاعله مع الشخصيات الأخرى التي ساهمت في صنعه.
أما عن الضمير المستخدم في السرد، فتخير الكاتب ضمير الغائب، وهي طريقة سردية تسمى الرؤية من الخلف، يتميز السارد فيها بكونه يعرف كل شيء عن شخصيات عالمه، بما في ذلك أعماقها النفسية وأحاسيسها، وأفكارها، وبذلك فهو سارد متوارٍ، لكنه عليم بكل شيء.
ولا تقتصر وظيفة السارد على سرد الأحداث ونقلها، لكنه أدى وظيفة اجتماعية تمثلت في رصد الواقع الاجتماعي للبطل، ورصد معاناته في مجتمعه، ويمكن أن نضيف الوظيفة النفسية حيث شرح السارد نفسية البطل التي لا تزال متأثِّرة بما وقع معه.
وقد لجأ الكاتب إلى الرؤية من خلف؛ ليكشف لنا كل شيء في القصة؛ ولا يدع شيئا مخفيا أو مبهما.
الصراع في القصة
يبرز الحدث الصراع الداخلي بين معتقدات سابقة، وتربية مغلقة، وصفها راشد بالتربية الحاضّة على النفور من الغير، وبين معطيات المعرفة عن طريق الخبرة المباشرة والتفاعل الشخصي، والتي أدت لتغير مفاهيمه في الحياة وعنها.
وقد عرض الكاتب وجهة نظره المتبدية في الأفكار التي تعكس رؤيته وفكرته، والعبرة الأخلاقيّة التي أراد أن تنقلها القصة للقارئ، في حبكة محكمة تصل إلى نقطة التنوير، بلغة بسيطة، اعتمدت قليلا على الحوار الذي أضفى الحياة على الشخصيات، فرسمها وهي (تفعل) الحدث، فالأفعال تحمل الكثير من المعاني والأحداث، وسيادة الجمل الفعلية، توحي بالتغير والاستمرار والحيوية.
كما استخدم أيضا بعض العبارات الموحية، مما يقرب لغة القص من روح المتلقي، ويثير خياله، ومن أمثلة ذلك قوله: كان هدير المطر مجلجلاً كعتاب الأحبّة، تأمل المباني وهي تستعرض مفاتنها، كانت الخدمات المتبادلة بين المظلّة والشوكولاتة في تفاصيلها الصغيرة سلوك وجداني عميق استقرّ في نفسه، انكسر صنم صغير في داخله.. إلخ.
وقد وفق الكاتب في وصف البطل بالأوصاف التي تحتاجها القصة، ولم يأخذنا إلى أوصاف لا نحتاجها، فنحن في حاجة فقط إلى معرفة جوانب التأمل والفلسفة الخاصة، به والقيم التي يؤمن بها، وهل هو كشاب لديه قدرة على تغيير مفاهيمه إذا اكتشف خطأها أم لا؟
ولقد نجح في إيجاد المتعة العقلية والذهنية في نفس المتلقي، والأدب الناجح هو الأدب الذي يولد تلك المتعة.
خصائص القصة
تختلف الخصائص عن العناصر في أن العناصر هي المكونات الرئيسية للعمل، أما الخصائص فهي المحدد الأساسي للعمل، بمعنى أدق إن افتقاد العمل لأحد عناصره لا يؤثر في تحديد هوية العمل، هل هو قصة قصيرة أم لا، ولكن إذا افتقدت القصة القصيرة لأحد خصائصها كانت شيئا أخر غير القصة القصيرة.
وهذه الخصائص بالترتيب هي:
- الوحدة
والتي تمثلت في وحدة البطل والفكرة والهدف، فقد وجه القاص كل جهده الإبداعي صوب هدف واحد لا يحيد عنه، وهو إظهار أحاسيس شاب يصدم في معتقدات طالما تربى عليها باكتشافه ضدها من خلال تجربته الحية، وكيف أدى ذلك لتغير مفاهيمه.
2- التكثيف والتركيز
ويقصد به التوجه مباشرة نحو الهدف من القصة مع أول كلمة فيها، فهي كما يقول يوسف إدريس “القصة القصيرة رصاصة، تصيب الهدف أسرع من أية رواية”، وقد تمثل التكثيف في القصة في الاقتصاد في الشخوص والزمان واللغة.
3– الدراما
ويقصد بها خلق الحيوية والديناميكية والحرارة في العمل، والتشويق الذي يستخدمه الكاتب للفت انتباه القارئ، وهي التي تحقق المتعة الفنية للقارئ وتشعر القاص بالرضا عن عمله حتى ولولم يكن هناك صراع خارجي، ولم تكن هناك غير شخصية واحدة، ولقد وفق القاص في خلق الحركة الديناميكية في قصته، حيث استطاع أن يجذب القارئ معها من أول كلمة وحتى النهاية، فنجح في صنع الحبكة بنجاح وتوفير عنصر التشويق.
4- وحدة الانطباع
لقد اعتنى القاص بتشكيل أساس من أساسيات القصة القصيرة المتمثل بما يسمى: “وحدة التأثير”، وهذا معناه أن جميع عناصر القصة وأجزاءها تعمل متآزرة؛ بقصد إحداث الأثر الوجداني الذهني على المتلقي، ولقد نجح القاص بإحداث هذا التأثير، شخصية رئيسة واحدة، ولها هدف واحد.. الخ.
5– المغزى من القصة
لقد نجح القاص في سرد أحداثه بلغة يسيرة معبرة كما يريد أن يوصله للقارئ ببساطة، وإبراز هدفه من قصته في المجمل، والذي لخصه في العبارة التي أنهاها بها، ومؤداها أن الإنسان عدو ما يجهل، وبالمعرفة وحدها يزول الجهل، وليس علينا أن نحكم على أناس أحكاما ظالمة دون أن نتقرب من عوالمهم ونخبرها ونعرفها حق المعرفة، فالجنسيات تختلف، والإنسانية هي القاسم الجامع الوحيد، هندي، لا تيني، عربي.. الخ، بينما في بلاده يكثر العنصريون.
6- العلاقة بين البداية والنهاية
علاقة تباين واختلاف في المفاهيم فقد بدأ البطل بمفاهيم اختلفت وتغيرت من خلال تجاربه، فيؤمن بضرورة تغييرها، وينجح في ذلك تماما.
تقنيات مستخدمة
الحوار: استخدامه للحوار موفق، فهو مناسب للمواقف ودال عليه في اختزال لا يخل بما يريد إيصاله للمتلقي، وبما يتناسب مع جو القصة القصيرة.
الفلاش باك: وأتى متسللا لطيفا، فيه تصوير لحال المجتمع في عفوية وبساطة توصل أكثر من رسالة.
لوحة جميله جدااا. انا فنان تشكيلي احب هذه الاعمال. اسمي هيثم الحكيمي
مرحبا بك صديقي الفنان هيثم
سعدت بمرورك .. بالفعل هي لوحة مميزة لفنان رائع.. شكرا لك
واهلا بك هنا
يمكنك ارسال أعمالك الفنية على ايميل الموقع لتنشر لك بمصاحبة النصوص.
في انتظارك قريبا.