تحت الأرض

تحت الأرض

د. محمد جابر لطفي

اللوحة: الفنان الأنجلو سويسري هنري فوسيلي

حي الجمالية بالقاهرة المعزية يطل عليه مسجد الأقمر بشارع النحاسين، فى نفس مكان الدير النصرانى الذى يحوى البئر الفضى الذى كان يفخر بشهداءه.. يختال فيه الضوء ويتراقص فوق حجارته البيضاء.. ينظر بملل إلى قهوة عتيقة يتحدث بها رجلان فقيران.

–        اهلا يا مخلوف

–        أهلا يا شمهورش.. ها ها ها

–        بس بقه يا مخلوف انت بتسعتبط معاى كل مرة بنتقابل فيها على القهوة الزفت دى اللى قدام حمام الأمير بشتاك وبعدين تعال قول لى مين شمهورش ده.

–        اصل الحمام ده بيفكرك بأمك البلانة وبعدين مالكش دعوةيا شمهورش.. قصدى يا رزق صحيح اسم على غير مسمى.

–        بس بقى قباحة.. لكن صدقت يا صاحبى عندك ألف حق فى حكاية اسمى ده. 

–        ياوله إنت عاجبك شغلتك.. حته عامل فى مستوقد يقرف الكلب الأعور الحزين.. تراعى بس قدر الفول والبليلة.. تشم دخان وتدهن وشك الحلو بالسخام.

–        لا طبعا وحد يحب كده يا صاحبى بس أعمل ايه شغلتى نشأت عليها من زمن.

–        بلا نيله.. الواد أصله نشأ فى قصر السلطان برقوق.. المهم إيه رأيك فى اللى ينجدك من وحلتك دى.

–        ابوس إيدك دلنى عليه.. بس إستنى ينجدنى إزاى.. يجوزنى بنت السلطان برقوق مثلا؟

–        نعم ياروح أمك بص لنفسك فى المرايا الأول كل اللى تنفعلك لك نفوسة العارجة بياعة البليلة ولا انشراح المعددة الدكر.. ها ها تاخد: بنت السلطان على إيه على أبوك مطاهر الموالد ولا أمك البلانة القبيحة ولا ستك ال.. 

–        ماشى يا عم خلصت لعن سلسفيل جدودى.

–        المهم نرجع تانى لموضوعك الفقرى اللى زيك يا جعر.. ها ها 

–        مين اللى حينجدنى وح ينجدنى إزاى.. حضرتك يا أمير الأمراء؟

–        لا يا صاحبى واحد أعرفه.

–        وإنت لما عارفه مانجدكش ليه بدل مابتشتغل صبى فى قهوة شملول بجلابية مزيته ومرقعة وطاقيه ماله لون و تخدم على يسوى واللى مايسواش زى أنا.. ها ها.

–        اخرس بقه ياه.

وبدون مقدمات، تحولت عيون مخلوف إلى كأسين من الدم القانى يشعان لفحات اللهيب، وامتقع لونه إلى لون أزرق كحلى، وأوشك على الكلام.. لكن فجأة كما يثور البحر يهدأ بلا سبب.

–        يالهوى إنت سرعتنى يا مخلوف لا ياعم مش حا جى واقعد فى قهوتكم القطران دى تانى ولا حتى ح أعرفك تانى خالص.

وقام من مكانه لكن مخلوف أمسك بجلبابه معتذرا!

– آسف يا رزق إنت أصلك معفن ونرفزتنى.

– ياربى.. نرفزتك كنت ح تاكلنى بعينك اللى بتشلب دم ولا وشك الكحلى.. يالهوى يالهوى.

– استرجل ياه ولا الظاهر إنى راح أصدق كلام الناس عنك فى الحارة.

– نعم.. نعم.. بيقولوا إيه ولاد الكلب دول.. 

– مش مهم بيقولوا إيه دلوقت أنا ح أكلم الراجل عشانك ونتقابل بعد العشاء فى تربة الزعفرانة عارفها؟

– يا عينى.. ياليلى.. نتقابل فى عز الضلمة فى الترب أنت عايز تموتنى شكلك.. ولا عندك غول جعان وجتتى موصوفه له.

– بس يا أهبل أحسن.. أنت عارف

– لا والنبى سماح.. أنا غلطان أنا تحت أمرك بس عايز أسألك تربة الزعفران دى سمعت أن أمير من المماليك إسمه جركس الخليلى حيقلها خان ويسميها باسمه.. طب والجثث المدفونة هناك حيعملوا فيها إيه.

