المال والرجل

المال والرجل

أحمد دسوقي مرسي

اللوحة: الفنان المصري محسن عطية

-1-

أغلق الباب خلفه بهدوء، اسند ظهره عليه قليلا، نفخ في ضيق.

  • يا ستار يا رب، لوانها عرفت، 

تمنى لوكان للغرفة مفتاح حتى يضمن ان يكون مع نفسه وحيدا، ولوساعة واحدة، لا يقطع فيها خلوته أحد، استلقى على السرير مرتاحا 

  • يا سلام. 

تنفس الصعداء، أحس بالحرية تنساح حواليه كحقول خضراء. انقلب على جانبه الايمن. هامت نظراته على الجدار الكالح، ثم حطت بخفة على السروال المعلق هناك على المشجب، 

  • الان يمكنني أن أفكر بتأن وهدوء. 

سكت قليلا نفخ فى غيظ.

  • المشكلة يا عالم ان بطاقته موجودة، ومعنى ذلك ان عذرى امام الله انتفى، وانا الان مبتلى والعياذ بالله.. آه يا رب لو لم تكن فى داخلها هذه المصيبة التى اسمها البطاقة لنام ضميرى مستريحا، ولا ابالى. 

مصمص بشفتيه متحسرا.. 

ورطة.. ورطة.. والله العظيم ورطة.. يعنى لو فعلتها – اللهم انى استعيذ بك من وساوس الشيطان – لخنت الأمانة، وكنت من الضالين، وانا رجل مؤمن، اصلى واعرف ربنا. يا رب اعنى. لا حول ولا قوة الا بالله. ونفخ يائسا. نهض قليلا ارتكز بكوعه على الوسادة. اعتمد راسه بكفه. تكلم بصوت خافت ليسمعه بأذنيه 

  • لنفترض اننى وضعت الضمير جانبا – افتراض يعنى يا سيدى، هو الافتراض حرم – فألف جنيه مبلغ لا يستهان به أبدا لمن كان فى مثل حالتى، وفى وضعى التعبان. مبلغ – اقسم بالله ثلاثا – يمكنه ان يغير من حياتى تماما، وينقلنى انا والاولاد الى الامام.. مبلغ لو عشت طول حياتى ما وصلت اليه الا بشق الانفس.. هذا اذا افترضنا طبعا اننى وصلت بالفعل.

صمت قليلا. هز راسه كأنه ينصت الى همسات لا يسمعها الا وحده 

  • ماذا افعل به؟.. تقول ماذا افعل به؟! شوف يا سيدى.. ممكن اشترى ارض فى البلد، وممكن اعمل مشروع. هناك الف مشروع ومشروع. المهم الواحد يعمل اى حاجة. اى حاجة يا اخى تنقذنى من الغم الذى انا فيه.. طبعا ستقول لى: هل تستطيع؟

استطيع؟!. مؤكد استطيع.. مليم واحد واقسم لك برب الكعبة لن يصرف منه على البيت. المشروع اولا واخيرا ثم بعد ذلك ياتى البيت. المهم يا اخى الواحد يسند ظهره. ظهرى الذى انقسم – بعيد عنك. من ايام الفقر والحرمان.. يا خبر.. عشرون سنة يا رجل. اشتغلت فيها بالحكومة مثل الطور فى الساقية، واخرتها يا حسرة.. ملاليم تكفى اللقمة بالعافية.. يا رجل تعتقد انك عايش. هل تسمى هذه حياة؟!.. انت بصراحة ميت نعم انت مت من زمان يا محترم، والفرق بينك وبين الاحياء.. ان كان هناك فرق – انك تتنفس فقط. فاهم. تتنفس فقط

انقلب على ظهره. حملق فى السقف. احس براحة عجيبة تملا جوانحه بجذل ناعم. غادره تعب الجسد الذى كان يحسه على الدوام عند العودة، حتى النوم الذى ادمنه بعد الغداء، اخلى سبيله الى يقظة حالمة وديعة. انقلب على جنبه. حدق فى السروال مرة اخرى. ابتسم. نهض بخفة، امسك بالسروال. اخرج من جيبه الخلفى حافظة النقود. عاد بها الى السرير استلقى على جنبه مرة اخرى. ضغط عليها بإصبعين قلقتين. كانت منتفخة. وزنها بكفه هز راسه. لوى شفتيه مندهشا.

