سري جداً

سري جداً

حسام أبو العلا

اللوحة: الفنان الفلسطيني خالد نصار

  تساقطت الدموع من عينى سامح عندما التقطت يده من أحد أدراج مكتبه ورقة وردية اللون بداخل مظروف أبيض، يعود تاريخ الورقة إلى أكثر من 20 عاما ومكتوب فيها “وداعا يا من عشقه قلبي، يا من وهبته نبض مشاعري وأحاسيسي، ولكن كانت الظروف أقوى مني ومنك وحرمت قلبينا أن يتلقيا رغم العشق الذي ظل يشتعل في الحنايا”.

رغم أنه يحفظ كلمات الرسالة إلا أنه كان دوما يهرول إليها ليسترجع ذكرياتها في لحظات يأسه وإحباطه واشتياقه للأحاسيس والمشاعر التي تملك الوجدان وتمنحه الدفء والحنان، كانت الكلمات من حبيبته سمية التي أحبها في منتصف العمر، كان حينها موظفا في منصب مرموق بشركة كبرى ويحظى بحب كافة زملائه لدماثه خلقه ورقيه في التعامل مع الجميع، بينما كانت سمية سيدة رقيقة جميلة، منفصلة عن زوجها منذ نحو عام، كانت تتردد عليه في مكتبه كل فترة لارتباط الشركة التي تعمل بها ببعض الأعمال مع شركة سامح، ما إن التقت عيونهما حتى تحدثتا بصمت دون كلام، كان سامح شديد الحياء، بينما كانت سمية حريصة على كل كلمة ونظرة لتفادي ترقب وتحفز من حولها من الزملاء الذين كانوا يتهمونها أحيانا بالتعالي والغرور لندرة حديثها حيث كانت تفضل الوحدة.

استمر الإعجاب الصامت بينهما عدة شهور حتى فكر سامح أن يدعوها إلى احتساء فنجان من القهوة في مكان بعيد عن العمل، ظل مترددا خشية أن يلقى ردا صادما يجرح مشاعره وأحاسيسه التي دفنت منذ عدة أعوام بعدما انقطعت سبل التواصل الوجداني والجسدي مع زوجته المريضة التي قابلت وفاءه وإخلاصه بالانعزال والجفاء فقد حولها المرض إلى كتلة من الغضب والانفعال، لكنه لم يجرحها يوما ولم يفكر أن يتخلى عن مسئوليته نحوها، وكان يجفف دموعها التي تتساقط مع خصلات شعرها بعد كل جرعة من العلاج القاسي. 

تحدث سامح كثيرا مع ذاته عن أحاسيسه التي تتحرك بمجرد أن يشاهد سمية، ويتساءل كيف تمكنت أن تعيد إلى قلبه الرغبة في الحياة بعدما أصابه اليأس من جدوى مواجهة ظروفه القاسية، فأصبح قانعا بأن يستمر في التضحية، كان سامح يعيش في حيرة قاتلة ما بين قلبه الذي يريد أن ينفض غبار السنين ويرتوي مجددا من نبع الحب والحنان، وعقله الذي كان دوما يهزم مشاعره ويسقط أحاسيسه وينذره من خطورة دهس قلب رفيقة عمره التي أنهكها الألم دون ذنب، ويطالبه بأن يستمر في رحلة العطاء.  

تراجع سامح عن دعوة سمية، واكتفى بنظرات خاطفة لعينيها الجميلتين كلما تزوره لإنهاء بعض الأوراق المتعلقة بالعمل، وفوجئ ذات يوم بسمية تدعوه إلى حفل في شركتها يحضره عدد كبير من المسئولين، ذهب سامح وارتدى أجمل ما في دولاب ملابسه، كان يتمنى بعد الحفل بأن توافق سمية على الجلوس معه ولو لدقائق معدودة، فلم يعد يتحمل الأحاسيس التي تداعب قلبه بمجرد أن تمر صورتها في خياله، وتحقق ما أراد حيث وافقت أن يوصلها إلى منزلها بعد الحفل، وكان يتمنى أن تطول المسافة ليبوح لها عما بداخله، لكن لسانه أصيب بحالة من الخرس وظلا يتحدثا عن الحفل والعمل، وشكرته سمية وصعدت لمنزلها. 

وفي اليوم التالي وبينما كان سامح يحدث نفسه عن نظرات سمية أمس التي تطالبه بأن يصارحها بحبه، تسللت أنامله إلى هاتفه وطلب رقمها ودعاها إلى احتساء القهوة في مكان قريب من عملها فوافقت بدون تردد، طار قلب سامح من السعادة وظل يخفق بقوة، شعر بأنه عاد شابا في العشرين وأن الحب عاد يملك قلبه، وصلت سمية في موعدها وكانت ترتدي فستانا يظهرها في قمة التألق والجمال، في بداية اللقاء تعلثم سامح بالكلام لكنها كانت شديدة الذكاء وتخطت ارتباكه بسؤال عن شئون العمل، فتمالك سامح أعصابه وقال لها: “سمية منذ فترة وأنا أتمنى أن التقي بك، فمنذ أن التقت عيوننا وكأن رابطا روحيا يربط بيننا، فأصبحت أشاهد عينيك في صحوى ومنامي وكل تفاصيل حياتي، هل تقبلي أن نتزوج؟”.