– وإنت مال أهلك جدك الخليفة شوال جالك فى المنام يشتكى. المهم حتيجى ولا 

معلش سماح حاكون فى الميعاد بس تربة الزعفران واسعة أروح لأى تربة.؟

– تربة الحاكم تعرفها

– أسال يا خوى

– شاطر 

– سؤال تانى هو الحاكم فعلا مدفون هناك أصل أمى كانت بتقول أنه كان راكب حماره وطلع جامع الجيوشى فى المقطم ومارجعش وإنه طلع السما.

– حريقة عليك وعلى أمك بطل رغى بقى عرفت حتيجى فين وإمتى.. ح أستناك وماتقولش لمخلوق حتروح فين ومع مين.

– ليه إياك حتخطفنى ولا يمكن ح تخطفنى

– إسمع الكلا يا رذل يا للا فارقنا.

– علم يا سيدنا الولى.. ها ها ها.

وجرى رزق قبل أن تطوله مخالب يدى مخلوف.. تمر الدقائق والساعات تطعن رزق فى سائر جسده فرحة لكنه لا يصدر تأوها واحدا.. يعد الخطا حتى يصل أمام مقبرة الحاكم.. وحشة الظلام.. عويل الذئاب.. دقات قلبه تطغى على كل شئ.. وفجأت تهبط كف على كتفه الأيمن فيقع مغشيا عليه ولا يستفيق إلا بهطول ماء له رائحة نجسة على وجهه.. ينهض ويسعل محاولا إخراج الماء العفن من رئتيه.

– أنا فين.. أنا فين.. كده يا مخلوف أنت بتستهبل كده برضه تسرعنى.. قطعت الخلف خلاص.

– لا اطممن حتخلف عيال قد شعر راسك.. ها ها.

– إنت عملت فى كده ليه.

– اخرس بقى.. الميعاد أزف

– ماشى يا عم بس صحيح هو فين الراجل.

– أنا

– ها ها ها.. والنبى إيه.. إنت عارف أنا كنت أهبل وبريالة لما صدقت واحد زيك.. يا راجل.. دى عشرة أكتر من عشرين سنة.. وإحنا بنلعب فى الزقاق.. وكانت أمى تاخدك من الخرابات وتحميك وتأكلك وإنت تضربها وتصرخ من النظافة زى الكلب الأجرب وتهرب ترجع أوسخ من الأول.

– رزق اسمع الكلام المفيد.. إنت تعرف على بابا.

– طبعا بتاع الست مرجانة.. يا بخته.

– تحب تكون أغنى منه.

– نعم يا شاطر.. أنا ماشى.. سلام.. 

– إصبر بقى.. إنت عارف إنه كان بيقول افتح يا سمسم.

–        طبعا أمى الله يرحها ياما حكت عليه وفى الآخر تعيط وهى بتشتم فقر أبوى وحظها الأسود المهبب لما إتجوزته.. وسابت عشانه.. 

–        ارحمنى بقى يارزق.. ممكن علشان النبى وأهل بيته حكايات العيلة الملوكى بتاعتك خليها لك.

–        ماشى يا مخ.. أنا برضه حاقول إفتح يا سمسم ولا حرنكش.. ولا يمكن.. جعضيض.ها ها ها

–        يا مصبر الوحش على الجحش ياربى.. لا حتقول.. هاتوخ شاجال مريج.

–        نعم.. نعم.. نعم أقول أيه والنبى تعيد تانى.

–        قول بس

–        حاضر ياسيدى.. 

–        ويردد رزق الكلمات العجيبة فى سخرية وبلا إنذار تضىء المقابر بألف لون ويجد من يشده إلى الداخل.. بل إلى أسفل.. لا إلى قرار نفسه.. يسمع أصواتا عالية تصرخ بلا سبب تصم إذنيه ولا يستطيع الفكاك.. يهدأ كل شىء إلا نفسه الملتاعة ليجد نفسه مرتديا جلبابا أبيضا وحوله أناس بينهم مخلوف صديقه وامراة جميلة.. لكنهم ذو طول عجيب ووجوه زرقاء قاتمة وعيونهم مشقوقة طوليا.. حاول أن يصرخ لكن لسانه المدهون بالصمغ العربى ظل عاجزا أن يصدر ولو همسة تحرك إليه كبيرهم قائلا بلهجة عربية سليمة.

–        رزق أظن إنك عرفت إحنا مين

–        أيوه ويغطى وجهه بسم الله الرحمن الرحيم 

–        شاطر بسم الله الرحمن الرحيم

–        حأقرأ آيه الكرسى عليكم وح أحرقوكوا زى أمى ماكنت بتوعينى.. يستنجد بمخلوف يجده يضحك وأخذ رزق يحاول أن يتذكر الآيه وفى النهاية يبدأ فى تلاوتها.. لكن كبيرهم ومن حوله إبتسموا وأخذوا يرددون معه آية الكرسة حتى نهايتها.. أسقط فى يديه.