  • يا نهار ابيض. مرتب الشهر.. ريشة حمامة، بجوار هذه النقود

استخرج المبلغ كله. بدأ فى عده مرة اخرى: واحد اثنان ثلاثة.. يا خبر يا ولاد.. مئة ورقة من فئة العشرة جنيهات. سأجن يا عالم 

امسك بالنقود. رتبها فوق بعضها فى تساو ضغط عليها بشدة بين اصبعيه. رفعها امام عينيه. بدت سميكة كسمك الكتاب الصغير 

  • يا سلام على العز يا اولاد.. يا سلام.. انا فى حلم اوفى علم.. 

وانتابه فرح غامر، رقصت له اعماقه سكرى، ود لو هتف بزوجه ان تاتى لتشاركه فرحته المعربدة 

-2-

سمع صرير الباب وهو يفتح. جفل فجاة، رأى زوجته امامه تطل عليه من فرجة الباب 

حملقت فيه بتعجب:

  • الا زلت يقظا.. حسبتك فى سابع نومه 

لكنها فى ذات الوقت رصدت يده، وهى تخبىء بسرعة حافظة النقود، تحت الوسادة سألها هادئا وثمة خاطر معربد يتصاعد من اعماقه رغبة ملحة، ويدفعه ان يهتف لها بانها اوشكت ان تلج الباب الساحر، الى ارض الثراء الفاحش 

  • ماذا تريدين؟ 

لكنها لم تتكلم، واتجهت اليه بخطوات اشعلتها اللهفة مدت يدها تحت الوسادة بإصرار وقوة 

  • ما الذى تخفيه تحت الوسادة؟!.. لابد ان اعرف 

تشبث بعناد مرح بالوسادة. ضغط عليها بمرفقه، وابتسامته البهبجة تتمدد على شفتيه ارتياحا، وراحة يراه تدفعها عنه فى صدرها بضعف واستسلام 

  • لاشىء.. لا شىء.. صدقينى 

وتضاحك سعيدا 

  • لا.. لابد ان اعرف. انت تخبىء شيئا عنى، ولا تريد منى ان اعرفه 

كان يناضلها بلا قوة، والفرحة تهز اعطافه بسرور عميق 

  • سأحكى لك كل شىء.. فقط اجلسى هنا 
  • طيب احك 

وحملقت فى وجهه ماخوذة، لكنها اطاعته رغم ذلك، وجلست على الاريكة فى استغراب 

  • اسمعى يا ست.. حين كنت اصعد على سلم الوزارة، وجدت هذه الحافظة ملقاة على السلم فى وضع ربما لا يراه فيها أحد

ومد يده تحت الوسادة، واخرج الحافظة، ولوح بها امام وجهها ضاحكا. مدت يدها لتتناولها. شد يده عنها بسرعة:

  •   لا. ليس بهذه السهو لة، انتظرى قليلا

وابتسم فى وجهها محدقا:

  • كانت عيناى تنظران الارض – هكذا رسم القدر لى – فاذا بى المحها فى ركن معتم من السلم.. انحنيت اليها والتقطتها 

قاطعته:

  •  الم يرك أحد؟
  •  من حسن الحظ لم يكن فى تلك الدقائق أحد غيرى يصعد.. كان القدر – يا سلام – كان يرتب لى هذا اللقاء الموعود

عدلت من جلستها على الاريكة. سالته بلهفة:

