تراب العفاريت

تراب العفاريت

د. محمد جابر لطفي

اللوحة: الفنان الفرنسي إدموند دولاك

ذات مساء كنت أجلس فى دكاني الصغير انتظر ان يأتى الى من يريد بنفس راضية لكى يعطينى نقوده ويطلب وهما معلقا على الجدران. كنت أعبر نهر منتصف العمر فى بطء عجيب أسائل نفسى هل أمر ام انتظر. مازلت أنبض بالحياة وكأنى فى العشرين لكن قلبى كان أشيبا مرت به سحب الهموم السوداء فأبدلته واصبح لايرى من الحياة إلا الوانا من الاوهام المعلقة على جدران الدكان القابع فى بقعة داكنة من شارع التجار فى المدينة التى أقطنها.

لعدد لامتناهى من المرات سألت نفسى عن جدوى الاستمرار فى مبادلة النقود بالأوهام هذا مسحوق من قرن الخرتيت يأتى بأفعال الشباب عند ختام العمر وآخر من تراب لمسته عفاريت خضراء وأخرى حمراء يوضع فى الأعين لجذب الأحباب وزهور لالون لها من واق الواق لجعل النحاس ذهبا وأخرى وأخرى لا أذكر لها اسما كل ما اعرفه هو أنى امتلك لسانا يقطر شهدا خداعا ينطق كلاما حلوا محملا بأصناف الشهوات يدفع فيها الناس ما لديهم ليحملوا ما غلا ثمنه وخف حمله من الوان الأوهام المعلقة على الجدران الشاحبة والتى يظن المشترى أنها موضوعة من قبل لقمان الحكيم نفسه.

لذا كانت لدى سمعه ذهبية تتجاوز البقعة الباهتة فى شارع التجار وفى أطراف المدينة بل وتتجاوزها الى القرى والبلدات المحيطة.

إلى ان سمعت بمقدم رجل غريب يحكى قصصا تقطر رعبا عن أناس كالجراد يزحفون على القرى والمدن يأكلون ما لدى الناس، يأخذون نساؤهم وكل ما لديهم من حطام الدنيا، ومن يجرؤ على الاعتراض لا يلقى الا السيف والنار، كانوا كالأقدار المظلمة التى تهجم على الانسان وتبتلعه لتسحبه الى جوف بلا قرار.

انقسم الناس الى فريقين مابين مصدق ومكذب إلى أن جاء آخرون من بلدات بعيدة كنا نسمع عن أسمائها ولا نرى من أهلها أحدا كانوا أسوأ حالا من ذلك الغريب جاءوا بأهليهم وبقايا مما كان يملكون وساعتها علم الناس اسم قبائل الجراد البشرية كانوا هم التتار.

كان ذلك الاسم كالطاعون الأسود نسمع عنه ولانراه لأن من يراه يموت أما من ينجون فإنهم يحملون بذور الهلاك ينشرونها مع انفاسهم يمهدون الطريق للموت لكى يحصد مازرعه من قبل.

فى ذلك الخضم من الأحداث كنت أجلس فى دكانى أنظر الى ألوان الأوهام المعلقة فى سخرية وإشفاق. كنت أصحو لأجد من يدق بابى فى لهفه طلبا لمساحيق عديدة أحدها يجلب النوم الى الأعين اليقظة من الرعب والآخر يبعد الأشباح التى تدق على أبواب الاجفان لكى تسلب النوم من مرقده لكن الطلب اشتد على تراب العفاريت الأرجوانية التى أن ذرها المرء على بساط تحول الى بساط مسحور يطير به من يريد الى أبعد مكان لا يستطيع التتار القادمين من كل مكان الوصول اليه. كانت المدينة تهتز من فرط الرعب خرج منها الكثير من الأعيان الى أم الدنيا مدينة مصر المحروسة طلبا للحماية وقربا من السلطان لكن البقية التى عادت كانت فى أسوأ حال إذ هاجمها العربان ومماليك تتقاتل فيما بينها فيأبى السلطان الجديد يدعو أنصاره لمقاتله مماليك غريمه أقطاى ومن يجازف بالخروج يلقى مصيره.

نظرت الى حالى لأجد أنى نبتة لا جذور لها، ليس لى قريب، أسكن داخل دكانى ولم يعد لى صاحب إلا الدنانير التى كنت أجمعها وأتحدث معها كثيرا بعد أن أغلق حانوتى القديم. كنت اريد الا يكتشف أوهامى أحد، لذا فلم يعد لى صديق، كنت أفتعل الغموض والكلام القليل المبهم حتى أضفى القدم على أسرار بضائعى، لذا أقبل عليها الناس بلهفة.