–        يالهوى يالهوى أنا وقعت خلاص فى إيد اللى مابيرحمش 

–        أبدا يا رزق النهارده يوم سعدك

–        سعدى.. سعدى.. وأخذ يلطم وجهه مرارا حتى اقترب منه مخلوف مزمجرا.. وقال

–        طبعا إسمى مش مخلوف

–        أكيد يا سيدى.. ممكن أعرف إسم الكريم.

–        شخبيع بن إشتوراح بن.. 

–        يالهوى يالهوى.. وأخذ يلطم من جديد كفايه إرحمنى ياعم أنا أكيد نايم وباحلم بكابوس منيل بستين نيله فوق دماغى وح أقوم منه.. حأقوم منه.

–        لا يارزق حتى بص.. وضربه على وجهه ضربة أطارت بما تبقى من عقله وألحقة بآخر

–        كفاية والنبى ضرب.. أمنت أنى عند أسيادى الجان تحت الأرض.. وإقترب منه كبيرهم الوقور قائلا 

–        لا يارزق إحنا مش أسياد حد وأشار إلى المرأة الجميلة 

–        – دى سعادات 

–        أخيرا إسم مفهوم

–        لا دى إسمها لما حتتجوزها هى أصلا إسمها شانجرات

–        يالهوى يأما.. شانجرات وزرقاء لا سعادات أرحم

–        إنت حتقعد عندنا 4 سنين 

–        يالهوى وشغلانتى فى المستوقد وأمى المكسحة وأبوى العاجز وإخواتى

يقاطعه مخلوف

–        نعم يا روح أمك شغلانة مين.. وأمك وأبوك دول ميتين وإخواتك كلهم متجوزين ولا بيسألوا عليك من فضايحك فى الحارة.

–        أستر على والنبى ياعم.. أنا قلت أنهم هنا مش عارفين

–        لا عارفين

–        خلاص حرمت الكدب

–        شاطر

–        المطلوب منى إيه

–        ولا حاجة حنعلمك هنا وحتتجوز ومش حتفارقنا إلا لما تخلف 25 عيل.

–        يالهوى 25 عيل.. ها ها

–        إسمع الكلام 

تمر السنوات تحت الأرض سريعا يحب فيها رزق وطنه الجديد وامراته الزرقاء وأطفاله الذين يكبرون بسرعة وبلا نظام إلى أن جاء اليوم الموعود الذى أتى مخلوف إليه ليخبره أنه عائد إلى سطح الأرض وحده وأخبره أنه لا يستطيع ان يمكث لمدة أطول وإلا ذبل ومات.. أخذ يقاوم ويجادل حتى مس مخلوف رأسه فأحس بنار باردة تسرى من اللامكان ليفتح جفونه ليجد نفسه ملقيا أمام مقبرة الحاكم.. هرول بدون أن ينظر وراءه.. أقفل على نفسه باب الحجرة العتيقة.. غطى رأسه بالغطاء ذى الرقع الحزينة لكنه لم يذق طعم النوم.. أنتظر الشروق.. جرى إلى القهوة الملعونة ليجد مخلوف كعادته يوزع على زبائنه ما يريدون.. أسرع إليه ليلكمه.. لكنه، نظر إليه فانخلع فؤاده وتسمرت ذراعه.. أخذ يبكى فى ذلة متوسلا إليه أن يشرح له ما حدث فى رحلته إلى العالم السفلى.. ضحك مخلوف

–        شكلك أهبل أو محشش.. تعال قول لى فضلت مستنيك بالساعات امبارح ماجتش.. كنت مرزوع فى أنهى خرارة 

–        والله جيت وحصل.. وحصل.. 

–        بطل هبل.. أحسن الناس تفتكر أنك ملبوس.. وبلاش تيجى لى هنا تانى.. فهمت.. ضحك بخبث 

–        سلم لى على ولادك ال25

يهبط الظلام.. يجد رزق نفسه منساقا إلى مقبره الحاكم.. ليتفوه بألفاظ الجان.. يجد سعادات متزينة من أجله 

وفى عتمة الليل قبيل الفجر أتى إليه مخلوف ليخبره أنه سيعمل فى المستوقد كل نهار.. يأتى رزق بعد أن يحل الظلام إلى تربة الزعفران.. يقول كلمة السر.. لينفتح باب الأسرار.. يدلف إلى عالمه الحقيقى و يهنأ بحضن زوجته سعادات وأولاده المائة. 

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.