  •  اه.. وماذا وجدت فيها؟
  •  اصبرى قليلا يا ست. ان الله مع الصابرين. ماذا ترين انى فاعل بها؟!. هل اقبلها واضعها بجوار الحائط مثلا كانها لقمة.. وضعتها فى جيبى طبعا دون اى كلام. نظرت حولى، والى اعلى، والى اسفل، فلم اجد احدا يصعد على السلم اويهبط منه سوى العبد لله.. الحقيقة لا اكذب عليك كنت خائفا، وكان قلبى يرتج بعنف فى صدرى، وقد جف حلقى كأنى صائم.. المهم – انا لا اريد ان اطبل عليك – دخلت دورة المياه، وهناك فتحتها.. فاذا.. وامسك فجاة. راح يطل عليها فى صمت، وكأنه يود ان يرى وقع كلماته العجيبة على وجهها 
  • اكمل يا رجل.. لماذا سكت هكذا؟
  •  اه.. أرأيت.. وجدت هذا الذى لا انا ولا انت نحلم به مهما عشنا 

واخذ بطرف المبلغ، وراح يهزه بيده هزات رتيبة، وكأنه يهز ناقوسا امام وجهها. ابتسمت فى سعادة 

  •  كم وجدته؟
  • خذيه فاعديه، لتسعدى مثلى يا غلبانة 

وناوله لها. تبسم منها ضاحكا وهو يرى اصابعها ترتعش فى عده بتان، مثير.

امسك بسيجارة واشعلها.. هتفت بعد دقائق بصوت كله دهشة وانفعال:

  • يا خبر ابيض.. الف جنيه مرة واحدة 

ابتسم. جلس على حافة السرير. مد رجليه الى الارض نفث الدخان امامها 

  • انتظرى هناك مشكلة 
  • مشكلة؟!
  •  نعم مشكلة.. فالبطاقة العائلية لصاحبها موجودة فى داخل الحافظة خذيها هى الاخرى، وتأملي فيها 

تناولتها منه بأصابع مرتعشة. نظرت اليها بإمعان. فتحتها وحدقت فى الصورة مليا.. صاحبها يلبس طاقية. حليق الشارب. مطعهم الوجه. جلبابه البلدى مصور فى الصورة بوضوح. عيناه الواسعتان تلمعان كأنهما تنظران اليها بتوعد.. فى الجزء الابيض من الصورة تحت رسمه بدت بصمته، غليظة، باهتة، وكأنها طمست بفعل الايام. قرات اسمه بالكامل.. الوظيفة او المهنة: تاجر ادوات صحية.. محل العمل: 

  • قراته ايضا بصوت مسموع 

سألها جادا:

  • ما رأيك اذن فى هذه الحكاية؟
  • رايي انا؟

وسكتت قليلا، وهى تمعن النظرة مرة اخرى الى الصورة 

  •  هل راك أحد وانت تأخذها؟
  •  قلت لك لا أحد.. ربنا فقط هو المطلع 
  •  طيب يعنى.. لا أحد شاف ولا احد درى 
  •  يا وليه اتقى الله.. لواننا سلمناها لصاحبها لأصبح لنا باسم الشرع 10%.
  • يعنى 100 جنيه – كلها حلال، وخالية من أي ذنوب 

هزت راسها موافقة. قالت بسرعة وكأنها تؤكد كلماته: 

  • كلامك معقول، وانا عن نفسي لا اقبل ان اربى أولادي من أي مال حرام 

ثم ناولته البطاقة، واستطردت وهى تشيح بيدها بعيدا:

  • نحن فقراء صحيح، والمرتب على قد حاله، ولكن ربنا يغنينا بالحلال 
  • نعم.. هذا هو عين ما قلته لنفسى بالضبط 
  • عارف.. لو لم تكن البطاقة.. 

قاطعها مسرعا فى حسرة:

  • فكرت ايضا فى هذه الفكرة قبلك.. لو لم تكن هذه البطاقة الملعونة لكان المبلغ حلالا علينا والحمد لله 
  • طيب والعمل 

حك ذقنه بإصبعيه. هز راسه يائسا: 

  •  انا تعبان والله يا شيخة.. انا تعبان فعلا وربنا عالم بى 

وساد بينهما صمت فسيح، كان ارضا بعيدة قطعت بينهما.. كانت عيناه الحائتان تهيمان على الحائط فى قلق، عقله يقف متعبا، شاردا بلا فكر، ولا تفكير.

