أوراق الزيزفون

أوراق الزيزفون

زهراء البناي

اللوحة: الفنان العراقي كلحي نعمت محمد

هنا عطر الزهور.. الساعة قاربت الثالثة مساء، أقف عند بوابة خضراء، إنها حديقة Volks Garden، حديقة الزهور المشهورة بفيينا، تستقبل روادها زهرة خلابة المنظر يفوح منها عطر النهار المُشرق، رسالة رقيقة لا يدركها إلا الشعراء، لغة الزهور، ليست فقط الزهور التي تتحدث هنا، إنما كل ذرة، كل قطرة ماء، هي رسائل يقرؤها الفنانون والشعراء، يترجمون وينظمون ويرسمون، والعلم الحديث يصف الشعراء بأنهم أعقل الناس وأكثرهم إحساساً بالخلق والأشياء حولهم.

يرى الفيلسوف الإغريقي أرسطو أن الزهور لها روح، وأن هذه الروح هي التي تنظم حياة البذرة حتى تصبح زهرة، ثم ثمرة، ثم شجرة رائعة تنبض بالحياة وتنتعش بها أرجاء الطبيعة.

نعم أنا هنا.. وهذا الذي أراه شعراً..  يقف رجلٌ عند مدخل الحديقة، يعطي كل زائر زهرة، إنها أجمل وأرق رسالة كتبت بأرقى لغة جمالية بين الشعوب.. طريقة مؤدبة لإحراج كل من تسول له نفسه بقطف زهرة.

أنا الآن بين أشجار الصنوبر بألوانها الزاهية، تنافسها أشجار الأرز والبلوط حيث إطلالة ساحرة، أنا الآن فراشة تحلق حول الأزهار، وتنثر قبلات الولاء والإيمان بكل هذه الاّيات.

لوحه فنية بتفاصيل عجيبة، تتخللها نوافير مزينة بتماثيل ومنحوتات رائعة، تشقُها بحيرات وبرك مائية أشبه بالقصص الخيالية، وحولها البط البري والإوز والطيور والأسماك الملونة.. آه لهذه اللوحة الحية ذات النسائم العذبة.. منظر حقاً يستحق أن أخلده بفرشاتي والألوان.

بينما أسبح في أرجاء سمفونية تعزف أجمل ألحان الطبيعة، إذا بسيدتين يتقدمهما السن وأعوام لعلاقة صداقة صقلتها الأيام.. بابتسامة تودع تحية رقيقة اقتربا مني، واستأذنتني إحداهما حيث كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة أن ألتقط لهما صورة تذكارية معاً جانب النافورة، وكانت التقاطة قريبة تنطق بعمق سعادتهما معاً.. أعجبتهما الصور كثيراً، وبكل ود سألتني صورة أخرى بين الأزهار.. استرسلنا في الحديث الذي عبرت لها فيه عن مدى سعادتي وإعجابي بهذا المكان، بين هذ الكم من الزهور متعددة الأشكال والألوان، فأخبرتني بأنها وصديقتها ألمانيتا الجنسية، وأنها زارت الحديقة قبل سنوات عديدة، وهذه زيارتها الثانية، واستطردت بأنها كانت معيدة في الجامعة تخصص نبات، وأخذت تحدثني عن أنواع الزهور وكأنها لامست شغفي بحبها، شرحت بإسهاب أنواعها وأسماءها المختلفة، ودورة حياة بعضها العجيبة، وتنقلنا من زهرة النرجس إلى الديزي والأستر والزنبق والأقحوان والأوركيد.. نقلتني بقوة إلى عالم الورد، وما يميز أوراق الصنوبر والأرز.

 اقتربنا من مقهى جميل بالحديقة مزين بالزهور؛ فدعوتهما لمشاركتي القهوة تعبيراً عن امتناني لحديثها الشيَق الممتع، ولتكرمها بفيض المعلومات عن عالم الزهور والنباتات، وعندما حان وقت الوداع سألتني: من أين أنتِ أيتها العزيزة؟ وبابتسامة حارة جاوبتها بأنني سعودية.

بكل ود جذبت ذراعي، وربتت على يدي بقوة، وبين أحضان أم حنون أخذتني في حضنها.. أيتها العزيزة، نسمع الكثير عن معاناة المرأة في بلادكم، وبكل امتنان للطفها أخبرتها بأن المرأة السعودية تعلمت فن تخطي عراقيل مجتمع منغلق؛ بزيادة تحصيلها العلمي والثقافي، دعتني لزيارتها في بلدتها القريبة من حدود النمسا، وأخذت بريدي الإلكتروني لنبقى على تواصل.

 شكرت لها صدفة جميلة عرفتني بأم حنون مثلها، فاستكملت الحديث عن فتنتها بهذه الحديقة، لأنها من أجمل الحدائق التي لها تاريخ عريق، وهي معشوقة من طرف الأرستقراطيين والطبقة البرجوازية النمساوية؛ لجمالها الرائع الذي يأسر الألباب، يأتون إليها لقضاء العطلات وإقامة الحفلات الليلية.

 تبسمت لها وقلت: نعم هناك أغنية عربية شهيرة لمطربة مصرية قديمة زارت الحديقة، ويبدو أنها أسرتها، فأطلقت أغنيتها المشهورة “ليالي ألأنس في فيينا”، حيث تعثرت الترجمة، وأنا أضحك مداعبة لها، إنها حديقة فعلاً تأسر العقول! ونصحتني بزيارة قصر “هوفورغ” حيث تقع الحديقة في قلب هذا القصر، وبوعد للتواصل وزيارتها سبتمبر القادم إن سمحت الفرصة، افترقنا.

تنفست بعمق.. إنها لحظة الخلوة مع فرشاتي وألواني وتخليد هذا المكان بين أوراقي، فقد غمرتني هذه السيدة بطاقة وحماس، أشعر الآن بأنني أكثر قرباً وانتماءً لهذا المكان.

فتحت كراستي ونثرت ألواني، وبدأت بتوزيع الخطوط على أوراقي بشغف ماذا أرسم؟ وبابتسامة رضا، استرقت نظرة إلى السماء، وتنفست الصعداء، آه ما أروع هذا المكان، وما أروع أن أستنشق هواء حبك هنا.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.