عندما رأى!

عندما رأى!

حسام القاضي

اللوحة: الفنان الكويتي ناجي الحاي

لم يعرفه أحد في هذا اليوم، متجولا في الكلية مبكراً، حاملا أوراقه وأدواته الهندسية، لم يره معارفه السابقون على هذه الحال من قبل، ربما منذ عرفوه.

حتى هي لم يعرها أي اهتمام، وقفت مشدوهة لا تصدق “أهذا هو؟!”

سأله أستاذه متهكما:

ـ ما هذا الشرف العظيم؟! هل تتنازل وتحضر معنا يا سيد “رجب”؟!

قالها وهو يترقب منه رد فعل وقح كعادته منذ سنين، منذ أن كانا زملاء دراسة، لكنه باغته 

ــ العفو يا دكتور، سيكون جميلا منك أن تسمح لي بالحضور.

“لا يمكن أن يكون هو.. ماذا دهاه؟ أهذا هو “رجب الألماني”؟! 

صٌعق عامل البوفيه عندما ناداه بـ “عم كامل” بدلا من “الواد كموله”، طالبا منه بأدب كوبا من الكاكاو. 

جلست بجواره من كانت تحبه في صمت، هالها تبدل حاله من النقيض إلى النقيض، تطوعت لمساعدته بما فاته من دروس.

لم يذهب إليه منذ دهر، كان يرفض ذلك رفضا باتا، “عنده الكثير من المعاونين فلم يحتاجني معه؟”، كان يعرف مواعيده المنضبطة والتي لا تتفق مع نظامه، يراه يخرج مبكراً إلى العمل، ويعود مساءا، أنيقا معطرا كما خرج صباحا.

لم يقل له لا أبدا، كل طلباته مجابة، لكنه كثيرا ما ينظر إليه نظرات لم يكن يفهم مغزاها.

ورث عنه جسده الضخم وورث عن أمه الألمانية ملامح وجهها، بياض بشرتها، زرقة عينيها، وشعرها الأشقر، كانا يتعاملان كصديقين، يتجولان معا بالدراجة، كانت الدراجة فلسفة حياة تعلمها منها، ولكنه تمرد عليها وجعل منها وسيلة مواصلات فقط وجمع معها كل تقاليع العالم، آخر صيحة في كل شيء يجب أن يكون هو رائدها.

حتى أمه لم تعرف سبب انقلابه المفاجئ، وإن كانت قد باركته، كل ما تذكره أنه عاد متغيرا منذ ذهب إليه، كانت تضع للبيت نظاما صارما، لها البيت ولأبوه عمله خارج البيت ولا يسمح بالاقتراب منه، لا هي ولا ابنه.

وحده هو كان يخمن السبب، ولكن هل هذا معقول؟! هل حدثت المعجزة وتغير ابنه المستهتر الذي يعيش حياته طولا وعرضا، “منذ أن وصل للسنة النهائية، وهو يرتشف حياته الجامعية وكأنها كوب شاي يتلذذ بشربه أطول فترة ممكنة”.

خاب ظن الجميع عندما استمر على حاله، ولم يرتد كما كان سابقا، وهل يمكنه ذلك ؟!..

عاد يومها مشحونا، سار على قدميه دون أن يدري أكثر من عشرة كيلومترات، يحاول أن يداري دموعه المنهمرة، الآن والآن فقط فهم معنى نظراته المؤنبة له، والمشفقة عليه..

لظرف ما اضطر للذهاب إليه، بحث عنه في أرجاء الورشة الخالية، ولم يجده، انحنى لينظر تحتها، انهمرت دموعه فجأة عندما رآه تحت السيارة، أباه ذا السبعين خريفا ملطخاً بالأوساخ والشحوم راقداً تحت سيارة لإصلاحها!!. 

رأيان على “عندما رأى!

  1. كثير من أمور الحياة التي نعيشها أو نعايشها جعلت معيار تقبلنا للمواقف أو رفضنا هو؛؛؛ مايفرضه علينا الناس من مقاييس،حددت وفق مفاهيم لهم رسمها تكوينهم النفسي والغرس الاجتماعي،
    ووفقه أصبح الاستسلام لقوانينهم من عدمه هو المُقَيِّم لرضاهم عنا أو انتفاءه،
    إثر ذلك تمت قولبة أفعالنا وسلوكياتنا في حدود قوالب حشرتنا ضمن مساحة ليست ضيقة فقط بل دبقة ليصعبوا علينا الفكاك والتمرد!!!
    حتى اعتقدنا أن التشكل ضمنها حتمي وواجب ..

    من تلك القوالب؛؛؛ التأنق الاجتماعي “البرستيج” والمبالغة بتلميع المظهر .. قيود “من عدة” أحكمت وثاقها حول رقبة وجودنا إلى أن شعرنا بالاختناق …
    كل مانحتاجه للفكاك شجاعة قرار ليتم الإقرار “الاعتراف بحقيقتنا بلاخجل ”

    لابد من التحدي والفكاك من الأوهام ،
    لابد من نعزيز الرضا،القناعة ،الثقة كي لانخجل من الإعتراف ..

    المشهد هنا مؤلم ولكنه ضمن حقبة مضت ستزاح مظاهرها خارج دائرة الضوء “هكذا أعتقد”

    فالحرفة في وقتنا هي سيدة الرزق ولأن أي سبيل للمال أصبح مرضي عنه وعليه،،
    للعولمة وللانفتاح على العوالم دور في تغيير الكثير من المفاهيم وفي تغيير القناعات بل ونسف بعضها… والقادم أكثر،،فبعض مشاهد التغيير جميلة،وبعضها حتما سيكون في قمة القبح !!!

    إعجاب

    1. أشكرك أستاذة
      لقراءتك العميقة ثم تعقيبك الجميل المفصل..وضعت يدك على مكامن الجرح المجتمعي الذي نعانيه..المظاهر الكاذبة التي شوهت وما زالت تشوه حياتنا ويقع الكثيرون أسرى لها وتحاول قلة نادرة الانفلات منها..
      كثير من الأبناء المدللين لا يدركون كيف يشقى الآباء من أجلهم فنراهم لاهين غير مبالين، وقد تدرك قلة منهم الحقيقة قبل فوات الأوان بينما تبقى الغالبية في ضلالها..
      جميل جدا تفاؤلك بالغد ..
      شكرا مرة أخرى لتعقيبك الرائع
      مع تقديري واحترامي لكم.

      إعجاب

اترك تعليقًا على حسام القاضي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.