ميراث الفتنة

ميراث الفتنة

مصطفى البلكي

اللوحة: الفنانة العراقية عفيفة لعيبي

 دخل البيت فوجد زوجته ترقص في الردهة، ظهرت له كأنها تُخرج شيطان الجسد، عرف ذلك من نشاط حركتها ومن عجنها وربها له، ولكي يُشعرها بوجوده زاد من صوت ركز خطواته، فلم تشعر، ولم تنتبه أيضا حينما افتعل السعال. 

تراءت له شهية، كأنه لم يقربها من قبل، اشتعلت الرغبة في عينيه المفتوحتين، فتراجع محافظا على وضع الجسد الراقص في الحدقتين، جاهد ألا يرتكب حماقة تجعله يفقد مبعث متعته اللحظية، ألصق ظهره بالجدار معقود اللسان، يرغب في تكذيب المشهد القريب من الاكتمال لحظة وضعها راحتيها على خصرها وشروعها في ترقيص ردفيها مع ثبات الجذع والساقين. ما أروعها! نطق داخله، وتمني أن تظل هكذا أبد الدهر وما قُدر لها من حياة. لكن كيف؟ استدرك، وأعاد النظر إلى الجسد، ثمة قميص قديم على جسدها، لم يره من قبل، بلا لون تقريبا، يميل ـ بتدقيقه ـ إلى لون التراب المعجون بالماء. 

كان جسدها البض متناسقا مع القميص رغم قدمه، يتماوج شعرهاـ في سواده الليلي ـ على ظهرها السرح، تهدل بعضهُ ومال على فتحة القميص المتخذ شكل رقم سبعة، ما تحت القميص من جسدها كان بلا لون، وما كان حرا طليقا كان خمريا مشربا بحمرة، وجهها كان أكثر وضوحا، فارقه حزنه وبلادة تقاطيعه، كل شيء أصبح فيه كتابا للشوف، مباحة حروفه لعين تجيد المفاضلة بين ما كان وما هو كائن، أهي من عاشرتني وعاشرتها؟ أين كانت؟ وأين جسدها الجامد بين يدي، من كل ما أري، أهي تولد من جديد وعقدها الرابع يكتمل؟ فورة جديدة وأخيرة لجسد يرغب في التنفس، ورشف الرحيق من حياة ستكون ضنينة بعد أن يغيب كل هذا تحت ركام من الترهل، ومحدودية الحركة.. أسكت صوته وانتبه إلى المساحة الصغيرة التي يدور فيها جسدها، كيف ألزمت نفسها بها؟ وما هذا الشكل الدائري بالذات؟ أسئلة راحت تتوالد من رحم بعضها، وللمرة الثانية، لا قدرة يملكها ليأتي بإجابات مقنعة، فما كان منه إلا أن اكتفي بالانزعاج، كونه لا يفهم، فعل هذا، وأيضا كونه يشعر بشئ يجهله، شحذ نفسه، لعمل صبر عليه، خطوة واحدة نقلها، وقبل الثانية، كان الجسد الجميل أمام عينيه، يتهاوى، في منتصف دائرة الرقص.

اقترب منها، كان صوت تنفسها خافتا، بعد أن كان قويا كتنفس العداء المخترق لمدن عدة، لم يقف ولا مرة للراحة، الآن يزداد خفوتاً، ومعه يزداد خوفه، مشاهدة تأكدت لديه، فتحولت رغبة بث الحياة فيها إلى رغبة محمومة، فاقترب أكثر من جسدها المزمع على خيانته بقربه من الرحيل، هكذا كان ظنه، خصوصا والماء المنفلت من الجسد، والناشع من قميص قديم، راح يظهر حولها، وأصبح أكثر وضوحا بجوار اليد الملقاة في استسلام جوارها.

بينه وبينها شبران، هزها فلم تحرك ساكناً، ارتبك، ثم زعق:

قومي، لا تغادريني. 

كف عن الصراخ، وبقيت يده تهزها، وبقدر المستطاع جاهد كي يجعل دموعه حبيسة سجن عينيه، بقدر المستطاع جاهد، لكن هذا لم يحدث، ففي لحظة معينة، انهمرت الدموع، بينما هي تسترد وعيها، بإرسالها نظرات إلى وجهه، شافها فتنفس الصعداء وقال “ليس هناك فرصة متاحة للقلق”.

كان من الطبيعي أن يغادرها، ويحضر كوب ماء، ثبته بين شفتيها، رشفت منه رشفات قليلة، أقل بكثير من الكمية التي دلقت على تدويرة صدرها، بفعل رعشة يده، ركن الكوب ونظر إليها، فنبت بداخله الحزن، فعانق وجهها، وجد نظراتها قريبة من نظرات المدقق الشارد خلف ضوء الحقيقة، كأنها تسأله، من أنت؟ من تكون؟ 

ألقت بما أرادت أن تقوله بصمتها، وسحبت عينيها، وأخذت تهمهم بكلمات غير واضحة، في تلك اللحظة أيقن أن الخطر منه قريب، أكثر مما يظن ويقدر، فركع بجوارها، بعدما دخل دائرة رقصها، فمنحته نظرة، احتار في تفسيرها، لم يكن ضمن ما دار في رأسه ما يطلق عليه نظرة ملؤها الاستغاثة، كل شيء محتمل إلا ذلك المعني.أكدت ما وقر بداخله، لحظة أن منحته وجهها ومعه السؤال:

ـ مين أنت؟

ـ أنا!

ـ أيوه.

انتفض واقفا، وتراجع مذهولاً، وراح يراقبها، وهي تستقيم، معلقة نظرها على شيء غير مرئي، من حركتها أيقن بأنها حركة من يتعلق بشخص يغادر، كانت تريد إبقاءه، حينما انتصب عودها، فردت ذراعيها ثم ضمتهما إلى صدرها، وهي تردد:

ـ يا مرحب بالخلبوص.

ظلت للحظات وهي تلف ضامة إلى صدرها شخصا وهميا، وزوجها يراقبها بأعصاب يجاهد حتى لا يفقدها، ورغم جهد بذله لتحقيق ذلك، شعر بدوار خفيف، وبثقل جسده على ساقيه، فأسند جذعه إلى الجدار، خشية الوقوع، وفكر. من هذا الرجل الوهمي؟

وفجأة، كما وقفت راحت تجلس، وهي تشد الرجل الوهمي معها، استقرت السعادة على ملامحها، فمدت يدها لتغيب تحت الأريكة، ثم تخرج وهي قابضة على صرة، فتحتها، فظهرت حفان الرمل، وقطع محار، انتشلتها، وراحت تفرد الرمل ثم غمدت إصبعها وراحت تخط خطوطا كثيرة، ثم ألقت بقطع المحار، بعد أن وشوشتها، وشرعت في المراقبة مع إبقاء إصبعها مغمودا في الرمل، انتهت، فرفعت وجهها وقالت:

” اللي قلته كان هو الصح”

 والزوج في شروده لائذ بالصمت، مفضلا أن تكون عيناه مغلقتين، على طيفها، وهي تتراءى له، تلف كالمغزل.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.