امسك بعلبة السجائر، وأشعل سيجارة جديدة. سمعا دقات عالية مضطربة على الباب

نهضت متثاقلة:

  •  حضر الاولاد من المدرسة.. سأذهب لأفتح لهم

ثم التفتت اليه، وهى تخطو نحو الباب 

  •  اعطها لصاحبها – اعمل معروف – ولا تكثر من التفكير.. ربنا قادر يعطينا من حيث لا نعلم ولا ندرى 

واغلقت خلفها الباب. تركته وحده دون ان تسمع كلمته الاخيرة. هز راسه اسفا. امسك بالمبلغ مع البطاقة ووضعهما فى الحافظة. اتجه الى السروال المعلق على المشجب 

  •  لا حول ولا قوة الا بالله.. اللهم اهدنا سواء السبيل يا رب 

-3-

انهى صلاة العصر، بسجدتى السهو. ادرك انه صلى بقلب مشغول وفكر مبعثر 

جلس على المصلى شاردا، مهموما. اسند ظهره الى الحائط. كان يحس بطحن صاخب فى اعماقه، تردد دويه فى راسه كضربات المطارق 

لوى شفتيه متألما.. أمعقول هذا؟!.. انها والله حرب حقيقية، والصراع فيها قاس، ومفزع، ومرير.. هل يضحك الشيطان على يا رب، وانا الانسان طاهر اليد 

جلس القرفصاء. مسح على انفه بعصبية 

  • طيب.. اذا انا سلمت المبلغ الى صاحبه، فان الفرصة التى حانت لك يا ولد، ستضيع عليك الى الابد.. صحيح ساكون انسانا فاضلا، 

والرزق الحلال كما تعرف مهما ضؤل فان الله يباركه.. ويمنيه.. يا رب اعنى 

ومد رجليه بطولهما على سجادة الصلاة. كان الاولاد يمرحون من حوله ويتصارخون 

تابعتهم عيناه القلقتان بنظرات خاوية، لم يصرخ فيهم يأمرهم بالسكوت. كان يحس – واعجبا! – فى صخبهم المريع راحة لاعصابه المستفزة.. انه صخب – مع ذلك – لذيذ أجمل ما فيه الان انه لا يجعله مع نفسه وحيدا 

  •  ولكن لو فرض مثلا، وكان المبلغ لك.. لاستطعت ان تتحرك فى الحياة حركة اوسع يعنى المهم تعيش.. فاهم تعيش يعنى (ايه)؟ 

وأشعل سيجارة، نفث دخانها بعيدا عن فمه 

  •  اه لو لم تكن البطاقة موجودة.. يا سلام.. كان صاحبها اللعين يصر فى صمت عنيد على ان يدفعنى الى تعب ملعون مثله. يا رب اعنى.. انا غلبان، وتعبان، ولا ينقصنى ابدا تعب جديد

اشاح بيده. تمتم بصوت سمعته اذناه:

  • يا شيخ بلا وجع قلب. اسمع اعطها لصاحبها أحسن وما يحدث يحدث يعنى يا سيدى كنت قبل هذا تعيش شحاذا قم يا عم، وسلمها لصاحبها.. ربنا يرزقك بالحلال.. فمن كان رزقه على الله فلا يحزن 

ونهض متعبا.. لكنه مع ذلك أحس فى اعماقه، ببرد الراحة تهب عليه كنسمة رقيقة فى قيظ مستعر. طوى سجادة الصلاة فى تان وشرود.. القاها فى ركن من الصالة كيفما اتفق خطى الى غرفته وهو يزفر. تمنى من اعماق صادقة لولم يكن هو الذى عثر عليها. ارتدى ملابسه بفكر يحترق لاحظته زوجته 

اقتربت منه

  •  اين انت ذاهب؟
  • سأقابل صاحب الحافظة، وأسلمها له 

وانتظر قليلا، وابتلع ريقه 

  • ام ان لك رايا اخر؟

ابتسمت – هزت راسها:

  •  لا.. هذا هو رايى ايضا 
  • طيب على بركة الله، ساذهب واسلمها له.