وعلى الفور جاء ردها، وكأنها كانت تتوقع ما قاله: “أنا أيضا أبادلك نفس المشاعر وكنت انتظر منك هذه الخطوة، وكنت دوما في حيرة من ترددك، لكن بعدما علمت أنك متزوج وأن لك أسرة التمست لك العذر”.. فسرد عليها سامح تفاصيل حياته فتساقطت دموع سمية من تأثرها بما يعيشه، وفوجئ بها تطلب الانصراف، ما أصابه بحيرة وحزن شديدين.

انتظر سامح اتصالا من سمية لكن مر نحو أسبوع عاش خلاله أصعب أيام حياته، ثم فوجئ بها في مكتبه وما إن التقيا حتى احتضنت يده يدها بقوة كأنه يترجاها ألا تبعد عنه، وقالت سمية والدموع في عينيها: “لقد فكرت كثيرا في الابتعاد عنك ولكن قلبي هزمني فوجدت قدميَّ تقوداني إليك، لكن في الوقت ذاته لن أبني سعادتي علي حساب زوجتك وأولادك”.

 فقال لها: “أنا أراعي الله في زوجتي المريضة وأولادي، ولكني صبرت سنوات حتى أعثر على قلب يحتويني بصدق حتى وجدت قلبك، ولن أفرط فيك أبدا، وأعدك بأني لن أقصر بحق زوجتي وأولادي حتى لاتشعري بتأنيب ضمير”.. ولكن سمية رحلت دون أن تعطي سامح ردا نهائيا بموقفها، واختفت مجددا عدة أسابيع، فتيقن سامح بـأنها حسمت أمرها برفض الارتباط به، فظل حزينا منكسرا صامتا، خاصة أنها لم تكن تجيب عن مكالماته الهاتفية التى لم يكن يكف عنها ليل نهار. 

وعمق جراح سامح سوء حالة زوجته التي نقلت إلى المستشفى في حالة متأخرة، وبعد أيام لفظت أنفاسها الأخيرة لتترك له زهرتين جميلتين فى سن الطفولة، وبعد انتهاء مراسم دفن وعزاء زوجته، عاد سامح إلى عمله ووسط أوراق كثيرة كانت تحتاج توقيعه، وجد مظروفا مكتوب عليه “سري جدا”، ويكشف تاريخ استلامه أنه وصل مكتبه في أول فترات غيابه لمرض زوجته، كان الخطاب من سمية قالت فيه: “وداعا يامن عشقه قلبي، يامن وهبته نبض مشاعري وأحاسيسي، ولكن كانت الظروف أقوى مني ومنك وحرمت قلبينا أن يلتقيا رغم العشق الذي ظل يشتعل في الثنايا.. فكرت كثيرا في حل، ولكن ضميري منعني من أن أبني سعادتي على حساب إنسانة مريضة تحتاج إلى يد حانية تجفف دموعها وتطيب جراحها، سأرحل للإقامة مع شقيقتي في أستراليا وليس معي إلا ذكريات حبك الذي أحيا بداخلي مشاعر جميلة، أعلم أنك كنت تحتاج إلىَّ وأنا أيضا احتاج إليك، ولكن أسرتك تحتاجك أكثر مني، لن أنساك وسأظل اتذكر قلبك الجميل الذي غمرني بأحاسيس ومشاعر صادقة، أدعو الله أن يشفي زوجتك ويبارك لك في ابنتيك، وداعا يا حبيبي”.

ورحلت سمية وهى لا تدري أن سامح قد أصبح وحيدا بعد وفاة زوجته، فقد شاء القدر أن يفترق قلبان عاش كلا منهما نبيلا رافضا أن يعيش لذاته،  ورغم مرور عشرين عاما فقد سامح الأمل خلالها في الوصول إلى محبوبته، فإنه رفض أن يستبدل حبها بحب بديل، ولا يزال يعيش على ذكراها وعندما يشتاق إليها يهرول نحو مظروف “سري جدا”.


صفحة الكاتب في حانة الشعراء

رأيان على “سري جداً

  1. هاهنا توقف بنا الزمن.. لن تكون لنا معا لحظات من جديد.. ولكنها الذكريات وحدها تستطيع أن تبعث صباحا… سرمديا…

    إعجاب

  2. هاهنا توقفت الزمن.. فلن يحمل لنا لحظات من جديد.. وركود الوقت لا يعني النهاية.. فالذكريات وحدها ربما تستطيع أن ترسل صباحا سرمدي…

    إعجاب

اترك تعليقًا على Sonia Rizk إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.