اللوحة: الفنانة السورية الهام بدر الدين محفوظ
وبعد مضيّ أسبوع، أُسدِلت الستارة وانتهى المهرجان. عاد الزائر الكريم من حيث أتى وعاد المهلّلون إلى أعمالهم والمعترضون إلى متاريسهم، ولم يطرح أحد السؤال: ما الذي أتى بهذا الزائر من خلف البحار ليطرق باب مغنّية دهريّة، فيطلب ولوج قدس معبدها؟
ألأنّها غنّت أغنية “بحبّك يا لبنان” أو”نسّم علينا الهوى” إذ لعلّ هاتين الأغنيتين هما الوحيدتين اللتين يعرف كلا الطرفان كامل كلماتهما ولحنيهما.. أمّا إذا سألتهم عن الأعمال المسرحيّة وحواراتها لهذه السيّدة ولزوجها فلن يشفي غليلك جواب سليمٌ إلّا في ما ندر من الأحيان.
جميع الذين شاهدوا هذه الزيارة، سواء مهللين أومعترضين، وقفوا برهبةٍ يومًا ما على مقاعد الدراسة، أمام مسرحيّة لموليير أولراسين أولشكسبير ونهلوا ما اقتدروا منها، لأنّها مكرّمة بعلامة قد ترفّعهم أوترسبهم، وأنهوا سنيّ دراستهم ولم يسألوا.. أين هي المسرحيّة اللبنانيّة التي نتعلّم منها العبر والحكم المكتنزة في هذه المآثر الأجنبيّة؟ ولا شكّ أنّهم لا يعلمون أن هذه المسرحيّات، هذه الأعمال التربويّة السهلة الممتنعة بألحانها ونصوصها وفرادة أفكارها، موجودة بعيدًا عنهم مسافة خطوة من الحرّيّة الفكريّة. هذه المسرحيّات لا زالت هنا وإن هجّرها القيّمون على المناهج الدراسيّة من كتب الطّلّاب وأبقوا على الأعمال المترجمة. لماذا؟ تكثر الأسباب ولا تستحقّ النّقاش فالمسرحيّات لا زالت هنا تنتظر من يسمعها في حداثته أوفي مراهقته، فيتلقّن حقائق المجتمع والسياسة والمواطنة مزّينة بأرقى الألحان والأوزان الشعريّة، فلا يعود يحتاج أن يُصلب أمام شاشة مسطّحة، يطلّ منها فيلسوف معوّج طويل اللّسان يسعى جاهدًا لأن يلقّنك كيف تفكّر وبماذا تقتنع، ويمكنك أن تخرسه بكبسة زرّ.
لكنّ قلائل هم الّذين يجرؤون أن يضغطوا هذا الزّرّ، فهم لا يعرفون كيف يفكّر أهل السياسة وأهل الحرب وأهل الحكم. هم يحتاجون لأن يستمعوا لساعات طوال من التحاليل السياسية والحروب الكلاميّة والتحقيقات المصوّرة. وبعد أن تُرهَق عيونهم من المشاهد المبرمجة وتؤلمهم آذانهم من الصراخ المتصاعد من الحناجر الخشنة وتمتلئ قلوبهم من الأحقاد المهراقة حينها سيدركون أن “الرعيان بوادي والقطعان بوادي” ويغلقون شاشة التلفاز قبل أن يعودوا ويصرخوا لا إراديًّا “يعيش يعيش”.
وحينها يختارون بطلهم يسلّمونه أمرهم ليحلّ مشاكلهم، ويتبعونه مسافة حياة من الزمن، يضيعون زمنًا ونصف زمنٍ من أعمارهم، طالبين حلولًا من الذين نصّبوهم ملوكًا وعظماء عليهم، وقبل السقوط، فقط قبل السقوط يعلمون أن حلّال القصص الذي اختاروه عاجزٌ، عنده قصّة.. ويا ما أحلى قصّتهم.
وأمام هذه الواقعة الأليمة وبعد ضياع العمر في خدمة حلّال القصص يقرّرون ترك بيوتهم والهجرة ويتركون مفاتيحها في يد التي سوف تدير ظهرها، فينهار العرش وتُلزم الملك أن ينزل ليلاقي الشعب. ولكن حينها سيكون العمر قد مضى بأفراحه ومآسيه وما بقي لهم إلا أن يجلسوا بصمت، بانتظار قطارٍ وهميّ يقلّهم بعيدًا عن محطّةٍ في حقل بطاطا.
وتبقى للقدر سخريته الأخيرة، لو أنّ هؤلاء أضاعوا ستة ساعات بالإستماع إلى هذه المسرحيّات ولو أنه كان هناك مدرّس متحمّس لوطنه، يشرح لهم العبر والدروس في هذه المسرحيّات، لما كانوا أضاعوا عمرهم هباء.
ولكنّ الكلام يبقى كلامًا وحتّى الأحلام تنتهي، وستبقى سيارة الأطفال مش عم تمشي إلى أن يقرر الأهل أن يملؤوها باكرًا من هذه المعرفة، فلا يصل أولادهم إلى إدراك هذه الحقائق متأخرين، يقصقصون أوراقًا يحاولون أن يصنعوا مواطنين وهميّن لا يدركون من أين تبدأ حدود الوطن.
ولعلّهم يلاحظون أن المنبر الذي حمل هذه النّصوص إلى مسامع اللبنانيين وإلى أفكارهم، قد استحقّ في برهة من الزّمن أن يقرع بابه زائر من ثقافة أخرى في زمن أصبحت فيه كلّ زيارة مخاطرةً في أيّام التباعد الإجتماعيّ القسريّ، فيسمعون حديثه.