لكنها تلكات حواليه مفكرة. شغلت نفسها بأشياء لا معنى لها. ساوت الملاءة. وعدلت من وضع الوسائد. جلست على حافة السرير. قالت له وهى تحاوره:

  •  يا ترى هل سيعطيك الحلاوة التى قلت عنها 

اشاح بيده يائسا 

  • والله يا ست انا لا اريد حلاوة ولا مرارة.. صدقينى 

نهضت. ابتعدت عنه قليلا، اولته ظهرها. تشاغلت عنه بتسوية الفراش من جديد 

أحس ان عدوى القلق تنتابها هى الاخرى 

  •  انت تقول ان احدا لم يرك حين وجدتها 

ثم صمتت قليلا، والتفتت اليه بوجهها، كأنما تفرغ معاناتها كلها بين يديه 

  • طيب.. انا يعنى.. قلت فى نفسى. يعنى لا داعى لان تسلمها له.. انت عارف حالنا تعبان، والمعيشة.. يعنى.. انت عارف طبعا 

ابتسم. لانت كلماته. فاض على وجهه حزن كئيب:

  •  اسمعى.. انا فكرت اكثر منك فى هذا الموضوع ولكن ضميرى – منه لله – لم يسمح لى.. المهم انا وصلت فى النهاية الى ان أسلمها له حتى استريح 

ثم فى نبرات مستسلمة تماما 

  • وانت طبعا عارفة ان القرش الحلال أفضل الف مرة من القرش الحرام 

زفزت بصوت مسموع. عادت الى السرير. جلست عليه متعبة 

  • على رايك. ربنا كبير، وقادر، ويرزقنا بالحلال.. الحمد لله.. مستورة. وحلوة.. وان زادت عن (كده) تمسخ 

وقبلت يدها ظهرا لبطن 

-4-

وقف امام الحانوت، بعد ان كلت قدماه، وتعب لسانه من السؤال عن الشارع. اخيرا يا رب وصلنا. حدق فى اللافتة المعلقة فوق الحانوت. قرا اسم صاحبه ثلاث مرات، ليتاكد باليقين ان اسمه المكتوب على اللافتة، هو نفس الاسم المكتوب فى البطاقة. تأمل داخل الحانوت. كان ثمة انابيب، واحواض كثيرة ذات ألوان، 

واحجام مختلفة تملا جوانبه الضيقة. كان الحانوت شاغرا الا من صبي صغير يرتدى قميصا بنيا، وسروالا واسعا، متسخا، يجلس فى الشارع، ويستند بظهره النحيل الى باب المحل. لمح رجلا بجلباب بلدى يدخل من المقهى الذى يقع عن يمين الحانوت. وقف الصبى له فجاة. تنحى عن طريقه قليلا. أمعن فيه النظر. يا رب. نفس الوجه المطهم الحليق، والطاقية فوق راسه. احس فجاة بخوف يعتريه، ويرعش منه الاعماق كارتعاشات الحمى.

  • يا للمصيبة.. ماذا حدث لى؟ لماذا انا خائف بهذا الشكل المريع؟!

وصكت مسامعه شتائم عنيفة، كان الرجل يوجهها للصبى ثم رأى كفه الضخمة، وهى تهوى كما المطرقة على وجنة الصغير. نظر حواليه محاذرا، واخترق الشارع بساقين مهزوزتين 

وقف امام الحانوت لحظات خالها دهرا. مسح صاحبه بنظرات سريعة وجلى، وكأنه يحتسيه مرة واحدة منظرا مرهوبا لا ينسى. عاود السير على افريز الطريق، عائدا كما بدا، وقلبه يخفق بين اضلاعه ملتاثا. مد يده الى جيبه وامسك بالحافظة، كما لوكان يخشى ان تقع عليها عينا صاحبها الفظيع 

  •  يا خبر.. ما هذا الذى حدث؟!.. انا.. انا خائف بالفعل، لقد نظر اليّ الرجل نظرة عميقة أرعبتني.. هل تراه عرفنى؟.. يا خبر اسود، ومهبب.. لوكان يعرفنى.

