مصطفى البلكي
اللوحة: الفنان المصري رمسيس يونان
بدا ساكنا كأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد، هائما بعينيه على تراب المنطقة التي تبعد عن موطئ قدميه بضعة سنتيمترات، والعصا الرفيعة، مستسلمة لأصابعه، يحركها كيفما يتراءى له، منفصلا عما يجري حوله.. غير عابئ بالأقدام التي تمر بجواره، وبكم الأتربة التي تثيرها، والتي تفوق بكثير ما تخلفه حوافر الخيل، ومن جانبه لم يكلف نفسه عناء مد يده وتنفيض الغبار الذي كسا عمامته البيضاء، ولحيته الكثة البيضاء..
العيون من حوله تستحثه، تطوقه، تطلب منه عمل أي شىء..
فالسكون ارتضوه زمنا منه، وحيدا يجلس، وحيدا يتكلم، وحيدا يدخل الجامع ويصلي، وحيدا ينام منفرداً، ضاما ركبتيه لتلامسا بطنه..
الصفعات بدأت تدوي، جاعلة الشرر يتطاير من العيون ليعانق النجوم التي تضوي في عز الظهر فوق الأكتاف..
النجوم طارت.. العقول طارت.. والعمائم طارت.. والدموع فرت وطارت، ساقطة تحت أقدام صاحب الوجه اللحيم، وكلوة يده تعبث في الوجوه.. وسؤاله الوحيد، يطن في الآذان:
ـ هاتها؟
ـ من أين؟!
ـ هاتها لو من (…..).
يحمر وجه النساء، الملتصقات بحوائط البيوت وينظرن إلي المساحات المتوارية أعلى الفخذين فأعناقهن كلت الميل نحوه، وأجسادهن جهارا عيانا في مرمي النظرات المتأكسدة فيها الشهوة، وذكريات الأيام تسقط، وأفواه الأمهات والجدات تنقب حوائط القبور، وتطل، تذكره بغيرته، بسوط لسانه، يجرده عليهن، إذا ما مالت الواحدة عن ظلها، وتبعثرت طرحتها، وإذا بان من وجهها ولو خرم إبرة، وإذا ما وطئت عين أديم وجه الواحدة منهن، كان يثور ويحدف فمه الريم من زواياه، ويده يشمر عنها كم الجلباب، فتنفر العروق وهي قابضة على زقلته، يطوحها، ويعملها في الأجساد..
تفر من أمامه الرجال..
وتمر الأجساد الغضة في الدروب البعيدة..
فلا تجرؤ الشهوة على تحريض العيون..
الصفعات تثقب طبلة أذنه، مقبولة، البصقات فوق الوجه الناشف الذي حمصته الشمس مقبولة والجسد المفرود أمام الوجه اللحيم، مقبول أن يفعل فيه ما يريد، يعجنه، يربه، يوسعه ضربا، وركلا..
وشعر الواحد منهم المهوش والمبلول بعرقه، يناوش عيني خليلته، المائل عنقها نحو الجالس هناك فوق التراب، يخط بعصاه خطوطا غير مفهومة لائذا بصمته.
الفم ما زال يجأر، متوعدا بالمزيد من العذاب، والجسد ساكن، به بعض الصلابة، والرمق الباقي لتحمل ضربات اليد بكلوتها الباظ منها اللحم..
سكونه وخشخشة عظامه المتعاركة مع بعضها يُسمع لها صوت، حتى تفاحة آدم بصعودها وانخفاضها يُسمع لها صوت، ومصه لريقه يُسمع له صوت..
الصفعة تطيح برأسه، وعند ارتداده يعانق عمامته البيضاء وقد خللها الغبار، ويده مازالت تعبث بتراب الأرض..
“منها خلقناكم وفيها نعيدكم”..
تسحله الأيدي ومؤخرات بنادقهم تدك عظامه، وحذاؤه يفارق قدميه، فتظهر الطبقة اللزجة الملتصقة بالقدمين، المعجونة من تراب الرهبة وعرقه..
النسوة مازالت عيونهن تستحثه، ويتساءلن فيما بينهن: أتراه رسخ في نفسه ما يقوله أهل الدروب من حولهن بأن ضرب الحكومة ليس عيبا؟
ترتجف القلوب، وصاحب الوجه اللحيم..
أخيرا ينتبه إليه، وإلى سكونه الفارش فوق صفحة وجهه، وكم العيون المتعلقة بأستاره..
اللهفة تجتاحهم إذ يرونه، يفرد جسده بنجومه، ويكسوه بظله، ويخترق العقول سؤال: أيتركونه ليلاقي المصير الذي ناله بعضهم؟
أم أن هناك حلا آخر؟