وليد الزهيري
اللوحة: الفنان العرلقي جاسم الفضل
ـ الله أكبر.
قرأ الفاتحة، باكيًا.
ـ الله أكبر.
ثم نصف التشهد.
ـ الله أكبر.
دعا لأخيه الجاثم أمامه، غلب نحيب المصليين المكظوم على دعائهم، تهتز أكتافهم الفتيَّة مطأطئين الرؤوس، تجمعهم زمالة العمل في الغربة، يبكي أخاه في نعشه.. وهم يبكون أنفسهم في نعوشهم.
حمل جثمانه عقب صلاة الجنازة أربعة من زملائه بالعمل نحو سيارة الإسعاف، ومن خلفهم أخوه والبقية، نظر الحاملان للنعش بالمقدمة لبعضهما البعض، قال الأول للثاني بأنفاس متحشرجة:
ـ عاوز أروَّح على رجلي يا واد عمي.
دفع الأخيران النعش في عمق السيارة، وأغلقا الباب، مال الثالث على الرابع:
ـ لازمًا تعرف بيتي في بحري.. وأعرف بيتك في قبلي.
حدّق الرابع في عيني الثالث المتابعة للإسعاف المتجه صوب المطار، قائلًا:
ـ حاضر.
جلس على مقعده بالطائرة عائدًا لبلدته في جوف الصعيد، وضع يده على شاربه الكث مستذكرًا كيف علّمه أخوه ربط حزام مقعده في أولى سفرياته للخليج حينما كان شاربه ما زال أخضر، يجلس اليوم وحيدًا، وأخوه أسفل منه بقاع الطائرة، يرقد في صندوقه حاملًا تذكرة ذهاب بلا عودة.
تعلّم من أخيه الأكبر ربط الحزام على كل شيء، متسلحًا بتعليم مهني متوسط في آفاق غربته، ألحقه بأحد المواقع الإنشائية مشرفًا على عمال يتاجرون بصحتهم من أجل قوت يومهم، لا تفارق مخيلته إجابة أخيه على سؤاله بعد أول عامين من الغربة:
ـ ع نسافر مِيتَى مصر؟
ـ أمك أتوحَّشتك إياك؟
ـ بدِّي أشوفها.
ـ حداك صورتها، أمسكها في يدَّك وأنت بتكلمها ع التليفون، مش ع تنزل مصر إلا يوم فرحك.
اعتاد حياة الغربة مثلما أفنى أخوه سنوات عمره فيها، وكلما أخذه الحنين خاطبه راجيًا:
ـ كفايانا غربة يا خوي.
أجابه بنظرات يائسة:
ـ أنت مشوفتش حاجة، مصر بتكره ولادها، بوك حارب في الاستنزاف (حرب الاستنزاف) وخرج مصاب، وآخرتها جاعد في البيت مع الحريم.
فك حزام مقعده، حمل جثمان أخيه، استقبلته أعين جامدة جاحدة، دفنوه في بطن الجبل، ثم عادوا معتادين غيابه.
التقت عيناه بعيني زوجة أخيه لأول مرة، وهي جالسة بجوار زوجته تواسيها، قدّم إليها حقيبة أخيه، أخذتها متوجهة لحجرة نومها وفتحتها، أمسكت بجلباب زوجها وضعته على وجهها، اشتمت رائحة عرقه التي ما زالت عالقة به.
توسّط ولدي أخيه في سرادق العزاء، متتبعًا مكالماتهما الهاتفية بين حين وآخر تأتيهما للعزاء من رفاق الجامعة، معقِّبين عليها بكلمات تقليدية جوفاء، شاهد من بعيد ابنة أخيه ذات السنوات الخمس، تلهو مع ولده وبقية أبناء الجيران بالقرب من سرادق أبيها، توجّه إليها، حملها واحتضنها حانيًا، نظرت إليه ببراءة قائلة:
ـ وين بوي يا عم؟
ختم ضابط الجوازات جواز سفره، وهو في طريقه عائدًا نحو طائرته شارد الذهن مغيبًا ومهمومًا بموقف زوجة أخيه بعد الأربعين:
ـ كِيف يا بنت الناس تاخدي عيالك وترحلي؟
ـ خالتي وخالتك، واتفرجوا الخالات، كفاينا لحد اكده.
ـ شوفتي منّا إيه زعّلك؟
ـ شوفت من أخوكم البخل والموت ع الجرش، كل سنتين ولا تلاتة يورِّينا وشّه.
ـ الناس ع تاكل وشنا.. لا تمصَّخيها عاد.
ـ ولاد أخوكم كبروا، وعندهم اللي يكفيهم.
قرأت المضيفة رقم مقعده بالتذكرة، مشيرة إليه بالذهاب نحو المؤخرة، جلس متمتمًا وهو يربط حزامه:
ـ مرتي أصيلة .. ما تعملش اكده.