ليالي الشتاء الصامتة

ليالي الشتاء الصامتة

يحيى عبد الرحيم

اللوحة: الفنان البولندي توماس كوبيرا 

كنت دوما أعشق في حبيبتي نقاءها وعنفوانها وتمرد مشاعرها، كنت أغزل من عيونها أشعة لشمس الحب، وكان الكلام الذي بيننا مرسلا. لم نغلق خلفنا الباب سوى مرة واحدة في شتاء يناير، شتاء يشبه كفن، كنت أبحث عن الدفء، وهي كانت تبحث عن غصن، كبرت أحلامنا وما كبرنا.

وجدتها أمامي مصادفة استدعت كل لحظات نزقنا، وعبق صبانا، لا تزال فتاة يافعة تتلمس خطى الأنوثة، وأنا لا أزال صبيا يجري وراء عربة الماء في قريتنا؛ لعله يغسل جسمي من حرارة الشمس، منذ طفولتي كنت أهوى إمساك السحب بيدي، كنت أغزل من أشعة الشمس “طاقية” لطائر النورس، وكانت لعبتي جدا بسيطة، طين أشكله لأصنع عالمي: بحر وأسماك، مدن ورجال، محاربون وبسطاء، ودائرة مرسومة بالطباشير هي حدود الوطن.

 كان كل أطفال القرية يغارون مني، يسألوني بحنق: من أين جاء أبوك لك بكل هذه الألعاب؟! وكان ردي بسيطا يحمل عجبي من عقولهم المحدودة: “انتم عيال هُبل كل اللي بلعب به شوية طين يا غجر”.. من بينهم جميعا كانت تسرقني ابتسامتك الخجلى ونظرتك المعجبة فأتيه فيها. 

فجأة غطانا لون واحد، لون الكفن! وسارت نعوشنا كل في طريق، انتهت القصة، لكن الأكفان لا تنتهي، أكفان تلو الأخرى ستجلب ملايين الحكايا، منها ما يعيش ويورق كشجرة عتيقة، ومنها ما يموت في مهده، ومنها ما يظل يصارع للبقاء لكنه لا يملك من سبل المقاومة ما يكفي لاكتماله، ويبقى الأمل والحب في ميلاد قصة بريئة أخرى بعيدا عن ليالي الشتاء الصامتة البيضاء. 

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

رأي واحد على “ليالي الشتاء الصامتة”

اترك رد