استحالت خطواته هرولة. نظر خلفه مبتعدا.. الحمد لله على كل حال.. يا سلام.. 

اه لو عرف اننى انا الذى معى حافظته.. انحنى الى شارع جانبى. التفت خلفه مرة اخرى استانف خطواته بهدوء اكثر 

  • منك لله يا زوجتى العزيزة.. انت السبب.. اخرتها اصبح لص يا اولاد 

امعقول هذا؟!. انا الرجل الذى عشت طول عمرى شريف ولا اعرف غير اللقمة الحلال.. اسرق.

كان يجمجم لنفسه مؤنباً، بيد ان اعماقه كانت مع ذلك مطمئنة، واحساس بالنشوة يتراقص مخمورا فى قلبه تعجب من نفسه. ان ضميره لم يشتغل ابدا فى راسه كما كان يتوقع. كان يظن وهو فى البيت انه اذا فعلها ستمرض نفسه دوما وتتعذب عذاب السعير.. 

  • يا رب. انا اعتذر اليك. اخطات. انا اعترف فارحمنى، فانت عالم بالحال، وغنى عن السؤال. يا رب.. انا اعرف ان صاحب المال اولى به منى.. يكفى انه صاحبه. لكن يا رب انت تعلم انى فقير، ومحتاج، ولولا رحمتك على لكنت حقا من الهالكين 

كان الشارع مزدحما جدا بالعربات والناس.. سار ساعة حتى كلت قدماه.. 

أحس برغبة لا تقاوم فى الجلوس. تخير كرسيا فى زاوية من مقهى شبه خاوية، سقط عليه متهالكا. وضع مرفقيه على المنضدة الرخامية. تمتم مفكرا 

صحيح كان على ان اسلمه المبلغ، ولكن يا اخى – علم الله – لا اعرف كيف كرهت الرجل، ربما كرهته لقسوته، وهو يصفع الولد. ربما كرهته لمنظره الذى لم ارتح اليه. انا لا اعرف بالضبط.. المهم يا عم نفذنا بجلدنا.. يا اخى ماذا افعل؟! 

طيب. اسمع. اسمع. هو يستطيع بخبطة واحدة ان يكسب الالاف.. اما انا.. 

انا الذى لا حول ولا قوة، فكيف اصل بربك الى مبلغ مثل هذا، وانت سيد العارفين، وعارف البئر وغطاه لا ورث ولا تجارة يا حسرة. يا اخى – اعمل معروف.. 

نفسى اعيش.. هل اموت يعنى؟ من يرضى بذلك؟.. مرة واحدة يا اخى نخطىء من نفسنا. كفاية فضيلة. شبعنا يا اخى فضيلة. ربنا كريم وعنده العفو

  •  طيب – استحلفك بالله – ماذا تفعل لوكنت فى مكانى وفى مثل ظروفى؟ 

يا رجل – صلى على النبى – طيب والله العظيم لكنت شربتهم، وبلعتهم. يا رجل (حد ماشى) على الدين. اسمع، بلا فلسفة على الفاضى. اخذناهم، وانتهى الامر، وربنا غافر الذنب، قابل التوب.. زوجتى؟. تقول: زوجتك.. 

والنبى ستفرح. انا عارفها.. دعك من كلامها الفاضى. يا عم – اسكت.. والله لوكان مال النبى لأكلته. تسالني عنها. صلى على النبى. صلى. يا سلام. الحمد لله احمدك يا رب، واشكرك على نعمتك.. فعلا يا اخى.. ربنا يرزق من حيث لا نعلم، ولا ندرى. يا سلام.. يا سلام يا اولاد.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.