كانت لدى مشكله كبيرة لأنى كباقى من حولى أريد الأمان والدفء لكنى لم أجد من يبعينى أى منهما. كان كل الناس يحسدوننى على مالد من أصناف الاوهام وأنى أستطيع تناولها متى شئت وكنت أسمع أنى ولابد ان أكون أسعد انسان على وجه الارض إذ عندما يأتى التتار أنثر تراب العفاريت التى نسيت لونها على ثيابى وحذائى لأطير الى ما وراء بلاد واق الواق. مرت الأيام والشهور سراعا والمدينة تفرغ من سكانها وتمتلأ رعبا وقلقا وجوعا وظمأ إلى شراء اوهامى. لم أكن أجرؤ على الخروج فلا مكان لى أذهب اليه. كنا نسمع عن ازدحام القاهرة بأناس كثر وأن الفقر والجوع قد نشرا اجنحتهما القبيحة على كل مكان. كانت تنتابنى أحلام فى اليقظة والمنام عن تراب العفاريت حتى وجدت نفسى وأنا اضحك فى رعب ابحث عنها فى الرفوف الصدئة القديمة حتى وجدتها ملفوفة بعناية فى كتان لفائف حول مومياء قديمة من آل فرعون. فككت تلافيف الكتان حتى وصلت إلى مسحوق أرجوانى يلمع وأخذت أفكر هل حقيقة أنه سوف يأخذنى إلى أبعد مكان. وضعته فى هدوء حتى لا يتناثر وأفقد فرصتى الوحيدة الباقية فى الطيران بعيدا. 

أخذتنى نوبات متعاقبة من البكاء والضحك هل أصدق نفسى أم أكذبها؟ هل هذا التراب الأرجوانى حقيقة ام وهم يباع للسذج؟. الأبواب تدق من حولى التتار قادمون المماليك تهجم وأنا حائر هل أجازف برش التراب الغالى الآن؟ وهل سوف أطير حقيقة؟. أصبحت الآن احسب وأعد إلى أى مدينة فيما وراء واق الواق سوف أصل. هل هناك من سوف يشترى الاوهام؟ وهل أحمل معى شيئا من بضائعى الثمينة؟. الشارع من حولى يفرغ وأنا لازلت أفكر هل أنثر نصف مامعى من التراب السحرى وأحتفظ بالباقى لأبيعه هناك؟ لا يوجد طعام فى المدينة ولإماء الناس من حولى يأكلهم الفزع. أرى فى أعينهم الطمع فى تراب العفاريت الأرجوانية. أسمعهم يدقون على بابى لأخذه لآأدرى ماذا أفعل وأخيرا توجهت إلى كتان الفرعون وأخذت قبضة من التراب ونثرتها على وجهى وثيابى وحذائى وانتظرت. أحسست بلهب قادم من كل مكان من حولى ومن داخل جسدى الذى كان يشتعل. عللت ذلك بأنى أستعد للطيران ولكنى لم أتحرك. أصبحت الألآم فظيعه لا تطاق شققت ثيابى وخلعت حذائى وانطلقت خارج الدكان بحثا عن ماء يطفى ذلك الجحيم فلم أجد. تجمع حولى شحاذون ومرضى بالجذام هم ماتبقوا من الناس اما الباقى فقد هربوا منذ زمن. اعتقد هؤلاء أنى قد أصبحت مؤهلا للطيران بواسطة تراب العفاريت السحرى الذى طالما أسهبت فى وصفه ولم يستطع أحدا شرائه لغلو ثمنه. تجمع هؤلاء من حولى وأنشبوا أظافرهم فى جسدى ليأخذوا ما يستطيعون وأنا اصرخ واهرب لكى أطير بعيدا كانوا يضعون أيديهم على ما تبقى من التراب ويلصقونه بأجسادهم و أراهم وهم يصرخون وأجسادهم تلتهب فى جحيم يطلب المزيد. أصبح المشهد ضاحكا مهيبا وأنا أقودهم الى بلاد واق الواق وأطوف بهم فى الأسواق الميتة وهم يتساقطون وأنا لازلت احترق وأضحك وأصرخ من الألم وكلى فخر بأنى أحمل تراب العفاريت وأستعد للطيران.

4 آراء على “تراب العفاريت

  1. قصة أكثر من رائعة ، أسلوبها رشيق ، وكما قال د. وائل : براعة الكاتب ومهارته ان يظل محتفظا بقارئه حتى النهاية
    تحياتى

    إعجاب

  2. القصة رائعة دكتورنا الحبيب والمدهش أن القاريء ظل يكتم أنفاسه مع الأحداث حتى آخر القصة والنهاية فعلا ممتعة لم يكن يتوقعها القاري بالرغم من معايشته الحدث خطوة بعد خطوة وتلك براعة منك احييك عليها فبراعة الكاتب ومهارته ان يظل محتفظا بقارئه حتى النهاية

    Liked by 1 person

اترك تعليقًا على nabeelaghonem إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.