متاهة الضّحك

متاهة الضّحك

نورة عبيد 

اللوحة: الفنانة الكويتية هاجر عبد الرحمن

في فجوة من الزّمن تعسّر عليهما اللّقاء. اختلفتا إلى الحياة بذكريات عالية. 

صديقتان مختلفتان مرحتان ساخرتان متماهيتا الرّوح إلى حدود تعزّ على التّفسير. جمعتهما العربيّة في رواق من جامعة عريقة. الأولى تدقّ مذاق الكلمات بحساب، والأخرى تهيم فيها وبها بفيضان. 

لم تتلازما كظلّ ولم تفترقا كعصيان. وحده حديث الأرواح المهجورة ثالثهما في كلّ الرّدهات.  الصّباح والمساء، الفجر وهزيع اللّيل الأخير، الهاجرة والقرّ. لقاء الصّدفة بين الأحياء والأموات.

قمريّة الوجه ذات عينين برّاقتين نجلاوين. فم دقيق مكتنز وشعر حرير بنيّ. قامة على هيئة الكمال المحبّب إليهما لا تميل إلى الطّول ولا توحي بالقصر. عنصر الشراكة بيْنهما.

قلبيّة شكل الوجه. عينان واسعتان وحاجبان مقوّسان. أنف دقيق متيقّظ. وجنتان متورّدتان. شعر غجريّ مترام على الكتفين يستند إلى قامة لا هي قصيرة أو طويلة. روحان من عقيق المعاني ذاقتا في لحظة لوعة الفقد وتلذّذتا في أرق سلوى اليأس بلفظ «الحمد لله». تاهت الأرض عن خطواتهما سنوات. مرّت السّنون بيأس اللّقاء. يتعسّر الشّوق في قبض الذّكرى إلى حدّ البكاء. تروي في فخر لزوجها عن الغجريّة السّمراء وقدرتها على الاستهزاء. روت له عن ولعها الجنونيّ بالفلسفة والقرآن على حدّ سّواء. 

لم تستطع النّفاذ إلى شقيقة الدّرب فاستأنست بالقدر، وواصلت شهوة ارتكاب الأخطاء، تناقش ما لا يناقش. شقّت غايتها في ارتباك. وتدرّبت على نصيبها من الأفق. 

ها هي بالجامعة حافلة بالصّدى. ضاجّة بالحنين، عاجزة عن رتق الأنين. فتوحّدت بالمكان والزّمن الأصيل، وسلت عن الصّديق وقت الضّيق. دُقّت طبول وناحت عقول. رقصت أفاعي وانتحرت وعول. خابت أماني وصدقت ظنون. كذبت أصداء وتيقّنت أنباء، وهي والذّكرى سواء كفلسطين والأنبياء من الشّعراء … 

 تناسل الأهل والأصدقاء و زاد العدد ونفدت العدّة. مات الوليد وعاش الشّيخ. تزوّجت المطلّقة والأرملة وعنست البكر. شذّ الوقت ومات الأمل. تهالكت الأرواح وانبرى النّواح. توحّشت المقاعد الأماميّة والخلفيّة، الفوقيّة والتّحتيّة. لا أمان لا تُصالح، توحّد، تفرّد، تصدّف. كلّ منهما تقوقعت في صدفة تلمّع الدّرب. 

كان صوت فيروز دما مشتركا. ريما العربيّة السّمراء تنشر الملابس على الياسمين. البحر رعد الحنين والعبث غبّ السّنين. الجنون والمطر بحديقة «البسّاج» Passage بتونس العاصمة، تراتيل الكلم بقايا صور.

أسماء العشّاق نداءات لا تحتمل. ورسائل السّحر عطر أنوثة من فجوج السّمر.

لم يعد للغجريّة سهر حتّى لاحت ذات مرّة صديقة مشتركة. جرت خلفها وتمكّنت من تعديل وتر الكمان بينهما. ركّبت رقم الهاتف في شجن وصخب وضحك، ثمّ همت دموع دون مجاز: 

– انتظرت هذا الهاتف أنت لا تريدينني إرادة خالصة كما كنت.

 – ما أنت؟ أين أنت؟ 

 –  إنّي انتظرتك 

– اللّقاء.. اللّقاء.

تعطّرت وتأنّقت وسبقتها إلى حيث هي.

لأوّل مرّة عشقت اختراعا يسمّونه الهاتف المحمول. قبضت عليه بأصابعها، ربّما تتصل ولا تسمعه، ربّما نسيته، ربما يتعطّب. كأنّهما ستدفعان ثمن الغياب. التحقت بها بمصرف بالعاصمة. تعانق وتباعد. التحام كأنّه الحلم. الكفّ بالكفّ والإبهام بالإبهام. في متاهة الضّحك انتقمتا من النّسيان. جلّ المكان. عرش من الوعود والأشجار يتسلّقها الحديث. في غبش السّجائر شفّ الرّمل والرّجل والرّحيل. 

اترك رد