محنة الكُتَّاب

محنة الكُتَّاب

حنان عبد القادر

اللوحة: الفنانة الإسبانية ريميديوس فارو

كنا وصديقي المحنك نتجاذب ذات جلسة ثقافية أطراف الحديث، وعرج بي على من يحب من كتاب – وخاصة القدماء منهم – ثم توقف برهة عن الكلام، فسألته فيم يفكر؟ قال: إني لأعجب من كل الباحثين في الأدب العربي، فعلى قدر قراءاتي لم يقع تحت طائلة بحثي أي كتاب يتناول حياة الكتاب الاجتماعية بشكل دقيق، كيف كانوا يعيشون؟ ومم يتكسبون رزقهم؟ وإني ليدهشني عملهم – الذي كان فيما مضي أكثر إرهاقا منه الأن – في تأليف الكتب ونسخها، حيث يستلزم ذلك وقتا وجهدا وتكلفة، فمن أين كانوا يوفرون لقمة العيش بالإضافة لتلك التكلفة؟ 

قلت: بعضهم كان يمتهن بعض المهن، والبعض الآخر كان يتكسب من الأمراء والحكام.

قال: كانوا يتسولون عيشهم إذن، وإن كان أمير يعطيهم، فكم يدوم عطاؤه؟!، إنه رزق مقطوع لعطاء دائم، كيف كانوا يسيرون أيامهم؟! مساكين هم، يقدمون عصارة فكرهم لينفعوا به البشرية دون أن تلتفت البشرية لهم، فتمنحهم في حياتهم ما يستحقون، وكأن ليس لبنات الفكر قيمة ولا تقدير، يعيشون فقراء، ويموتون مساكين، ولا يُنتبَه لهم إلا بعد موتهم، هذا دأب مبدعي الأمم على اختلافهم عبر التاريخ.

ذكرني ذلك بأبي حيان التوحيدي في القرن الرابع الهجري، الفيلسوف والأديب الكبير، الذي سمي أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، فقد عاش على غزارة علمه وكثرة كتبه فقيراً مغبوناً، وفي رسالة حزينة وجّهها إلى صديقه أبي الوفاء البوزجاني – وكان ختم بها كتابه الشهير الإمتاع والمؤانسة الذي أهداه له – قال فيها: «خلّصْني أيها الرجل من التكفف، أنقذْني من لبس الفقر، أطلقْني من قيد الضر، اشترني بالإحسان، اعتبدْني بالشكر، استعملْ لساني بفنون المدح، اكْفِني مؤونة الغداء والعشاء… إلى متى التأدمُ بالخبز والزيتون؟ قد والله بُح الحلْق، وتغير الخُلُق. اللهَ اللهَ في أمري، اجبرْني فإنني مكسور، اسقِني فإنني صَد، أغثْني فإنني ملهوف، شهرْني فإنني غُفْل، حلني فإنني عاطل. قد أذلني السفر من بلد إلى بلد، وخذلني الوقوف على باب باب، ونكرني العارف بي، وتباعد عني القريب مني».

ثم لما قست الأيام على أبي حيان ورأى أن كتبه لم تنفعه، وخشي أن تقع عند من لا يعرف قدرها، جمعها وأحرقها، ولم يسلم منها إلا ما كان منقولاً هنا وهناك.

وفي زماننا يقول جابرييل جارسيا ماركيز الكاتب الكولومبي الذي نال جائزة نوبل في الآداب عام 1982: “إن تأليف الكتب مهنة انتحارية، إذ ما من مهنة غيرها تتطلب قدرا كبيرا من العمل، وقدرا كبيرا من التفاني مقارنة بفوائدها الآنية. إنني لا أعتقد أن عددا كبيرا من القراء يسألون أنفسهم بعد الانتهاء من قراءة كتاب ما عن عدد الساعات المؤلمة والبلايا المنزلية التي مرت على المؤلف في أثناء تأليفه مئتي صفحة، أو ما هو المبلغ الذي حصل عليه لقاء عمله؟ وبعد هذا التقويم المحزن للبلايا، يبدو من الأساسي أن نسأل عن السبب الذي يدفعنا نحن إلى الكتابة. 

والإجابة في آخر الأمر، هي ميلودرامية بقدر ما هي مخلصة، فالمرء بكل بساطة يكون كاتبا مثلما يكون أسود البشرة أو يكون أي شيء آخر، فالنجاح يحفز المرء، والحظوة عند القراء مشجعة، ولكن ليست هذه الأشياء سوى مكاسب إضافية، لأن الكاتب الحقيقي سيظل – على كل حال – يكتب باستمرار، حتى إذا كان حذاؤه بحاجة إلى إصلاح، وحتى إذا كانت كتبه لا تلقى رواجا.

من الغريب حقا ألا يلتفت مجتمع لمن فيه من مفكرين وعلماء وكتاب، فلا يحتفي بهم إلا بعدما يفارقون الحياة، وينقطع عنها تدفقهم الفكري، وعطاؤهم غير المادي الذي يثمر في معظم الأحيان ثمارا تعود على المجتمع خيرا وفيرا، والأغرب من ذلك أن يحارب الموهوب في وطنه، ويطرد خارج بلاده، ولا يعتد لما يقدم من إبداع.

ماذا لو انتبهت الأمة لموهوبيها وقدرتهم في حياتهم حق قدرهم؟ ماذا لو وفرت لهم من الظروف ما يدفعهم لمزيد من العطاء؟ بالتأكيد سيكون العائد على حاضر الأمة ومستقبلها أكثر بكثير من كل إنفاق، سيكون ازدهاراً وحضارة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.