وجهان

وجهان

اللوحة للفنانة العمانية كوثر الغداني

تتفقد ليان ألبوم الصور مندهشة، تتابع بشغف ذلك الوجه الطفولي في مراحل نموه المختلفة، يا الله، يالها من جميلة! قالتها وهي تركز على ابتسامة ساحرة لصورة الفتاة التي تماثلها عمرا، المرح والسعادة والإقبال على الحياة، رسائل تنبعث من كل صورها.

تمسك مرآتها، تنظر للوجه المتورم الملفوف بالضمادات، ينبعث صوت من الأعماق: هل تستطيعين التأقلم؟ أيمكنك تقبل الوضع؟

تشيح بالمرآة جانبا، لسنوات لم تستطع إطالة النظر لهذا الوجه، كلما عن لها أن تراه، تشيح عنه ساخطة، يذكرها بما حدث؛ فتشتاط غضبا ونقمة على القدر.

لماذا لا يرى الناس غير ملامحنا؟ لا يكلفون أنفسهم عناء الإطلالة السريعة على أرواحنا المشرعة نوافذها للناظرين، لن يأخذ منهم الأمر جهدا، لكنهم يجفلون، يفضلون التجديف بمراكب أرواحهم فرارا من مركبتنا مهشمة الباب.

ماذا ارتكبتُ من إثم يا الله؛ لترسم لي هذا القدر؟ طفلة خلقت في روحها المغامرة واختبار العالم من حولها لتتعلم كيف تحيا، ما الجرم الذي ارتكبته لتكتب في صحيفة عمرها أن تصارع مخلوقاتك الحمقاء؟ منحتهم قوالب جميلة ليحلّوا بها، وظنوا أنهم اكتملوا؛ فباتوا يسخرون ممن قدرت عليهم أن يحبسوا في قوارب معطوبة، وكأنك لم تقدر كلا الحالين على مخلوقاتك، لماذا لم تتح لنا الفرصة للاعتراض؟ لاختيار أجسادنا التي نحل فيها؟ لتبديلها متى شئنا دون مكابدة كما نغير ملابسنا؟ لماذا يامقدر يا عظيم لم تمنحنا الحرية كاملة لنكون كما نريد؟ لماذا لم ترنا عقاب المسيئين المتعمدين تشويه ما تبقى من جمال دواخلنا عيانا؛ فتمسخهم قردة، أو تنزل عليهم سخطك، فيذوبون ويعطبون في الحال؛ حتى يعانوا ما نعانيه من وقاحة أفكارهم، ونختبرهم كيف يتصرفون؟ ترى، ما العدل يا الله؟ وكيف القصاص يكون ناجزا مرضيا للنفوس المقهورة؟ كم دعوتك في جوف الليل بحرقة القهر والبكاء أن تقتص لي منهم، لكنهم في الصباح يتمادون في تحقيرهم، وسخريتهم الفظة مما كتبت أنت علي، أتمنى في كل ثانية أن أموت، أن أخرِج تلك الروح من مركبتها المحطمة وأطلقها في الملكوت، ربما تكون أكثر حرية، أكثر قدرة على القصاص، أم تراك ستسجرها بين السماء والأرض لا تمنحها مهجعا؟ بحقك يا الله أخرجني، فلم يعد لي قدرة أواجه بها شرور مخلوقاتك.

  • ليان، المشفى حدد لنا موعدا، لعله الخلاص.. قالتها الأم وقلبها يقفز فرحا.

انطلقت الأسرة للمشفى على عجل، فتاة مطابقة لكل المواصفات تعرضت لحادث مروع، التفاوض يجري مع أسرتها علها توافق، لكن الأم المكلومة ترفض أن ينتزع عن الجثة وجهها ليعطى لأخرى، كيف يمكن أن تسمح بذلك؟ أن تدفن ابنتها بلا وجه؟ لقد أتت إلى الدنيا كاملة فلابد أن تعود لربها كاملة، لم تفلح مساعي المتفاوضين في حل المشكلة، وتحت الضغط والمحاوطة، تركت المكان مهرولة إلى الخارج لتتنفس بعض الهواء، وتطلق لدموعها أن تتحرر.

عند البوابة الخارجية رأتها، كأنها لينا، شعرها، قوامها، لكن…..

مسكينة تلك البنت، ما الذي حدث لها؟ لم يعد لها غير حفرتين تتحرك فيهما مقلتاها، فتاة بلا ملامح، بلا وجه، انفطر قلبها، وحاصرتها الأسئلة: ماذا لو كانت لينا مكانها؟ هل كنت تتشبثين بأمل مخاتل منتظرة من جثة أن تمنحها وجهها؟ هل ستكون لينا راضية؟ أن تمنح جمالها لأخرى بدل أن يأكله التراب؟

الأطباء يحيطون بليان، يمنحونها أملا جديدا يدفعها للصبر، تدخل أم لينا تسبقها دموعها، تربت على كتف ليان وتقول: أوافق بشرط، لا تحرميني من رؤيتها من وقت لآخر، كان اسمها لينا، وعيناها زرقاوان، سيتناسب وجهها أيضا مع عينيك البنيتين.

رأيان على “وجهان

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.